تعتبر الانتخابات الرئاسية الأمريكية من أهم الأحداث السياسية التي تؤثر في كثيرٍ من مجريات الأمور في كافَّة أنحاء العالم، ولا شك أن الجوانب الاقتصادية والتجارية وأسعار العملات – خاصةً الدولار الأمريكي – تتأثر جميعها بالمرشحين الرئاسيين، سواء كان المرشح ينتمي للحزب الديموقراطي أو الحزب الجمهوري؛ فكل مرشح يقوم بوضع خطته الاقتصادية طبقًا للخلفية الحزبية التي ينتمي إليها.

وتعتبر التصريحات التي يدلي بها المرشحون أحد النقاط الهامة التي تؤثر في الحياة الاقتصادية؛ فمثلًا تصريح المرشح الأمريكي الحالي دونالد ترامب بمنع المسلمين مؤقتًا من دخول الولايات المتحدة تسبب في وجود قلق كبير لدى عدد من المستثمرين المسلمين في السوق التجاري للولايات المتحدة وقد يفكر بعضهم في سحب استثمارته أو وقف التعامل التجاري مع البورصة الأمريكية مما قد يسبب زعزعة في حركة الاقتصاد.

السياسة النقدية للأحزاب في الولايات المتحدة

تتركز السياسة المحافظة للحزب الجمهوري على تقليل الدين المحلي، وخلق الكثير من فرص العمل من خلال القطاع الخاص. ومن أجل ذلك فإن القرارات الاقتصادية للمرشح أو رئيس الجمهورية المنتمي للحزب الجمهوري دائمًا ما تنحاز إلى خفض الضرائب وتقليل الضوابط والشروط الإلزامية على استثمارات وشركات القطاع الخاص، وذلك لتمكنهم من العمل بشكل حر وخلق الكثير من فرص العمل للمواطنين الأمريكيين، ولهذا السبب نجد أن معظم داعمي الحزب الجمهوري هم من رجال الأعمال والمستثمرين.

في إحدى الخطب الدعائية للمرشح الجمهوري دونالد ترامب قال إنه سيعمل على تخفيض الضرائب المفروضة على الشركات من 40 % حتى تصل إلى 15 %، ويبرر ذلك بأن تلك الضريبة الكبيرة على حد وصفه بمثابة عقاب للشركات والمستثمرين ورجال الأعمال على عملهم وإنتاجهم داخل سوق الولايات المتحدة.

وعلى النقيض، فإن سياسة الحزب الديموقراطي تعتمد على الحكومة في مسئوليتها في المقام الأول في دعم الاقتصاد ودفعه، وخلق الكثير من فرص العمل دون الاعتماد على القطاع الخاص، ودائمًا ما يكون هناك الكثير من الضوابط الاقتصادية على البورصة وسوق العمل الخاص عندما تكون الحكومة ديموقراطية.

كيف سيبدو الاقتصاد الأمريكي في حال فوز كل مرشح؟

 أولا: دونالد ترامب

تشير مجموعة من الإحصائيات الاقتصادية التي نشرتها صحيفة واشنطن بوست الأمريكية إلى أنه بعد سنتين فقط من ولاية ترامب كرئيس للجمهورية، في حال فوزه بالانتخابات، سيبدأ النمو الاقتصادي الأمريكي في الانخفاض بمعدل 0,3 وهو أعلى انخفاض قد يحدث للاقتصاد منذ حالة الركود الاقتصادي الذي ضرب الاقتصاد الأمريكي. وتوضح تلك الإحصائيات أيضًا أنه في حالة عدم تطبيق سياسات دونالد ترامب للاقتصاد العالمي، فإن الاقتصاد الأمريكي سيكتسب زيادة تُقدَّر بنحو 480 مليار دولار أمريكي.

وذلك بخلاف الحرب التجارية التي قد تشتعل بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين من ناحية، وبين المكسيك والولايات المتحدة من ناحيةٍ أخرى؛ فدونالد ترامب يطمح إلى فرض الكثير من الضوابط والضرائب على التعاملات التجارية مع الصين؛ حيث  أعلنَ في أحد لقاءاته مع مؤيديه أنه سيقوم بإلغاء اتفاق التبادل التجاري الذي أبرمه الرئيس الأسبق بيل كلينتون مع دولة المكسيك، والذي سهَّل سيولة الحركة التجارية بين المكسيك والولايات المتحدة، وذلك عن طريق عدم فرض ضرائب على البضائع التي يتم نقلها بين الدولتين، وهي الخطوة التي قد تتسبب في توتر العلاقات بين المكسيك والولايات المتحدة بعد أعوامٍ طويلة من التعاون الاقتصادي.

ثانيًا: هيلاري كلينتون

تعتبر اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي أو ««TPP أحد أبرز الاتفاقيَّات الضخمة التي وقَّعها باراك أوباما، وهي التي تتيح حرية التجارة ونقل البضائع بين الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة كبيرة من الدول وهي: «سنغافورة، فيتنام، تشيلي، اليابان، ماليزيا، المكسيك، كندا، أستراليا، نيوزيلاندا، بيرو، وبروناي». وتعارض مرشحة الحزب الديمقراطي هيلاري كلينتون هذه الاتفاقية بشدة وأعلنت أنها ستقف ضدها؛ لأنها -على حد قولها- تقتل الكثير من فرص العمل وتؤدي إلى نقص الأجور لمجموعة كبيرة من العاملين بالسوق التجاري الأمريكي.

وعلى الرغم من ذلك.. فإن كلينتون لا تعتبر في مثل حدَّة دونالد ترامب في خططه في التعامل مع الصين أو المكسيك مثلًا. كما أنها لم تصرِّح بأنها ستقلل الضرائب على الشركات والمستثمرين بشكل كبير كما يخطط ترامب، فهي طوال الوقت تحاول أن تبني أرضية من التفاهم بينها وبين الدولة التي تتشابك أهدافها الاقتصادية مع متطلبات السوق الأمريكي، وهو ما قد يقضي على خطر الحرب الاقتصادية التي على وشك أن تبدأ مما سيساعد على الاستقرار الاقتصادي في السوق الأمريكي وأسواق التجارة العالمية.

أثر الانتخابات الأمريكية على حركة البورصة وتبادل الأسهم

أشار عدد من الدراسات الاقتصادية إلى أن عمليَّة تبادل الأسهم تتحسَّن كثيرًا عندما يفوز مرشح الحزب الذي ينتمي له الرئيس الذي يترأس رئاسة الجمهورية في الوقت الذي تحدث فيه الانتخابات؛ فعلى سبيل المثال فإن باراك أوباما الرئيس الحالي ينتمي للحزب الديموقراطي، وبالتالي في حالة فوز دونالد ترامب الذي ينتمي للحزب الجمهوري لن يتحسن وضع البورصة بل سيكون هناك بعض التخبطات، وعلى النقيض تمامًا في حالة فوز هيلاري كلينتون لأنها تنتمي للحزب الديموقراطي. وتعود تلك الأسباب في الأساس إلى أنه عندما يفوز مرشح من حزبٍ مختلف تشهد الولايات المتحدة فترة عدم استقرار إداري واقتصادي؛ وذلك بسبب الوقت الذي يُستغرق في تغير الوظائف والمناصب الحيوية في الدولة من حزب الرئيس السابق إلى حزب الرئيس الحالي.

وجدير بالذكر أن الانتخابات الرئاسية دائما ما تأتي مع الانتخابات التشريعية للبرلمان أو الكونجرس الأمريكي، وبالتالي فإن الكونجرس الأمريكي والأغلبية وتغيير الأغلبية فيه على مدار دوراته المختلفة يؤثر كثيرًا على سوق البورصة. وعلى مر التاريخ كانت البورصة تؤدي جيدًا عندما يختلف الحزب الذي ينتمي له الرئيس مع الحزب الذي يستحوذ على غالبية المقاعد في الكونجرس؛ فمثلا يكون الرئيس جمهوريًا والكونجرس ديموقراطيًا والعكس صحيح.

تأثير كل مرشح على الاقتصاد الشخصي للأفراد

أولًا: هيلاري كلينتون

في المناظرة الأولى التي جمعت هيلاري كلينتون ودونالد ترامب، وَعَدَت السيدة كلينتون بتقليل الضرائب المفروضة على الطبقة المتوسطة من أفراد الشعب الأمريكي، وزيادة الضرائب على أصحاب الدخل الضخم؛ وذلك لخلق حالة من الموازنة الاقتصادية بين الأفراد في المجتمع. وتتضمن خطة هيلاري الاقتصادية أيضًا التقليل من مفهوم التجارة والاستثمار قصير الأمد في الولايات المتحدة، وتشجيع الاستثمار طويل الأمد من خلال قانون لتنظيم هذه العملية، وسينص هذا القانون على أن المستثمر ستطبق عليه ضرائب بنسبة 39.6 % من الأرباح خلال فترة استثماره أو إنتاجه في السنة الأولى وحتى السنة الثانية، وستبدأ قيمة الضريبة في الانخفاض حتى تصل إلى 20% بعد 6 سنوات من الاستثمار في الولايات المتحدة، الخطوة التي قد تشجع الكثير من المستثمرين لإقامة مشروعات والعمل في سوق الولايات المتحدة، وهو الذي سيساعد في خلق فرص عمل كثيرة للمواطنين وسيضمن لهم عائدًا شهريًا أو سنويًا جيدًا.

ثانيًا: دونالد ترامب

إن كانت هيلاري كلينتون تضع شعارًا لخطتها الاقتصادية «العائلات متوسطة الدخل أولاً»، فدونالد ترامب يرى أن خطته الاقتصادية يجب أن تجعل «الولايات المتحدة أولاً»، فهو يرى أنه يجب أن يتم تقليل الضرائب بشكل عام على أصحاب الدخل الضعيف وأصحاب الدخل المرتفع وحتى أصحاب الأعمال والمستثمرين. وعلى الرغم من أن حديثه عن تقليل الضرائب للمستثمرين بشكل محدد، فهو لم يتكلم عن تقليل نسب بعينها من ضرائب الأفراد، كما أنه أعلن من قبل أنه لن يرفع الحد الأدنى من الأجور.

عرض التعليقات
تحميل المزيد