في الأشهر القليلة الماضية، أخذت خلافات المواقف والآراء داخل مجتمع الاحتلال الإسرائيلي، ومؤسستيه السياسية والعسكرية تطفو على السطح، على الرغم من طبيعة السياسة الإسرائيلية المتعارف عليها في التكتم على أي اختلاف بين وجهات نظر القيادة مهما كانت رتبتها.

في الأشهر القليلة الماضية، أخذت الاختلافات في المواقف والآراء، داخل المجتمع الإسرائيلي، ومؤسستيه السياسية والعسكرية تطفو على السطح، بالرغم من طبيعة السياسة الإسرائيلية ـ المتعارف عليها ـ في التكتم على أي اختلاف بين وجهات نظر القيادة، مهما كانت رتبتها.

بيد أن الاتهامات
المتبادلة بين بعض القيادات أثارت جملة من التساؤلات حول ما يجري بينهما، خاصة بعد أن أعلن وزير جيش الدفاع الإسرائيلي «موشيه يعلون»، الأسبوع الماضي، استقالته من المنصب؛ لمجرد انتواء رئيس الحكومة «بنيامين نتنياهو» تعيين خصمه السياسي المتشدد «أفيغدور ليبرمان»، خلفًا له.

تصريحات «يعلون» وموقف «جولان» يفجران الخلاف

مطلع الشهر الجاري، زار كل من «نتنياهو»، و«يعالو»، ورئيس الأركان العامة «غادي إيزنكوت»، وعدد من ضباط الجيش الإسرائيلي، مكان نفق لبعض فصائل المقاومة الفلسطينية ممتدًا من قطاع غزة المُحاصر، تجاه الأراضي الفلسطينية، بعد أن كشفته إسرائيل.

الناظر لتجمع هذه القيادات في صورة واحدة، توحي بضرورة التصدي لأنفاق المقاومة، ووضع حد لها؛ لمنع الوصول إلى المدن الإسرائيلية، يجد أنها تتفق في اتخاذ القرارات، وتسيير أمورها، دون أي خلاف قد يذكر.

أيام قليلة مضت؛ حتى كشفت هذه الصورة زيف
الرأي السياسي، والعسكري الواحد، داخل المجتمع الإسرائيلي، وأخذ كل واحد منهما يشكك في عمل الآخر، والاتهام بالإقصاء على حساب مصالح حزبية داخل الكنيست الإسرائيلي.

منتصف الشهر الجاري، وبالتزامن مع إحياء إسرائيل ذكرى «يوم الاستقلال»، وقف يعلون يخطب بين قادة الجيش وضباطه، قائلًا «هذا هو طلبي منكم يا قادة الجيش الكبار، وهذا يجب أن يكون مطلبكم من الخاضعين لمسؤولياتكم، واصلوا العمل حسب الضمير الإنساني والبوصلة، ولا تسيروا مع اتجاه الريح، لذلك في الأشهر الأخيرة نجد أنفسنا نصارع أمام أقلية متطرفة تعمل في الميدان وعلى الشبكة الاجتماعية، بعضها تسلل إلى التيار المركزي في المجتمع، ويحاول التأثير على صورة وقيم الجيش«.

لم يكن وزير الجيش يعلم أن يوم احتفاله بـ«الاستقلال»، سيتزامن مع قرار نتنياهو، بتعيين «ليبرمان»، بدلًا عنه؛ إذ اعتبرت الحكومة الإسرائيلية أقواله بمثابة تحريض المؤسسة العسكرية بكامل أجهزتها على نظيرتها السياسية.

حينها، استدعى نتنياهو الوزير؛ لفهم فحوى خطابه «التحريضي»، لكنه أصر على موقفه فيما قاله، ما دفع الأول إلى تعيين زعيم حزب «إسرائيل بيتنا«، إلى الائتلاف الحكومي، وشغل المنصب نفسه، ليصبح في الوقت الحالي الائتلاف الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو «هل هذه التصريحات هي ما فجر الخلافات بينهما؟» على الأغلب «لا»؛ فتصريحات يعلون تأتي بعد دعمه لما قاله نائب رئيس الأركان «يائير جولان»، في حفل إحياء «الهولوكوست»، قبل أسبوعين «إن ما يقلقني في ذكرى المحرقة، هو تشخيص أمور تبعث على الغثيان، كانت قد حصلت في أوروبا عامة، وألمانيا خاصة، قبل عقود مضت، وأن هناك أدلة حصول مثل هذه الأمور في إسرائيل في العام 2016».

