هل سبق وأن رأيت فيلم ماتريكس؟ هل تتذكر الجزء الأول من الفيلم وكيف كانوا يقومون بتحميل المعلومات المختلفة إلى رأس البطل بشكل مباشر عبر توصيله بكمبيوتر معين؟ هل تتذكر تلك اللحظة التي تعلم فيها "نيو" مهارات لعبة الكونغ فو في لحظات معدودة عبر تحميل برنامج معين إلى مخه بشكل مباشر.

هل سبق وأن رأيت فيلم «ماتريكس»؟ هل تتذكر الجزء الأول من الفيلم، وكيف كانوا يقومون بتحميل المعلومات المختلفة إلى رأس البطل بشكل مباشر عبر توصيله بحاسب آلي مُعين؟ هل تتذكر تلك اللحظة التي تعلم فيها «نيو» مهارات لعبة الكونغ فو في لحظات معدودة عبر تحميل برنامج معين إلى عقله بشكل مباشر.

حسنًا، يبدو أن هذا الخيال العلمي أصبح في طريقه للتحقق أقرب مما كنا نتوقع جميعًا، فالعلماء يعتقدون أن عملية تحميل المعلومات إلى الدماغ مباشرةً لن تأخذ جهدًا أكثر من المجهود الذي تبذله لمحاولة النوم.

اكتشاف جديد

أعلن باحثون في معامل «إتش آر إل» بولاية كاليفورنيا الأمريكية، منذ أيام قليلة، تمكنهم من تطوير جهاز محاكاة، يمكنه تغذية الدماغ بالمعلومات بشكل مباشر، وتعليم المخ مهارات جديدة في وقت أقل بكثير من الوقت اللازم.

ويعتقد الباحثون أن هذه هي الخطوة الأولى نحو تطوير برنامج حاسوبي يجعل من قصة ماتريكس المتعلقة بالتعلم اللحظي، حقيقةً وواقعًا لا جدال فيه.

الباحثون ذكروا أيضًا أنهم تمكنوا بالفعل من إيجاد وسيلة لتضخيم وتكبير عملية التعلم، لكنها وسيلة أقل بكثير من تلك التي ذكرتها أفلام الخيال العلمي، إذ درس هؤلاء الباحثون الإشارات الكهربائية في المخ والخاصة بطيار خبير، وبعد ذلك قاموا بتغذية هذه المعلومات (الإشارات الكهربائية) إلى أدمغة مجموعة من الطيارين المبتدئين، الذين يتعلمون كيفية قيادة الطائرات عبر جهاز محاكاة واقعي. وفي المقابل أحضروا مجموعة أخرى تتعلم قيادة الطائرات، لكنهم لم يستخدموا معهم عملية ضخ الإشارات الكهربائية، بل تركوهم يتعلمون بشكل طبيعي.

في النهاية خلصت التجارب إلى أن الأشخاص الذين تم تحفيز أدمغتهم، عن طريق ضخ الإشارات الكهربائية، من خلال أقطاب توضع في مناطق معينة بالرأس؛ تحسنت قدراتهم على قيادة الطائرات، وأتموا المهمة أفضل بنسبة 33% من المجموعة الأخرى التي لم يتم تحفيز أدمغتها.

الأول من نوعه

ويقول ماثيو فيليبس، المسؤول عن التجربة الفريدة، إن النظام الجديد المكتشف في تضخيم عملية التعلم، هو الأول من نوعه، موضحًا أنه على الرغم من أن النظام يظهر كما لو كان عملية خيال علمي من تلك المشاهد الخاصة بأفلام السينما، إلا أن هذا النظام مبني على الكثير من الأسس العلمية التي تم تطوير هذه التجارب عبرها.

ويشير فيليبس إلى أن أول عملية تعلم أُجريت التجارب عليها، كانت عملية قيادة الطائرات بالتحديد، وهذا لم يكن اختيارًا عشوائيًّا، بل كان مقصودًا؛ لأن عملية قيادة الطائرات تتطلب تضافر الجهود المعرفية، والأداء الحركي على حد سواء.

ويعتقد فيليبس أن عملية تحفيز الدماغ هذه، يمكن استخدامها في النهاية لتعلم الكثير من المهارات، مثل تعلم القيادة، وتعلم اللغات، بالإضافة إلى التجهز للامتحانات المختلفة. ويقوم هذا النظام بتوجيه المعلومات التي يتلقاها الشخص إلى مواقع معينة في المخ.

