اشتهرت جبال صعيد مصر – في الجنوب – بأنها تمثل المأوى للصعاليك والخارجين عن القانون، هكذا جرى تصويرهم في الأفلام والروايات وبعض حكايات التراث الشعبي، «مجموعة من العصابات تُغِير على القرى والنجوع وتُرَوِع الأهالي».

لكن ما هو غير مشهور أنها كانت منابع حكايات تمرد على السلطة؛ إذ أخرجت بطونها ثائرين، يطلق عليهم «الأشقياء»، إلا أنهم هذه المرة أبطال قصص المقاومة ضد الاحتلال، وجزء أصيل جرى طمسه من الثورات الشعبية، وحركات التمرد والعصيان في الصعيد المصري، بين الروايتين. من هم إذًا «مطاريد الجبل» الذين أقضُّوا مضاجع حكام مصر لسنواتٍ طويلة؟

هكذا ساهمت سياسات تهميش الصعيد في صعود مطاريد الجبل

في عام 1805 عندما وصل «الباشا» محمد علي والي مصر إلى قلعته في القاهرة، متوليًا مقاليد الحكم، كانت «ولاية الصعيد» في جنوب مصر ما زالت تتمتع بالحكم الذاتي، وذلك حتى بعد انتهاء دولة شيخ العرب همام، الذي حكم الصعيد حكمًا ذاتيًا خلال القرن الثامن عشر؛ إذ نسج هذا القائد القبلي علاقات سياسية مستقلة مع السلطان العثماني بالآستانة، بعيدًا عن حكومة الدولة المركزية في القاهرة والتي حكمها أمراء المماليك.

في ذلك الوقت كان الصعيد المصري يتمتع بقدرٍ من الرخاء والنهضة، كفلتها له طرق التجارة القديمة التي اعتمدت اعتمادًا شبه أساسي على منطقة قنا، نظرًا لموقعها الجغرافي في قلب ما أطلق عليه مؤرخو العالم حينذاك «الاقتصاد العالمي للمحيط الهندي»، والذي اعتمد على شبكة تجارة دولية تربط بين موانئ البحر الأحمر والجزيرة العربية والمحيط الهندي الشاسع كانت هي المحرك الأساسي لحركة التجارة العالمية القديمة بين آسيا وأفريقيا.

وقد شكل الصعيد المصري وحواضر منطقة قنا النيلية في تلك الشبكة حينها نقطة الالتقاء لسوق إقليمية تشمل مناطق الحجاز، والهند، واليمن، والسودان، والمغرب، وهو ما جعل الصعيد المصري أكثر ثرءًا إلى الحد الذي مكنه من تأسيس دولة شبه مستقلة هناك بعدما صعد النفوذ السياسي لقبيلة «الهوارة» الشهيرة، والتي انحدر منها الأمير همام حاكم الصعيد الأكثر شهرة.

عن ذلك تشير الباحثة زينب أبو المجد في كتابها «إمبراطوريات متخيلة: تاريخ الثورة في صعيد مصر» (والذي يعتمد عليه هذا التقرير بشكل أساسي) إلى أن ثراء الصعيد واستقلاليته وبنيته الاجتماعية جعلته عصيًا على الاندماج في الدولة المركزية مع كل الإمبراطوريات التي توالت على حكم مصر، ولهذا كان الجنوب المصري دائمًا مصدرًا للقلاقل وحركات التمرد والعصيان، حتى أن محمد علي باشا نفسه لم يستطع إخضاع الصعيد إلا بعد مرور ست سنوات من توليه الحكم؛ حينها اتبع سياسات جديدة في الجنوب قائمة على القمع المباشر والتهميش والإقصاء؛ وهي السياسة التي ظلت متبعة منذ ذلك الحين وحتى وقتنا هذا، بحسب الباحثة، وكانت سببًا رئيسًا في إفقار الصعيد، خاصةً خلال تلك الفترة الحرجة من التاريخ المصري الحديث التي تلت عهد محمد علي باشا.

(وثائقي عن عصر محمد علي باشا)

تحول الصعيد المصري من الحاضرة التجارية الأكثر ثرءًا نتيجة لوجود «ميناء القصير» – وهو الميناء الذي لعب دورًا هامًا في حركة التجارة الدولية القديمة – إلى الفقر والجوع، حتى أصبح القمح الذي اشتهر الجنوب بزراعته، حبوب ثمينة، لا يقوى الأهالي على شرائها للتقوت، وأصبح تقديم الخبز للضيوف دليلًا على الكرم والثراء، بحسب مؤرخي تلك الفترة. كان هذا يمثل فقط أحد الأسباب التي ظهر لأجلها المطاريد وعصابات الجبال.

