على مدار سنوات حُكم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين – الذى بدأ حياته ضابطًا في «جهاز المخابرات السوفياتية (كي جي بي)» منذ العام ١٩٧٥- نسج الرجل أدوات ترسيخ سلطاته عبر القتل والاغتيال لكُل من تنكشف ميوله المعارضة لسياساته، أو يعمل لصالح الأجهزة الاستخباراتية الغربية، التي رسمته دومًا كرمز للقوة التي ردّت الاعتبار لروسيا.

آخر هذه الوقائع التي يُشار إلى اضطلاع بوتين فيها كانت واقعة محاولة اغتيال سيرجي سكريبال – عقيد سابق في المخابرات العسكرية الروسية، جندته المخابرات البريطانية وأصبح عميلًا مزدوجًا – وابنته خلال سيرهما في إحدى المدن البريطانية عبر استنشاق أحد الغازات السامة، وهي الحادثة التي أدت إلى تصعيد بين إنجلترا وروسيا، وتجميد العلاقات، بجانب طرد كُل دولة البعثة الدبلوماسية للأخرى.

غاز الأعصاب ودس السم.. وسيلة «القيصر» لسحق معارضيه وجواسيسه

«ليتفينينكو».. بوتين لا ينسى ثأره القديم

أوائل نوفمبر (تشرين الثاني) 2006 اتفق ألكسندر ليتفينينكو، الضابط الروسي السابق في خدمة الأمن «الفيدرالي الروسي (إف إس بي)»، مع زميليه السابقين بنفس الوحدة على موعد لمقابلتهم في لندن لاحتساء الشاي في أحد الفنادق القريبة من محل إقامته، هرب ليتفينينكو إلى لندن بعدما سعى بوتين للقبض عليه في أعقاب عزله من وظيفته على خلفية خلافات بينهما.

ألكسندر ليتفينينكو .. مصدر الصورة bbc

التقى الضابط الروسي السابق، الذي حصل على الجنسية البريطانية بعد لجوئه إلى المملكة المتحدة مع صديقيه السابقين: لوغوفوي، وديميتري كوفتون، بفندق بوسط لندن في الأول من نوفمبر 2006، وتناولا أكواب الشاي قبل أن تتفرق السبل بعد هذا اللقاء.

لم تمض ساعات على هذا اللقاء الذي استدعوا فيها ذكرياتهم سويًا، حتى وجد ألكسندر نفسه مريضًا، وقضى الليل بأكمله يتقيأ. مرت ثلاثة أيام مع تدهور حالته لدرجة استدعت نقله إلى مستشفى بارنيت العام شمالي لندن، والتي نُقل منها بعد ذلك إلى مستشفى يونيفرستي كوليدج في لندن، قبل أن تفشل كُل محاولات الأطباء، ويقضي نحبه بعد ستة أيام إلى جانبه زوجته مارينا، ووالده والتر، وابنه أناتولي.

توفي ألكسندر في حادث غامض وسط تفسيرات متضاربة، وبقيت كلماته الأخيرة أثناء احتضاره حاضرة في الأذهان: «الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مسؤول عن كل ما يحدث له».

وخدم ألكسندر حين كان يحمل رتبة مقدم مع بوتين، الذي كان قائده الأعلى في «جهاز المخابرات الروسية (الإف إس بي)»، قبل أن ينشب خلاف بينهما حول الفساد داخل الجهاز، ويصدر بوتين قرارًا باعتقاله فى عام 1998، لاتهامات تتعلق باستغلال السلطة؛ ليظل قيد الحبس الاحتياطي لمدة تسعة أشهر قبل تبرئته، ويهرب بعد ذلك إلى بريطانيا عام 2000، حيث تم منحه حق اللجوء والجنسية البريطانية في عام 2006.

مرت 10 سنوات على وفاة ألكسندر، الذي انكشف بعد ذلك تقاضيه أموالًا من «جهاز الخدمة السرية البريطانية (إم آي)» للعمل معهم، حتى خلُصت لجنة تحقيق مستقلة في عام 2016 تحت إشراف السير روبرت أوين إلى حين وفاته جاءت بعد أيام من تسممه بمادة البولونيوم – 210 المشعة، التي تأكد أنها قد دُست له عن طريق صديقيه السابقين في كوب الشاي، واللذين هربا بعد هذا اللقاء إلى روسيا.

لاحقًا طالبت السلطات البريطانية نظيرتها الروسية بتسليم لوغوفوي وديميتري كوفتون، وهو الأمر الذي رفضه مكتب الادعاء العام في موسكو، بدعوى الدستور يمنع تسليم مواطنين روس، وأدى ذلك إلى توتر في العلاقات بين البلدين؛ انتهى بطرد أربعة دبلوماسيين روس من سفارة بلدهم في لندن؛ وهو ما أعقبه رد روسي بطرد أربعة بريطانيين من السفارة في موسكو، مع قطع العلاقات الأمنية بين البلدين.

سكريبال.. الموت بغاز الأعصاب عقابًا على الخيانة

لا تختلف وقائع هذه الحادثة عن مثيلتها التى جرت قبل أيام على الأراضى البريطانية؛ إذ لا يقف بوتين عاجزًا عن كُل منتقدٍ له، أو متعاون مع أجهزة أمنية في الخارج. في 5 مارس (آذار) الجاري، كان سيرغي سكريبال، العقيد سابق في المخابرات العسكرية الروسية الذي جندته المخابرات البريطانية، والبالغ من العمر 66 عامًا يسير مع ابنته يوليا في أحد شوارع  ساليسبري البريطانية، قبل أن يتعرضا للإغماء إثر استنشاقهما مادة مشبوهة، تبين بعد التحقيق أنها «غاز الأعصاب»: أخطر الغازات الكيمياوية.

سيرغي سكريبال .. مصدر الصورة arabic.rt

وتشمل أعراض التعرض لغاز الأعصاب: توقف في الجهاز التنفسي، والعجز في وظيفة القلب، والارتجاف والتشنج، وكل ما له علاقة بالأعصاب، ويمكن أن يسبب غاز الأعصاب الموت كذلك. وكان سكربيال من بين السجناء الذين أفرجت عنهم موسكو في يوليو( تموز) 2010 مقابل إفراج الولايات المتحدة عن 10 جواسيس اعتقلهم «مكتب التحقيقات الفيدرالي (أف بي آي)».

لاحقًا تشكلت لجنة تحقيق بريطانية من ضباط مكافحة الإرهاب وخبراء الأدلة الجنائية والمحققين وضباط المخابرات لمعرفة مصدر غاز الأعصاب وسط تسريبات تتحدث عن أن مصدر هذا الغاز هو روسيا، خصوصًا بعد انقضاء المهلة التي حددتها الحكومة البريطانية لروسيا حول كيفية استخدام سم عصبي «روسي الصنع» في تسميم العميل المزدوج الروسي السابق، وهي الواقعة التي أدت لاحقًا إلى تصعيد بريطاني بطرد نحو 23 دبلوماسيًا روسيًا، وهو الإجراء الذي واجهته روسيا بطرد 23 دبلوماسيًا بريطانيًا.

رجال الأعمال المعارضين.. الشنق في منازلهم

تمتد قائمة ضحايا بوتين لتشمل رجال أعمال رووس فروا من بلادهم على خلفية خلافات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ولم يكتف بوتين بهروبهم، بل سعى للانتقام عبر تدبير محاولات اغتيال لهم، وفقًا لما أظهرته نتائج التحقيق في وفاة بعض هذه الحالات.

كان من بين هؤلاء رجل الأعمال الروسي المقيم في بريطانيا بوريس بيريزوفسكي، الذي عُثرعليه مشنوقًا في حمام منزله في بركشير عام 2013، قبل أن يلحقه منذ أيام صديقه المُقرب رجل الأعمال الروسي نيكولاي غلاشكوف، والذي عُثر عليه ميتًا في منزله جنوب غربي لندن. واصطدم كلاهما خلال وجودهما في روسيا بفلاديمير بوتين، قبل أن تصدر في حقهم أحكام سياسية، ويضطرا للهروب إلى بريطانيا وطلب اللجوء السياسي.

رجل الأعمال الروسي البريطاني ريس بيريزوفسكي مصدر الصورة bbc

وكانت سلسلة إجراءات القبض على مئات من رجال الأعمال الروس في بداية ولاية بوتين قد أدت إلى خروج مئات المليارات من أموالهم إلى الخارج بطرق غير شرعية تحسبًا لتجميدها، فضلًا عن انتقال المئات من أثرياء روسيا إلى عواصم أوروبية، مثل لندن ومدريد؛ هربًا من اعتقالهم مثل زملائهم الذين قُبض عليهم لسنوات داخل روسيا، مثل رجل الأعمال ميخائيل خودوركوفسكي، الأكثر ثراءً في روسيا آنذاك، والمسؤول عن إنتاج حوالي خُمس النفط الروسي للعالم، عبر شركته الخاصة «يوكوس»، وبلاتون ليبيديف الرئيس السابق لبنك «ميناتيب».

حوادث الاغتيال تزيد من شرعية بوتين

لا تنفصل سلسلة الحوادث السابقة التي أشرف على تنفيذها بوتين، الذي تقاعد من الخدمة العسكرية في الـ«كي جي بي» برتبة عميد، عن محاولاته الدائمة لكسب شرعية بين أنصاره، الذين ينظرون لهذه الحوادث كنصر كبير للقيصر على كُل من يخرج عن دعمه، كما رسمت هذه الحوادث بوتين بطلًا يهيمن على الداخل والخارج، ورمزًا للقوة التي ردّت الاعتبار لروسيا.

Embed from Getty Images

الرئيس الروسى خلال تصويته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة

وشكل استهداف الروس الذين يعملون مع أجهزة مخابرات أجنبية أو رجال غير مواليين له خارج البلاد ملمحًا من سيرة القيصر، الذى دشن حُكمه بالحديد والدم، ولا يستمع سوى لمسؤولين أمنيين من المخابرات ووزارة الدفاع، ويُرغم قادة رئيسين داخل المؤسسة العسكرية، ممن انكشفت ميولهم المعارضة، على مغادرة البلاد، أو عزلهم ووضعهم رهن الإقامة الإجبارية.

وتظل خلفية بوتين العسكرية سببًا كافيًا لتفسير كُل هذه السياسات الانتقامية، خصوصًا تجاه من يتأكد تعاونهم مع أجهزة المخابرات الأجنبية؛ فالرئيس الروسي كان ضابطًا في جهاز المخابرات السوفيتية منذ العام ١٩٧٥، وبدأت أولى مهامه في هذا الجهاز حين كان عُمره 23 عامًا بتجنيد عملاء قادمين من ألمانيا الغربية، بعدما انتقل مع زوجته إلى درسدن في ألمانيا الشرقية، وقضى هناك أربعة أعوام.

ماذا سيفعل الإنجليز تجاه أفعال «بوتين» المستمرة؟

يبدو تعامل بريطانيا مع الحادثة الأخيرة مُرشحًا للتصعيد على خلاف الحوادث السابقة التي هددت فيها بخطوات مماثلة، قبل أن تتجه للتهدئة. بدأت أولى هذه الخطوات بتوجيه وزير الخارجية البريطانية، بوريس جونسون، أصابع الاتهام نحو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بإصداره القرار لمحاولة اغتيال جاسوس روسي على الأراضي البريطانية.

Embed from Getty Images

صورة لعلم بريطانيا

وكانت الحكومة البريطانية قد أعلنت عن عدة قرارات من بينها طرد 23 دبلوماسيًا روسيًا، ومقاطعة الأسرة الملكية والوزراء لكأس العالم 2018 في روسيا، وتجميد أصول لروسيا في بريطانيا؛ إذ وجدت أدلة على أنها قد تستخدم لتهديد حياة أو ممتلكات المواطنين أو المقيمين في بريطانيا، وتعليق جميع الاتصالات الثنائية عالية المستوى المخطط لها بين بريطانيا وروسيا.

كما تضمنت هذه الخطوات قطع التواصل الثنائي على المستوى الدبلوماسي الرفيع، من ضمنها إلغاء دعوة وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف، لزيارة بريطانيا، وسحب تمثيلها الرسمي في كأس العالم، والتلويح بورقة مقاطعة كأس العالم حال أظهرت التحقيقات ضلوع روسيا بشكل رسمي.

لكن التصعيد المُرشح لن يصل لحد التجميد الكامل للعلاقات؛ فبريطانيا تعتمد على الغاز الروسي، وستتعرض لخسائر كُبرى حال توقف تصدير روسيا للغاز، خصوصًا بعدما تسرّب خبر عن قرب نفاد مخزون الغاز الضروري للتدفئة بعدما تعرضت لموجة باردة، فضلًا عن حاجة بريطانيا، التي تستعد للخروج من الاتحاد الأوروبي، لتعزيز التعاون مع دول بديلة، والتي تأتي روسيا كأولوية من هذه الدول، وفتح آفاق جديدة للتبادل التجاري معها.

ويدعم عدم وصول هذا التصعيد للقطع الكامل للعلاقات اكتفاء الدول الأوروبية ببيانات تعزيز للموقف البريطاني، دون تفاعل واقعي في اتخاذ خطوات مضادة ضد روسيا؛ مما يشير إلى أن بريطانيا لن تسير في مسار التصعيد للنهاية.

المصادر

تحميل المزيد