وافق يعلون حديث جولان «يجب أن تدفعنا المحرقة إلى التفكير معمقًا، بشأن مسؤولية القيادة، ونوعية المجتمع، ومناقشة قدرتنا على اقتلاع براعم عدم التسامح، وبراعم العنف، وبراعم التدمير الذاتي في طريق التدهور الأخلاقي».

أمور أخرى دخلت ضمن موجة الخلاف بينهما، تمثلت أبرزها في تدخل المؤسسة السياسية ببعض قرارات الجيش فيما يتعلق بالتعامل مع «انتفاضة القدس»، والأراضي الفلسطينية، لاسيما القدس المحتلة، والموقف من بعض القضايا الساخنة في المنطقة، مثل سوريا وإيران، والحرب على قطاع غزة.

وقتها وجدت المؤسسة العسكرية أن قرارتها لا تنفذ، في حين نظرت السياسية أن عدم الانصياع إليها يعتبر تحديًا لها، ومعارضة لآرائها، وهو ما دفع خلافات السنوات القليلة الماضية للخروج عن الكتمان.

لماذا عُين ليبرمان؟

تسّلُم رئيس حزب «إسرائيل بيتنا«، ليبرمان حقيبة الدفاع في حكومة نتنياهو، أدهش الساسة والعسكر داخل المجتمع الإسرائيلي، لما يمثله الأول من مواقف متشددة نحو ملفات عدة، فضلًا عن عدم خبرته في المجال العسكري.

ولنعرف المغزى من وراء تعيينه، لا بد من معرفة المهام التي تقلدها خلال تواجده في الحياة السياسية، وأبرز مواقفه صوب ملفات المنطقة؛ إذ وصل إلى الكنيست لأول مرة في انتخابات عام 1999، كرئيس لحزب «إسرائيل بيتنا«.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الجيش «أفيغدور ليبرمان»

بدأ ليبرمان نشاطه السياسي في بداية التسعينات؛ حينما عينه رئيس حزب «الليكود» آنذاك، نتنياهو مديرًا عامًا للحزب، ثم تطورت حياته السياسية، ليتولى عدة مناصب حكومية، في حكومات «أريئيل شارون، وإيهود أولمرت، وبنيامين نتنياهو»، إلا أن أبرزها حقيبة الخارجية، في حكومتي نتنياهو، الثانية والثالثة، قبل أن يقدم استقالته في مايو (أيار) العام الماضي.

خلال وجوده في الحياة السياسية، واجه العديد من التحقيقات؛ ضمن ملفات فساد، ما جعله يعلن استقالته من المنصب عام 2012، خاصة مع وصول ملفاته خارج إسرائيل، وصدور تهم ضده، لكن المحكمة الإسرائيلية برأته من ذلك.

مواقف الوزير الجديد ـ المتشددة ـ لا تختلف كثيرًا عن نتنياهو، فكليهما يتبنيان نفس السياسة في لفظ الفلسطينيين، والضرب بيد من حديد لكل من يعارضهما، فضلًا عما أسموه في الأشهر القليلة الماضية «عودة هيبة وكرامة الجيش«؛ بعد جملة عمليات الطعن لجنود الاحتلال من قبل الشبان الفلسطينيين، وإطلاق صواريخ المقاومة من داخل قطاع غزة على «المستوطنات الإسرائيلية«، وعدم تعامل الجيش معها بحزم.

على الرغم من علاقات التوتر التي كانت تسود بينهما داخل الحكومة، إلا أن التعيين قد جاء في الوقت المناسب، بالتزامن مع احتمالات سقوط الحكومة بفعل المتغيرات الأخيرة في منطقة الشرق الأوسط، والداخل الإسرائيلي من عدم السيطرة على بعض العمليات الفدائية للفلسطينيين، ووضع حد لإطلاق الصواريخ.

ترى الأوساط الإسرائيلية أن رئيس الحكومة، لم يشعر بالراحة أبدًا في الجيش الإسرائيلي؛ إذ إن صداماته المستمرة، منذ العام 1998، مع قادة الجيش، وحتى الآن، ساهمت في تراجع هيبة «دولة الاحتلال«.

لذلك، فإن الهدف من التعيين ليس سياسيًا فحسب؛ وإنما لتوسيع الائتلاف الحكومي، بعدما تزعزعت الثقة بنتنياهو، من قبل النخب المختلفة داخل الكنيست، وبالتالي فإن وجود «ليبرمان« سيعكس استمرار الجدال بينهما.