تمثلت الأسباب الأخرى في انهيار النظام الاقتصادي للمحيط الهندي وانتقال مركز القوة الاقتصادي إلى القارة الأوروبية، ومن ثم فقد ميناء القصير الذي أصبح بعيدًا عن حركة التجارة العالمية مكانته. حينها غزت سياسات «اقتصاد السوق الحرة» الصعيد، وهي السياسات التي كرسها البريطانيون إبان فترة الاحتلال البريطاني لمصر، والتي أدت بالصعيد إلى مزيد من الخراب نتيجة لاحتكام أسعار السلع لقانون الطلب، كما ارتفعت الضرائب على الفلاحين عقدًا بعد عقد، وعندما عجزوا عن السداد وتراكمت عليهم الديون، طردوا من أراضيهم؛ حينها لم تقف الطبقات الدنيا من أهالي الصعيد مكتوفة الأيدي، بل ابتكروا – بحسب زينب أبو المجد – أساليب جديدة في المقاومة، لعب فيها المطاريد دورًا هامًا.

«الفلاتية».. رمزًا للجريمة أم للمقاومة؟

في القرنين التاسع عشر والعشرين أشار المؤرخون إلى عصابات قطاع الطرق التي نمت في القارة الأوروبية، خاصةً جنوب إيطاليا على أنها حركات اجتماعية ذات طابع تقدمي، فيطلق عليهم المؤرخ البريطاني إريك هوبزباوم اسم «العصابات الاجتماعية»، واصفًا إياهم بحركات مقاومة شعبية استخدمت أساليب جديدة ومبتكرة، وفي بعض الأحيان «خارجة عن القانون» للتمرد.

تلك الفرضية اعتمدتها الباحثة زينب أبو المجد خلال دراستها لحركات التمرد في الصعيد المصري؛ إذ اعتمدت في بحثها على سجلات المحاكم وجلسات مجلس النظار (مجلس الشورى)، وغير ذلك من الوثائق التي تتناول الروايات المحلية للطبقات الدنيا عن دورهم في المقاومة والتصدي للقمع، وذلك من أجل تقديم تاريخ بديل غير هذا الذي خطته «البرجوازية المصرية» – بحسبها – على أنه الرواية الوحيدة في الكفاح لأجل الاستقلال الوطني.

اعتبرت الباحثة قصص المطاريد في جنوب مصر ممن جرى تسجيلهم في سجلات المحاكم خارجين عن القانون، هي في الأغلب قصصًا للمقاومة والتمرد الشعبي بأساليب غير تقليدية، إذ نمت تلك الحركات خلال الفترات التي اشتد فيها القمع وعجز الأهالي عن المقاومة بالطرق الشرعية. فتقول عن ذلك: «أدى حضور الإمبراطوريات وفشلها لخروج حركات تمرد وموجات احتجاج ضخمة في قنا، لعبت أدوار البطولة فيها طبقات المهمشين من الفلاحين، والنساء، والعمال، ومعهم مطاريد الجبل الجريئون والقساة».

كان مطاريد الجبل، أو كما أطلقت عليهم الوثائق الرسمية «عصابات الفلاتية»، مجموعات من الخارجين عن القانون، تستطيع أن تجدهم في كل قرية، أو مدينة بمديرية قنا، وقد اختبئوا في متاهات الجبال، واتخذوا منها قلاعًا حصينة للتخطيط لعملياتهم، وجمع الرجال وتدريبهم؛ إذ شكلت الطبيعة الجغرافية لمدينة قنا بيئة مناسبة للمتمردين والخارجين عن القانون للفرار؛ فكانت تحيط بالمدينة سلسلة من الجبال على الجانبين الشرقي والغربي لنهرِ النيل. «حيثما تنتهي القرى، تبدأ الجبال»، بحسب الباحثة قناوية الأصل؛ وقد شكلت تلك الجبال ملاذًا حصينًا وآمنًا لاختباء العصابات، وفيها يجمع العمال والفلاحون ممن فروا من وطأة الضرائب، والعمل بالسخرة، والتجنيد الإجباري، جنبًا إلى جنب القتلة واللصوص ومرتكبي الجرائم؛ ليكونوا سويًا واحدًا من أكثر أفعال المقاومة جرأة وتحديًا للنظام.