أما المُفاجأة التي فجرها المسؤول عن التجربة، فكانت الطريقة المُستخدمة في هذا النظام، والتي قال إنّها طريقة قديمة جدًّا، إذ إنّ قدماء المصريين، ومنذ حوالي 4 آلاف عام، استخدموا بالفعل الأسماك المكهربة من أجل تحفيز وتقليل الألم. ويقول أيضًا إن بن فرانكلين، قام بتسيير تيار كهربي عبر أقطاب وضعها في رأسه.

لكن التحقيق العلمي الدقيق لهذه الطريقة وهذا الأسلوب، لم يتم سوى خلال فترة مبكرة من بداية الألفية الثالثة، فحاول العلماء استهداف عمليات المحاكاة وتخصيصها لاستخدامات محددة.

ما الذي يحدث عندما يتعلم المُخ؟

يقول العلم، إنه عندما يتعلم المخ شيئًا جديدًا، فإن المخ يتغير بشكل واضح من الناحية الفيزيائية، إذ تنشأ روابط جديدة بين الخلايا العصبية الموجودة في الدماغ، وتقوى بشكل واضح عبر عملية تسمى «اللدونة العصبية neuroplasticity».

وتُعرف اللدونة العصبية على أنها مصطلح يصف التغيير الدائم الذي يحدث في الدماغ على مدار عمر الإنسان. وقد اكتسب هذا المصطلح مكانةً بارزةً في النصف الأخير من القرن العشرين، عندما أظهر بحث علمي أن العديد من جوانب المخ تظل «لدنة» أو مرنة، حتى بعد الوصول لسن البلوغ. وجاء هذا البحث لينسف المعتقد السابق من أن المخ يتطور وينمو خلال فترة حرجة معينة خلال الطفولة المبكرة، وبعد ذلك يبقى ثابتًا دون تغير تقريبًا لنهاية عمر الإنسان.

وعملية اللدونة أو المرونة العصبية هذه تحدث باستمرار، لكن على موازين، أو نطاقات محدودة، مثل التغيرات الفيزيائية التي تحدث في الخلايا العصبية، أو أنها تحدث على نطاق واسع يشمل جميع المخ، مثلما يحدث عندما تتغير خريطة القشرة الدماغية بالكامل، عندما تحدث إصابة ما في المخ.

لكن يجب ملاحظة أن تغيير خريطة مواقع القشرة الدماغية لا تحدث غالبًا إلا عند الأطفال وليس البالغين، فلو أصيب طفل بإصابة دماغية ما فإن المخ يعيد رسم وتوزيع المراكز المختلفة في المخ، لكن الأطفال يتميزون بعملية تكوين روابط نشطة، إلا أن هذا الأمر لا يحدث بوضوح في البالغين بسبب ضعف القدرة على تكوين روابط جديدة.

من بين أبرز العوامل المؤثرة على عملية المرونة العصبية هذه، ثمّة السلوك، والمنبهات البيئية، والتفكير، وربما العواطف، جميع هذه العوامل تسبب تغيرًا ملحوظًا في المرونة العصبية لديك، وبالتالي إمكانية تكوين روابط جديدة بين الخلايا العصبية في المخ.

ولا تشمل عملية المرونة العصبية هذه مجرد تكوين روابط جديدة بين الخلايا العصبية، وبالتالي زيادة حركة الإشارات الكهربية، وما تحمله من معلومات، بل إنها تشمل في بعض الأحيان تكوين خلايا عصبية جديدة في المخ وتحديدًا في منطقتي الحصين والمخيخ.

لغة جديدة

يُذكر أن علماءً سويديين اكتشفوا عام 2014، أن تعلم لغة ثانية يمكن أن يؤدي إلى نمو حجم الدماغ. العلماء استخدموا عمليات مسح دماغي لمراقبة ما يحدث عندما يقوم الإنسان بتعلم لغة جديدة.

وأظهرت الدراسة أن تعلم لغة ثانية له أثر واضح على الدماغ. فقد قام العلماء بإحضار مجموعتين، المجموعة الأولى تم تعليمها لغة ثانية كالعربية أو الروسية، والمجموعة الثانية تم تعليمها مواد أخرى غير اللغات. في النهاية أشارت المسوحات الدماغية إلى أن أجزاء معينة من أدمغة طلاب اللغات قد نمت بالفعل مقارنةً بالمجموعة الأخرى.

علامات

editorial, المخ, طب, علوم
عرض التعليقات
تحميل المزيد