الصحف الإسرائيلية تناولت الحدث بشكل من التفصيل، فهي ترى أن نتنياهو كان يبحث عن رجل قوي يزرع الخوف بين الجنرالات، فاختار «ليبرمان«، والذي لا يملك أي مؤهلات؛ حتى يكون عسكريًا، وليس وزيرًا للجيش.

ومن بين الأسباب أيضا، سعى رئيس الحكومة إلى التقليل من تأثير الجيش وجنرالاته على عمله، وجعلهم يعملون من أجل الحفاظ على بقائهم، فضلًا عن أنها رسالة للمسؤولين الأمنيين والعسكريين، والسياسيين؛ بأن من يحاول أن يملي عليه قراراته فإنه سيقال على الفور.

وبما أن الهداف الأبرز من وراء التعيين هو توسيع التحالف الحكومي، والذي من شأنه أن يلبي العديد من التحديات واستغلال الفرص، عبر ضم حزب «إسرائيل بيتنا«، إلى الحكومة، وتصريحه الأخير بأن «الفرصة لا تزال سانحة لضم المعسكر الإسرائيلي إليه».

ضم هذه الأحزاب إلى الحكومة الإسرائيلية، والمعروفة بمواقفها المتشددة، من شأنها تقوية رأي الساسة أمام قادة الجيش، إلا أن رفض رئيس المعارضة في إسرائيل، ورئيس المعسكر الإسرائيلي، «يتسحاق هرتسوغ«، التفاوض مع حكومة تضم «ليبرمان«، والذي يصفه بـ«التطرف والجنون«، قد تضعف الائتلاف الحالي مع التغيرات الأخيرة.

حتى تتضح الصورة أكثر، لا بد من الإشارة إلى طبيعة العلاقة بين المعسكر الإسرائيلي؛ كأقوى معارض للحكومة الإسرائيلية، فهو
يتمثل في رئيس المعارضة «هرتسوغ«، وهو رئيس حزب «العمل» ونائبة الكنيست «تسيبي ليفني«، رئيسة حزب «الحركة هتنوعاه»، واللذان أعلنا عن توحيد قواهما في تحالف باسم «المعسكر الإسرائيلي«؛ للترشح ضد «نتنياهو« عام 2014.

وكان تحالف «المعسكر الإسرائيلي«»، قد تشكل من أجل الحفاظ على مصلحة «الدولة الإسرائيلية«، والتي يحاول رئيس الحكومة الحالي تدميرها عبر سياساته المختلفة، من خلال مغامرته بانتفاضة فلسطينية ثالثة؛ لعدم تعاونه مع «سلطة عباس«،، في اتفاق سياسي ينهي أزمة فلسطين نهائيًا، ويجلب الأمن لـ«الدولة الإسرائيلية«.

قراء السياسة الإسرائيليون لا يرحبون بليبرمان

حالة الاستياء والدهشة التي أبداها العديد من قراء السياسة داخل المجتمع الإسرائيلي إثر قرار التعيين الأخير، أعقبها سيناريوهات بمزيد من الانشقاق داخل المؤسستين السياسية والعسكرية، فضلًا عن إسقاط الحكومة الحالية، وتغيير المسار السياسي الإسرائيلي داخليًا وخارجيًا.

خاصة وأنها المرة الأولى التي يتم فيها تعيين وزير للجيش، على النقيض التام من رغبة قيادة الجيش؛ فالوزير الجديد في مناصبه السابقة، وكعضو في المجلس الوزاري المصغر (الكابينت)، كان كثير التصادم مع الجيش، ومع خصمه «يعلون«، أبرزها في الحرب الأخيرة على غزة.

وزير الجيش الإسرائيلي المستقيل «موشي يعلون»

المعلق العسكري لصحيفة «هآرتس»، «عاموس هارئيل«، لفت من وراء التعيين إلى احتمال أن يتغير سلوك «ليبرمان«، بعد الانتقال من موقع مقدم النصح، إلى موقع المسؤول الأول عن وزارة الجيش، بالرغم من شهرته سابقًا بالتهديد بقصف «السد العالي في أسوان، وتدمير طهران»!

فيما الأمر الثاني، والذي أقلق العديد من ضباط الجيش الإسرائيلي، هو مطالبته مؤخرًا بفرض عقوبة الإعدام على المقاومين الفلسطينيين، والقضاء على حكم «حماس« في قطاع غزة، وهو ما لم يرق لقادة الجيش تحقيق ذلك في الوقت الحالي.

تزامنت هذه الخشية من أن قيادة الجيش كانت حذرة في التعامل مع «حركة المقاومة الإسلامية» (حماس(، والهبة الشعبية الحالية في «الضفة الغربية والقدس» المحتلتين، حتى إنهم أصدروا تعليمات للجنود الإسرائيليين؛ بعدم استسهال الضغط على الزناد، وتوخي الحذر في عمليات القصف في القطاع، بعد إطلاق صواريخ.

خلافات الساسة والعسكر في إسرائيل لم تبدأ اليوم

ثمة ملفات ساخنة في منطقة «الشرق الأوسط» هي ما كشفت عن عمق الخلاف بين المؤسسة السياسية والعسكرية الإسرائيلية؛ فالعديد من القرارات ـ التي يصدرها الجيش ـ لا ينصاع إليها قادة السياسة، والعكس تمامًا يحدث؛ ففي السنوات الأخيرة الماضية، ومع شن الاحتلال حروبًا مختلفة ضد «حزب الله« اللبناني، و«حماس«، في قطاع غزة، والموقف من «برنامج إيران النووي»، والصراع الدائر في «سوريا»، أظهرت تباينًا في المواقف والقرارات بين القيادة، فأفرزت ضعفًا في الثقة المتبادلة بينهما.

ومنذ إقامة «إسرائيل« يمكن الإشارة إلى أبرز أربع حالات فقط؛ صاغ فيها رئيس الحكومة سياسة لم يقترحها الجيش، ولم يكن موافقًا عليها أصلًا؛ إذ في عام 1977 قرر رئيس الوزراء سابقًا «مناحيم بيغن«، توقيع اتفاق سلام مع مصر، ثمنه الانسحاب من سيناء، كان قد عارضه قادة الجيش.

«نتنياهو» خلال اجتماعه مع قادة الجيش الإسرائيلي

بينما في عام 1993، قرر «رئيس هيئة أركان عامة» سابق، «إسحق رابين«، تبني اتفاقات «أوسلو»، خلافًا لموقف الجيش، ومع بداية «انتفاضة الأقصى الثانية» عام 2000 سحب «رئيس هيئة أركان عامة» سابقًا، «إيهود باراك«، الجيش الإسرائيلي من «لبنان»، على الرغم من المعارضة الصارخة والعلنية من قبل قيادة الجيش.

ومن أبرز القرارات التي ترى قيادة الجيش فيها عدم صواب القيادة السياسية في اتخاذها، هي ما حققه «رئيس الحكومة» سابقًا، «أرئيل شارون«، في عام 2005، تنفيذ خطة الانفصال، والخروج من غزة.

كما أشرنا ـ مسبقًا ـ إلى بعض الخلافات، والتي فجرت العلاقة بين المؤسستين، في الأسابيع القليلة الماضية، فإن الحلول المطروحة لحل أزمة «قطاع غزة»، وعلى رأسها إنشاء ميناء، يشعل خلافًا كبيرًا بين المستوى السياسي من جهة، والمستوى العسكري والأمني من جهة أخرى.

فيرى العسكري أن إنشاء ميناء سينعش الاقتصاد في غزة، ويديم حالة الهدوء لسنوات, فيما يخشى السياسي من إعطاء هذا الإنجاز الكبير لـ«حماس«، والمقاومة؛ بما يظهرها عاجزة عن حل الوضع، بعد ثلاثة حروب متتالية، لم تحقق أي شيء من الخيارات المطروحة.

حتى إن التلويح بشن حرب جديدة على القطاع، تغذي الخلاف بين المؤسستين؛ فطرف يرى بأن الهدوء في القطاع لصالح قادة الجيش، فيما يصر السياسي على توجيه ضربة «قاضية«، للمقاومة في غزة.

أمام المعطيات الواردة من داخل المجتمع الإسرائيلي، وتزامنها مع رؤية المتخصص في شئون الشرق الأوسط، والكاتب في صحيفة «هآرتس»
، «تسيفي بارائيل«، والذى ألمح فيه إلى حدوث أول انقلاب عسكري يهودي، هو الأول من نوعه؛ بفعل التوترات الجارية بين القيادتين السياسية والعسكرية، فإن احتمالات سقوط الحكومة الحالية وارد.

في حين ترى أوساط أخرى بأن الاختبار الحقيقي أمام الحكومة القادمة، هي: ملفات الصراع المختلفة، سواء في غزة، أو «انتفاضة القدس«، المشتعلة في بعض مدن الضفة المحتلة، ومشروع التسوية مع الفلسطينيين، إلى جانب ملفات سوريا وإيران، فهل ستورط «إسرائيل« نفسها مع جبهات متعددة، مع قدوم «ليبرمان«؟ أم أن قيادات الجيش ستحسم أمرها مع الساسة؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد