قرارات تبدو دائمًا مثيرةً للجدل، لا تعرف لماذا تصدر ولمَ تلغى، ويحكم بعدم الاختصاص، هذا هو الملخص الدائم لما يحدث عندما يذكر اسم محكمة الأمور المستعجلة، وتعتبر محكمة الأمور المستعجلة، وبخاصة فرع القاهرة في محكمة عابدين، الطريق الخلفي للحكومة المصرية في نظر بعض المراقبين؛ للالتفاف على أي أحكام قضائية لا ترضى عنها، وعلى وجه الخصوص أحكام محكمة القضاء الإداري، وبالرغم من صدور أحكام قضائية من قبل تقضي بعدم اختصاص محكمة الأمور المستعجلة بنظر القضايا الخاضعة للأمور الإدارية، إلا أن استخدام الدولة لتلك المحكمة -التي يصفها البعض بسيئة السمعة- ما زال مستمرًا، كانت آخر تلك الاستخدامات منذ أيام مع صدور حكم باستمرار اتفاقية تيران وصنافير.

تيران وصنافير.. ماذا حدث؟

أصدرت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة حكمها في الثاني من أبريل (نيسان) الجاري باستمرار اتفاقية إعادة ترسيم الحدود البحرية بين مصر، والسعودية، والمعروفة إعلاميًّا باتفاقية «تيران وصنافير»، ويعد الحكم الصادر من الأمور المستعجلة حكمًا في مواجهة حكم المحكمة الإدارية العليا الصادر في يناير (كانون الثاني) الماضي، والقاضي برفض الاتفاقية، وعدم تسليم الجزيرتين للحكومة السعودية. محكمة الأمور المستعجلة أصدرت ثلاثة أحكام حول تيران وصنافير  تقضي جميعها باستمرار الاتفاقية.

أثار حكم المحكمة الصادر -منذ ساعات- الجدل؛ فهل تلك المحكمة مختصة؟ وهل حكمها قانوني ويوقف حكم الإدارية العليا؟

تواصلنا مع الفقيه القانوني والمحامي عصام الإسلامبولي، تحدثنا معه لاستطلاع رأيه، وفي تصريحات لـ«ساسة بوست»، أكد أن «حكم محكمة الأمور المستعجلة هو والعدم سواء».

ومحكمة الأمور المستعجلة -وفقًا للإسلامبولي-  ليست جهة اختصاص، وهي تعتبر أداة الحكومة للالتفاف على حكم الإدارية العليا الذي يعد حكمًا واجب النفاذ، ويعتبر الإسلامبولي أن ما حدث يناقض الأعراف القانونية، ولكن الحكومة تكرر منها على مدار سنوات كثيرة ذلك، وفي حالة مناقشة البرلمان للاتفاقية يعتبر الأمر تجاوزًا قانونيًّا على حكم نهائي بات صادرًا من محكمة عليا ألا وهي «الإدارية العليا»، من وجهة نظر الإسلامبولي.

محمد فتحي، المحامي والحقوقي، فسر في تصريحات لـ»ساسة بوست« معنى القضاء المستعجل، وقال :»إن هذا النوع من القضاء لم يتضمن تعريفًا قانونيًّا دقيقًا، ولكن يمكن أن يعرف على أنه محاولة لاتخاذ إجراء وقتي ملزم للطرفين المتقاضين بقصد المحافظة على الأوضاع القائمة، وأهمية هذا النوع من القضاء أنه يصدر قرارات مؤقتة وسريعة دون المساس بأصل الحق، ولا يغني عن القاضي الطبيعي«.

وإن كان الأمر يتطلب السرعة، فمن الضروري أن يكون هناك حالات بعينها يستخدم فيها قضاء الأمور المستعجلة –كما يتابع فتحي- يشترط في قاضي الأمور المستعجلة النظر في الدعوى بعد توافر شرطين: الأول عنصر الاستعجال في المنازعة المطروحة، وذلك وفقًا لنص المادة 303 من القانون المدني، درءًا لخطر حال، وإن لم يتوافر هذا الشرط وجب على القاضي الحكم بعدم الاختصاص من تلقاء نفسه، وأيضًا إذا زال عنصر الاستعجال عن الدعوى أثناء نظرها وجب أيضًا على القاضي القضاء بعدم الاختصاص.

أما السبب الثاني كما يرى فتحي: »أن يكون المطلوب إجراءً وقتيًّا لا فصل في أصل الحق المتنازع فيه، ولذلك يمنع القاضي من التعرض للسبب القانوني الذي يحدد حقوق والتزامات كلا الطرفين اتجاه الآخر، أو كما يقال: (يتحسس ظاهر الأوراق وفقط)«.


خالد علي المرشح الرئاسي السابق ومن المحامين رافعي دعوة رفض الاتفاقية، يقول إن استخدام الحكومة لمحكمة الأمور المستعجلة في أزمة تيران وصنافير، ما هو إلا محاولة من محاولات النظام للالتفاف حول حكم الإدارية العليا النهائي والبات، الذي أكد مصرية الجزيرتين.

ومن خلال صفحته على فيسبوك أشار خالد علي إلى: أن  كل أحكام محكمة الأمور المستعجلة لا تمثل أي خطر دستوري أو قانوني على جزيرتي تيران وصنافير حتى لو أصدرت مائة حكم؛ لأنها محكمة غير مختصة دستوريًّا بذلك.

وأكد «علي» أن فريق المحامين أقام طعنًا أمام القضاء الإداري للحكم بعدم الاعتداد بكافة أحكام محكمة القاهرة للأمور المستعجلة الصادرة في شأن جزيرتي تيران وصنافير، باعتبارها عقبة مادية تستدعي الحكم بانعدامها، واعتبارها كأن لم تكن، والاستمرار في تنفيذ أحكام القضاء الإداري والإدارية العليا، والتي قضت ببطلان اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين مصر والسعودية، وباستمرار جزيرتي تيران وصنافير ضمن الأراضي المصرية، وتحت السيادة المصرية.

أما مالك عادلي المحامي من خلال صفحته على فيسبوك، يقول: يجوز لمحكمة جزئية، مُشكلة من قاضي فرد أن تتعرض لحكم نهائي لواحدة من أعلى ثلاث محاكم في البلاد، مجلس الدولة في كل درجات التقاضي، الأولى محكمة القضاء الإداري، والثانية المحكمة الإدارية العليا، كان لهم رد على موضوع الطعن على أحكامها أو طلب وقف تنفيذها أمام محكمة خارج محاكم القضاء الإداري ردًّا وافيًا.

وفقًا للمادة 191 من الدستور المصري، التي تنص على أن محاكم مجلس الدولة تختص دون غيرها بنظر منازعات التنفيذ على أحكامها كما أن حكم الإدارية العليا، لا يجوز الطعن عليه ولا وقف التنفيذ إلا عن طريق الإدارية العليا، وفقط بحسب القانون.


الصراع بين »الإداري» و»المستعجلة»

حكم تيران وصنافير لم يكن الأول، ولكنه واحد من ضمن مجموعة من الأحكام المختلفة على مدار سنوات، استخدمت فيها محكمة الأمور المستعجلة لوقف أحكام القضاء الإداري والإدارية العليا، وكان لمحكمة الأمور المستعجلة دور كبير في وقف عدد من الأحكام الصادرة عن القضاء الإداري التي لا ترضي النظام، ولا توافق رغبته، وبالعودة للوراء نجد أن من أبرز تلك النماذج في عهد مبارك وقف حكم منع تصدير الغاز لإسرائيل، وعودة المرشحين المرفوضين الصادر ضدهم أحكام قضائية من القضاء الإدارية لإجراء الانتخابات، وتمرير النتائج في انتخابات برلمان 2010، وكذلك حكم طرد الداخلية من الحرم الجامعي المعروف بـ«طرد الحرس الجامعي».

أما فيما بعد أحداث 30 يونيو (حزيران) 2013، فهناك عدد من الحالات، ومن بينها استمرار مصادرة أموال لاعب كرة القدم السابق بالنادي الأهلي ومنتخب مصر
محمد أبو تريكة،  والذي أصدر القضاء الإداري حكمين برفع الحظر عن أمواله، من بينهما حكم صادر في العاشر من يناير (كانون الثاني) 2017، ولكن حكم الأمور المستعجلة عطل تطبيق حكم القضاء الإداري لحين صدور قرار من محكمة جنايات القاهرة في يناير (كانون الثاني) الماضي، بقبول طلب النائب العام المصري بوضع نحو 1500 شخص على قوائم الكيانات الإرهابية، من ضمنهم محمد أبو تريكة.

وفي مارس (آذار) 2014، أعلنت محكمة الأمور المستعجلة حظر نشاط حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وأقرت بالتحفظ على مقراتها، ثم تبع ذلك في يناير (كانون الثاني) 2015 حكم باعتبار كتائب القسام جماعة إرهابية، وعادت نفس المحكمة لتقول في حكم جديد إن حركة حماس منظمة إرهابية، وذلك قبل أن تصدر محكمة القضاء الإداري في يوليو (تموز) 2015، حكمًا بعدم الاعتداد بحكم «الأمور المستعجلة» وألغت حكم اعتبار حركة حماس كيانًا إرهابيًّا.

وكان لمحكمة الأمور المستعجلة دور كبير في عودة أعضاء الحزب الوطني السابقين للحياة السياسية، وذلك على العكس من حكم محكمة القضاء الإداري الصادر عقب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، والذي يقضي بحظر النشاط السياسي، وعزل أعضاء الوطني.

اقرأ أيضًا:  «تيران وصنافير» ليست القضية الأولى: تعرَّف على التاريخ العريق لمجلس الدولة

في خدمة السلطة عادةً

لم يكن فقط معارضة أحكام القضاء الإداري الدليل الوحيد على تحقيق تلك المحكمة لرغبات وطلبات النظام، ولكن هناك أمثلة أخرى في نظر بعض المعارضين، ومن بينها، عقب قيام ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011 حين أصدرت محكمة الأمور المستعجلة عددًا من الأحكام التي تأتي على رغبة المنتصرين في ذلك الوقت -أهل الثورة- وأصدرت المحكمة في أبريل (نيسان) 2011 حكمًا برفع اسم مبارك وزوجته، وصورة من المرافق العامة والشوارع، ولكن ذلك لم يدم طويلًا.

وبعد نحو سبعة أشهر من أحداث 30 يونيو (حزيران)2013، في فبراير (شباط) 2014 أصدرت محكمة الأمور المستعجلة حكمًا باعتبار جماعة الإخوان المسلمين جماعةً إرهابية، وتبع ذلك سلسلة من الأحكام القضائية الصادرة عن المحكمة بالحظر، وأصدرت المحكمة في فبراير (شباط) 2014، حكمًا بحظر حركة 6 أبريل معتبرة أنها حركة تستقوي بالولايات المتحدة الأمريكية، وتنشر الفوضى، وتهدد الأمن والسياحة والاقتصاد، ثم عادت المحكمة مرة أخرى في أبريل (نيسان) 2015، في درجة أعلى، وقضت بعدم الاختصاص في الدعوى ورفضتها.

كما أصدرت المحكمة ذاتها حكمًا بإدراج تنظيم «أجناد مصر» جماعة إرهابية، ورفضت محكمة القاهرة للأمور المستعجلة في أبريل (نيسان) 2015، نظر قضية حل روابط الألتراس، ولكن مع الاستئناف المقدم من أصحاب الدعوى أصدرت في مايو ( أيار) 2015 حكمًا قضت فيه بحظر روابط الألتراس، واعتبارها جماعة إرهابية، كما قضت في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، بحظر تجمع شبابي معارض تحت اسم «حركة بداية» التي كانت تدعو لمعارضة السيسي على أساس 25 يناير (كانون الثاني).

وعلى المستوى الخارجي كان للمحكمة رأي، ففي مارس (آذار) 2014، أعلنت المحكمة حظر نشاط حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، وأقرت بالتحفظ على مقراتها، ثم تبع ذلك في يناير (كانون الثاني) 2015 حكم باعتبار كتائب القسام جماعة إرهابية، وعادت نفس المحكمة لتقول في حكم جديد إن حركة حماس منظمة إرهابية، وذلك قبل أن تصدر محكمة القضاء الإداري في يوليو (تموز) 2015، حكمًا بعدم الاعتداد بحكم «الأمور المستعجلة»، وألغت حكم اعتبار حركة حماس كيانًا إرهابيًّا.

عقب حكم المحكمة الدستورية في مصر بعدم دستورية منع وزير الداخلية للتظاهر، تقدم عدد من المتظاهرين بطلب للتظاهر أمام مبنى مجلس الوزراء في وسط القاهرة، واضطرت وزارة الداخلية لإقامة دعوى قضائية أمام محكمة القاهرة للأمور المستعجلة لمنع التظاهرة، وبالفعل وافقت المحكمة في 11 يناير(كانون الثاني) الماضي على طلب الداخلية بالرغم من أن المحكمة الدستورية أكدت عدم دستورية تحديد وزير الداخلية لمكان بعينه.

https://www.youtube.com/watch?v=w-ErG-VE3H4

حكم الإدارية العليا (تيران وصنافير)

المحامي ياسر فرحات

يعد المحامي ياسر فرحات -صاحب الدعوى القانونية أمام محكمة القاهرة للأمور المستعجلة- أحد الأسماء القانونية المغمورة في مصر التي طفت على السطح خلال السنوات التي تلت 30 يونيو (حزيران) 2013، وربما لم يسمع عنه أحد قبل ذلك الحين، ويظهر المحامي الذي يلقب نفسه بـ«مستشار تحكيم دولي» دائمًا في قضايا وبلاغات مثيرة للجدل، ويبدو أنه عاشق لتقديم الدعاوى القانونية لمحكمة القاهرة للأمور المستعجلة.

فرحات حاول أن يظهر في الإعلام والصحافة، وتقدم في البداية بطلب لحظر حركة حماس، كما تقدم بطلب لحظر الجناح العسكري للحركة المعروف بـ«كتائب القسام»، ولم يكن معروفًا، وكان يشار له بمحامٍ دون وضع اسمه، واستطاع المحامي المثير للجدل أيضًا سمير صبري أن يتداخل مع الدعوى، ويحصل على شهرة إعلامية لا بأس بها، إلا أن صاحب الدعوى الأصلية لحظر حركة المقاومة الإسلامية حماس، لم يتراجع وتقدم بعدة دعاوى قضائية أمام نفس المحكمة «القاهرة للأمور المستعجلة» لحظر حركات وتنظيمات، وتصب جميع تحركاته في مصلحة النظام المصري الحالي.

من أبرز ما تقدم به من دعاوى، بحظر حركة تمرد، وسحب النياشين والأوسمة من الرئيس المصري الأسبق محمد مرسي، وحظر حركة تدعى حركة المقاومة الشعبية، وحظر حركة إسراء الطويل أو «نساء إسراء الطويل» -الإخوانية بحسب وصفه في الدعوى المقدمة منه-، ولا يعرف أحد ما هذه الحركة، بالإضافة إلى أنه صاحب دعوى حظر
حركة 6 أبريل، كما أنه كان المتقدم الأول لمحكمة القاهرة للقضاء المستعجل للمطالبة بحظر روابط التشجيع الألتراس، وتداخل معه في القضية مرتضى منصور -المحامي ورئيس نادي الزمالك الرياضي-، ولكن الانطلاق الحقيقي للمحامي المغمور إلى مستوى الشهرة كان في دعوته أمام نفس المحكمة «القاهرة للأمور المستعجلة»، يطالب فيها باستمرار اتفاقية تعيين الحدود المعروفة إعلاميًّا بـ«تيران وصنافير»، والتي صدر الحكم فيها في الثاني من أبريل (نيسان) الجاري، وظهر فيها فرحات منفردًا دون أي «نجم» آخر بجانبه.

ولا يتوقف أشرف فرحات على التقدم بالدعاوى القانونية لمحكمة الأمور المستعجلة فقط، ولكنه من محبي التقدم ببلاغات للنائب العام المصري، من أبرزها بلاغ منه يتهم فيه عبدالمنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي المرشحين السابقين للرئاسة بالتخابر مع حزب الله وإيران، وبلاغ يتهم والد إسراء الطويل بسبه وقذفه، وبلاغ للمطالبة بمصادرة تبرعات إسراء الطويل التي طلبت فيها من مستخدمي فيسبوك شراء أجهزة تصوير، وطالب وقتها فرحات بإيداع التبرعات صندوق تحيا مصر، وبلاغ ضد سعد الدين إبراهيم بدعوى إهانة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، وبلاغ للنائب العام يتهم قيادات «6 أبريل» بتهديد الأمن القومي وإهانة الرئيس، وبلاغ يطالب فيه النائب العام بإدراج حركة المقاومة الإسلامية حماس، ضمن الكيانات الإرهابية.

عرض التعليقات
تحميل المزيد