(عن خُط الصعيد)

لعل من أشهر قصص المطاريد التي نعرفها، كانت قصة «خُط الصعيد» الذي أقض مضجع السلطات في النصف الأول من القرن العشرين، حتى وصلت سيرته إلى مسامع الملك ووزارة الوفد بالقاهرة. وقد كان محمد محمد منصور الشهير بـ«الخُط» شابًا مراهقًا بدأ سجله الإجرامي بمقتل ابن شيخ القرية الذي منعه من رعي أغنامه في أحد الحقول وصفعه على وجهه، وقد توالت أعماله العنيفة ضد عائلة شيخ القرية إلى أن وصلت 19 جريمة قتل، هرب بعدهم إلى الجبل، وشكل هناك أشرس عصابات الفلاتية التي عرفها الصعيد المصري في تاريخه.

وقد شكل الخُط هدفًا صعب المنال للسلطات الحكومية في ذلك الوقت، حتى أن إلقاء القبض عليه ومقتله عام 1947 كان حدثًا افتخر به الضباط والعساكر الذين وقفوا إلى جوار جثته ملتقطين الصور التذكارية.

عندما أعلن المطاريد العصيان ضد محمد علي باشا

عندما أخضع محمد علي باشا صعيد مصر لسلطته، اتبع سياسات قائمة على دمجه في الدولة المصرية المركزية الموحدة من خلال عمليات القمع المباشرة للجنوب التي أدت في النهاية إلى خروج سلسلة من الثورات الممتدة وحركات العصيان التي خرجت تنادي باستقلال الصعيد عن الباشا؛ كانت نتيجة ذلك أن اتجه الباشا إلى سياسات أكثر نعومة، قائمة على استيطان موظفيه الأتراك بشكلٍ دائم في قنا، وهناك تبوأوا المناصب الحكومية العالية، وأقدموا على مصادرة مساحات شاسعة من الأراضي الزراعية بلغت مئات الآلاف من الأفدنة، وأنشأوا فيها المزارع التجارية الضخمة، سواء العمومية (المملوكة للدولة)، أو الخاصة بهم كأفراد، وقد استغلوا العبيد والعمالة القروية الرخيصة في حرث الأراضي.

حينها شهد الصعيد لأول مرة صعود نخبة أجنبية الأصول عنه؛ تعيش بينهم وتحكمهم؛ مما شكل تغيرًا في التركيبة الاجتماعية هناك لم يستسغه الأهالي الذين عانوا ليس فقط من فقدان أراضيهم للنخبة التركية حينذاك، بل من الضرائب التي أثقلت كاهلهم، وكانت تجبى منهم بكل الوسائل الممكنة، ومن عجز منهم عن الدفع كان يتعرض لشتى أنواع العقاب؛ وهو ما نتج عنه أن شهدت قنا وحدها ثلاث حركات تمرد في أوائل العشرينات من القرن التاسع عشر، لكن نظرًا لقدرات محمد علي باشا العسكرية التي سحقت هذه الحركات تباعًا واحدة بعد الأخرى لجأ الأهالي إلى ابتكار شكل جديد من أعمال التمرد الصغيرة التي كانت تحدث بشكلٍ يومي، وقد لعب أدوار البطولة فيها المهمشون من الطبقات الدنيا.

(محمد علي باشا)

كان هذا التمرد اليومي يتمثل في امتناع الفلاحين عن دفع الضرائب مثلًا أو الهرب من أعمال السخرة التي كانت شائعة في المشروعات العامة للدولة حينها أو هجر الفلاحين للأراضي التي أجبرتهم الحكومة على زراعتها وفرار الأنفار من فابريقات النسيج – وهي المصانع التي أنشأها الباشا للغزل والنسيج في الصعيد – وقد أجبر فيها الأنفار في أحيان كثيرة على العمل دون مقابل.

وفي متاهات الجبال اجتمع كل هؤلاء ممن فروا من القمع أو الفقر، بحسب زينب أبو المجد، ليشكلوا معًا فئة أخلت بالأمن والاستقرار السياسي في الصعيد؛ إذ جمع بينهم هدف واحد، وهو الانتقام من الحكومة؛ فخربوا المباني الحكومية وهاجموا بعنف موظفي الدولة والمسؤولين الأتراك.

كان الفلاتي الأشهر الذي أرق مضجع حكومة قنا في ذلك الوقت شخصًا يدعى هريدي الرُجيل؛ إذ استهدفت عصابته أملاك كبار المسؤولين الأتراك. جمع الرُجيل أفراد عصابته من المتمردين؛ فألحق بعصابته 35 رجلًا وزودهم بالبنادق، وكان يسيرون في الطرقات حاملين السلاح يسرقون الأبقار والحمير من القرى، ويبيعونها من أجل شراء الأسلحة؛ وكانت مجرد رؤيته تبث الرعب في قلوب شيوخ القرى ورجال الأمن، حتى أن أحدهم لم يكن يجرؤ على الاقتراب منه.

شملت عمليات الرجيل المتحدية للحكومة أن شن هجومًا ضد محمد أغا عام 1846، وهو موظف تركي كبير يعمل في عهدة قرية السمطا؛ إذ هاجمت العصابة منزل الأغا وسرقوا أمواله والأسلحة والأثاث. كما هاجم السوق المحلية الكبيرة في دشنا، وهي مدينة كانت مقرًا لعدد من مشروعات الدولة حينذاك، وفرض على البائعين والمشترين إتاوة؛ عن ذلك تشير الباحثة زينب أبو المجد إلى أن اسم الرجُيل استمر ذكره لسنوات في وثائق المسؤولين الخاصة بمديرية قنا، كان خلالها مصدر تهديد للمستوطنين الأتراك ورجال الحكومة.

دور«الفلاتية» في ثورة الصعيد 1864

خلال القرن التاسع عشر وقعت مصر فريسة لهيمنة الإمبراطورية البريطانية غير المباشرة؛ إذ شكلت اتفاقيات التجارة الحرة التي اعتمدتها بريطانيا العظمى نواة للتوسع والهيمنة في معظم بلدان العالم؛ وقد كانت مصر واحدة من النظم التي جرى الضغط عليها من خلال الاتفاقات للسماح بحرية حركة المرور التجاري وفتح الأسواق المصرية أمام السلع الأجنبية، وهو ما أصدر على أثره الحكام المصريون مجموعة من القوانين والتشريعات قائمة على التحرير الاقتصادي وتسهيل الأعمال التجارية.

كانت النتيجة المباشرة لتلك التشريعات أن أصبحت قنا، وهي مركز تجاري قديم وجهة للتجار الأوروبيين الذين استوطنوا بها وجلبوا عائلاتهم، واستعانوا بالعمالة المحلية كعمالة رخيصة لتأدية الخدمات لهم. خلال ذلك تمتعت طبعة التجار الأوروبيون بالامتيازات التي منحتها لهم التشريعات القانونية. وفي مقابل ذلك جرى قمع الأهالي وحشدهم كعمالة رخيصة لخدمة القناصل الأوروبيين ووكلائهم.

خلال ذلك تدنت أجور العاملين، ودفع القناصل الأوروبيون والتجار مبالغ بخسة مقابل الغلال التي جمعوها من مزارعي قنا، وأثقلت كاهل الفلاحين كثرة الضرائب التي تخطت في كثير من الأحيان أجورهم الشخصية؛ وهو ما نتج عنه حدوث نقص حاد في الغذاء عام 1853؛ إذ كان الأهالي يدفعون الغلال ضرائب عينية عوضًا عن بيعها أو التقوت عليها؛ في الوقت ذاته، ارتفعت أسعار الحبوب ارتفاعًا كبيرًا نتيجة لكونها غلال تصدير لأوروبا، فعجز الأهالي حينها حتى عن شراء الخبز الذي أصبح وجبة نادرة تقتات عليها منازل الأثرياء وبيوت الأعيان؛ فوجد الفلاحون أنفسهم لا يملكون سوى الكفاف ليعيشوا عليه.

كانت تلك هي الشرارة الجديدة التي أشعلت الصعيد المصري من جديد، فتخصصت بعض العصابات الفلاتية في سرقة التجار اليونانيين الذي شكلوا الجالية الأوروبية الأكبر في صعيد مصر؛ إذ هجموا على مراكب التجار المتجهة من قنا إلى الشمال واستولوا على ما بها من غلال؛ وتذكر مضابط مجلس الأحكام ووثائق الحكومة واحدة من هذه الحوادث التي تعود لعام 1859؛ إذ هجم المطاريد على مركب تجارية لخواجة يوناني واستولوا على ما بها من أموال وبضائع.

شكل الفلاتية على مدار سنوات تهديدًا مستمرًا لطبقة التجار الأجانب؛ إلا أنهم في الوقت ذاته لم ينسوا رجال الحكومة والمسؤولين؛ فأغاروا على منازل شيوخ القرى؛ واستولوا على ما فيها من أموال، وملابس، وأثاث، ومصوغات. وفي عام 1864 عندما ثار الشيخ أحمد الطيب ضد حكومة الخديوي وطالب بالتوزيع العادل للأموال انضم إليه المطاريد وشاركوا معه في الهجمات المسلحة على السفن البخارية للتجارة.

تاريخ

منذ 5 شهور
قصة أكبر ثورات صعيد مصر على حكم محمد علي باشا

في ذلك الوقت كانت قرية السليمية مركزًا لأعمال الفلاتية وهجماتهم على خفراء الأراضي، خاصة هؤلاء الذين تولوا مسألة حشد العمال للسخرة؛ وهي نفس القرية التي أعلن فيها الشيخ أحمد الطيب أنه المهدي المنتظر، و دعا للخروج على الخديوي، وأعلن التوزيع العادل للثروة. خلال ذلك استطاع الشيخ تجييش آلاف الفلاحين من الذين فقدوا أراضيهم لصالح كبار رجال الحكومة في المزادات كما انضم إليه العمال والمتمردون وكل من أثقل كاهله الجوع أو الفقر، إلا أن حكومة الخديوي قد بعثت إليهم بحملة عسكرية سحقتهم عن آخرهم، وقد أمر الخديوي جنوده بقتل كل من تقع عليه أيديهم من المتمردين.

عندما فشلت تلك الثورة اختار الشيخ أحمد الطيب الجبال منفى اختياريًا له أثناء هروبه بعد فشل الثورة جنبًا إلى جنب عصابات المطاريد، وأصبح الجبل المكان الذي يقابل فيه أتباعه ويعطيهم أوامره.

مقاومة الاحتلال البريطاني بالخروج عن القانون

احتلت القوات البريطانية مصر عام 1882، حينها عانى الصعيد المصري مزيدًا من التهميش؛ إذ اعتمدت بريطانيا بشكلٍ خاص على القطن المصري طويل التيلة، واستثمرت في أراضي الدلتا بالشمال عوضًا عن الجنوب؛ وهو ما أدى في النهاية إلى إفقار الصعيد المصري الذي فتكت به أوبئة الكوليرا والطاعون التي جاءت مع المستعمر.

في ذلك الوقت عانت قرى ومدن الصعيد من الإهمال، واقتصرت خدمات الري الحديثة على الأراضي المملوكة للعائلة الخديوية؛ فعجز الفلاحون عن زراعة أراضيهم نظرًا لغياب السدود ونقص مضخات المياه، وبالتالي عجزوا عن دفع مستحقات الضرائب نتيجة لقلة المحاصيل، وهو ما جعل الأهالي يعيشون حالة من البؤس، تردد على إثرها اسم «مطاريد الجبل» مرة أخرى.

حينها دخل الفلاحون حالة من التمرد والعصيان، كان العقل المدبر لها عصابات المطاريد، بحسب الباحثة زينب أبو المجد، وقد تنوعت أشكال التمرد كان منها رفض دفع الضرائب ومهاجمة شيوخ القرى؛ إلى جانب تخريب المشروعات والمرافق العامة، إذ اعتقد المتمردون أنها لا تخدم سوى النخبة الثرية، عن ذلك تشير الباحثة إلى أن هؤلاء «الأشقياء» والخارجين عن القانون قد شكلوا «الفئة الأكثر تمردًا ضد الإمبراطورية البريطانية في قنا».

في ذلك الوقت تكونت عصابات الفلاتية أيضًا من الفلاحين والعمال الهاربين من الضرائب والعمل بالسخرة، واتخذوا من الجبال حصنًا للتخطيط لعملياتهم، وقد شنوا هذه المرة الهجوم على منازل أعضاء مجلس النواب، الذين اعتقدوا أنهم لا يمثلون الأهالي تمثيلًا حقيقيًا؛ وسرقوا منهم الأبقار والمواشي والأموال، وهو ما سبب إزعاجًا دائمًا للسلطات؛ إذ استهدفت تلك العصابات رجال الدولة والرموز الاستعمارية وقامت بالسطو على مواقع بناء المشاريع الحكومية.

كانت إحدى هذه العصابات، هي عصابة «زياد الشقي»، التي تحولت إلى أسطورة في أواخر القرن التاسع عشر؛ إذ أصبح هذا الرجل حديثًا للصحف، وحظي باهتمامٍ كبير من المسؤولين. كان زياد وشقيقه يقودان عصابة من المطاريد ارتكبت كل أنواع الجرائم، بحسب وثائق المسؤولين. أثناء ذلك حضر المفتش العام للشرطة من القاهرة، جاستن باشا، لمتابعة قضية الشقي زياد بنفسه بعد أن تملكه الغضب من أفعال هذه العصابة؛ فقاد مفتش الشرطة فرقتين مسلحتين إلى الجبال ودارت هناك رحى معركة بين رجال الشرطة وعصابة زياد؛ انتهت بسقوط زياد زعيم الأشقياء جريحًا برصاص الشرطة، وقد حمل إلى قنا للتحقيق معه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد