استخدمت الولايات المتحدة الأمريكية الأسلحة الحارقة، وخاصًة الفسفور الأبيض والنابالم، في غالب معاركها التي خاضتها منذ توقيعها اتفاقية استخدام الأسلحة التقليدية عام 1980، إذ استخدمتها في غزو العراق عام 2004، خاصة في معركة احتلال مدينة الفلوجة، كما استخدمته أيضًا في غزو أفغانستان 2001، ومؤخرًا استخدمته على نطاق واسع وبشكل مكثف في معركتها ضد «تنظيم الدولة الإسلامية في العراق وسوريا»، وعلى الرغم من نفي الولايات المتحدة استخدام مثل هذا السلاح في أكثر من مناسبة، فإن الصور والمشاهدات التي بثتها قنوات عالمية تثبت عكس ذلك.

وكانت كلٌّ من أمريكا وروسيا قد صوتت منذ أيام قليلة ضد تعديل قوانين تتعلق باستخدام الأسلحة الحارقة، خلال مؤتمر الأسلحة التقليدية (CCW) الذي عقد في مدينة جنيف السويسرية، إذ حضرت 17 دولة لمناقشة هذه الاتفاقية، وقد طُرحت قضية تجاوز ثغرات «البروتوكول الثالث» في الاتفاقية، الذي يخص منع استخدام الأسلحة الحارقة، والذخائر متعددة الاستخدامات ذات الآثار الحارقة. 

وعلى الرغم من دعم 14 من 17 دولة مشاركة في المؤتمر، فإن التعديل يحتاج إجماع جميع الدول الموقعة على الاتفاقية، كما منعت روسيا والولايات المتحدة أيضًا المقترحات الداعية إلى تخصيص وقت في عام 2020 لمناقشة البروتوكول الثالث لاتفاقية الأسلحة التقليدية، بينما أدانت جميع الدول استخدام الأسلحة الحارقة، وعبرت عن قلقها بشأن استخدامها وآثارها القاسية، ودعت بعض الدولة إلى تعزيز البروتوكول الثالث، وإعادة طرحه مرة أخرى، بغض النظر عن آراء الدول بشأن تعديله.

إذن ما قصة البروتوكول الثالث؟

اعتُمد البروتوكول الثالث هذا عام 1980، وخضع لنقاشات ومراجعات عديدة منذ ذلك الحين، وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» إنه يشتمل على ثغرتين رئيسيتين أضعفتا تأثيره، الأولى هي أنه يستثني في تعريفه الأسلحة متعددة الأغراض، مثل تلك التي تحتوي على الفسفور الأبيض، والتي قد تكون مصممة أساسًا لإحداث سواتر دخانية أو للإضاءة، ولكن يمكنها أن تتسبب في الإصابات المروعة نفسها، مثل غيرها من الأسلحة الحارقة.

إنفوجراف: أبريل شهر الكيماوي! أبشع الهجمات الكيماوية في سوريا منذ بداية الحرب

والثانية هي أنه مع كون البروتوكول يحظر استخدام الأسلحة الحارقة التي يجري إسقاطها من الجو على المناطق المأهولة بالسكان، فإنه يسمح باستخدام الأنواع التي تُطلق من الأرض في ظروف معينة، وطالبت المنظمة بوجوب إلغاء هذا التمييز العبثي؛ لأن كل الأسلحة الحارقة لديها التأثير نفسه، ويخلو القانون الدولي من اتفاقية تحظر صراحة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض.

وعَرف البروتوكول في مادّته الأولى السلاح الحارق بأنّه «أي سلاح أو أي ذخيرة، مصممة لإشعال النار في الأشياء، أو للتسبّب في حروق للأشخاص بفعل اللهب أو الحرارة» وبناءً على هذا التعريف كي يُعد السلاح حارقًا، لا يكفي أن يؤدي استخدامه إلى إشعال النار وإحداث حروق للأشخاص، بل يجب أن تكون هذه الآثار الهدف الأساسي من الاستخدام، أي بما معناه أن أي دولة تستطيع استخدام السلاح الحارق وتقر بذلك فيما إذا كانت «نيتها» عدم إحراق الناس والحجر.

ولم يمنع بروتوكول الأسلحة الحارقة استخدام سلاح الفوسفور الأبيض منعًا مطلقًا، إنّما حظر استخدامه في حالات أربعة (استهداف المدنيين، والعسكريين في المناطق المدنية، وإطلاقه من الجو، واستهداف الغابات)، وأيضًا تشمل هذه الحالات الأربعة عددًا من الاستثناءات التي تجعل منه قرارًا مطاطيًّا يمكِّن الدول من التلاعب به، وهو ما تسعى المنظمات الحقوقية لتعديله حتى يكون القرار بدون أي ثغرات.

وكانت روسيا في المؤتمر الماضي 2018 قد منعت الإجماع على اقتراح يحظى بتأييد واسع لمواصلة المناقشات المخصصة للأسلحة الحارقة في عام 2019، والآن انضمت الولايات المتحدة الأمريكية في رفضها لتعديل الاتفاقية.

مسوغات روسيا مفهومة.. لماذا تدافع أمريكا عن الأسلحة الحارقة؟

ربما يكون سبب رفض روسيا لتعديل الاتفاقية مفهومًا بعض الشيء، بسبب الحرب التي تشنها ضد فصائل المعارضة السورية، ومحاولتها إعادة المناطق الخارجة عن سيطرة النظام السوري، كما أنها بحاجة للأسلحة الحارقة في معاركها؛ إذ تمكنت بهذا السلاح من السيطرة على عدة مدن وبلدات لم تكن فصائل المعارضة قد حصنت نفسها فيها تحصينًا جيدًا، إذ لجأت روسيا لهذا السلاح عشرات المرات خلال المعارك، وهو ما تظهره الصور والمقاطع المنتشرة على وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات العالمية.

ولكن ما الذي يدفع الولايات المتحدة الأمريكية صاحبة الترسانة العسكرية الأقوى في العالم، والتي أعلن رئيسها دونالد ترامب تحقيق انتصاره بالفعل على تنظيم «داعش» مؤخرًا، لرفض تعديل الاتفاقية؟

يقول فضل عبد الغني، مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ«ساسة بوست»: «الجيش الأمريكي يستخدم هذه الأسلحة الحارقة استخدامًا أساسيًّا، ولا يريد أن يضع نفسه تحت مساءلة القانون الدولي في حال أخطـأ وتسببت في سقوط قتلى مدنيين؛ ولهذا هي لا تريد هذا التعديل» أما ما يخص الرفض الروسي يضيف عبد الغني «روسيا ترفض أي قرار يكون لصالح المدنيين أو القانون الدولي، بما يسمح لها بفعل ما تريده؛ لأنها دولة مارقة وإجرامية، كما أنها لا تريد تعديل البروتوكول؛ لأنها تستطيع أن تضرب المدنيين بهذه الأسلحة وتقول إنها تستخدمها للإنارة».

ويرى إبراهيم شاليش الخبير في التكنولوجيا العسكرية في تصريحه لـ«ساسة بوست» أن «روسيا وأمريكا تملكان كميات هائلة من الفسفور الأبيض؛ وبالتالي لا ترغبان في أن تكون الاتفاقية ضد مصالحهما بأي شكل»، إذ ترى الدولتان العُظميان أن الاتفاقية لا تحتاج للتعديل أو المناقشة، وأنهما تنفذانها بحذافيرها من ناحية عدم استهداف المناطق المدنية.

تجربة سوريا مع الأسلحة الحارقة

تستخدم الجيوش الفسفور الأبيض والنابالم في المقام الأول لإنشاء سحب دخان للتغطية والإنارة، ومع ذلك فقد جرى تطويره حتى يستخدم بوصفه واحدًا من الأسلحة الحارقة، فعندما تنفجر قذيفة الفسفور الأبيض، تتفاعل المادة الكيميائية بداخلها مع الهواء، مما يخلق سحابة بيضاء سميكة، وعند إصابتها للجلد البشري أو الحيواني فإنها تعمل على حرقه حتى تصل إلى العظام، وهذا ما يفعله النظام السوري وروسيا.

يؤكد شاليش أن «السلاح الحارق لا يحسم المعارك، وغالبًا يكون تأثيره في المدنيين أكثر بكثير من العسكريين، الذين يكون تأثيره فيهم قليلًا، خاصة مع استخدامهم الخنادق والأنفاق»، وهذا الأمر كان واضحًا من خلال المعارك التي ناهزت الأربعة أشهر في تلال الكبينة بريف اللاذقية، حيث ما تزال روسيا التي استخدمت مئات الغارات بالأسلحة الحارقة، لم تحرز أي تقدم، يضيف شاليش «في ظل عدم التكافؤ في العتاد بين فصائل المعارضة من جهة، والنظام وحلفائه من جهة أخرى، يلجأ الطرف الأول إلى التحصين الشديد، لاسيما الأنفاق والخنادق، وهذا يقيهم من خطر الأسلحة كافة، بما فيها الحارقة».

بينما يشير مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان لـ«ساسة بوست» «أن سوريا أكثر بلد في العالم استخدمت فيه روسيا والنظام السلاح الحارق ضد المدنيين، وأيضًا استخدم التحالف الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية هذا السلاح في الرقة ودير الزور، ولكن الشبكة السورية لم توثق أنها استخدمته ضد المدنيين مباشرة».

النظام السوري وروسيا لم يستخدما فقط السلاح الحارق الذي يحتاج قانونه للتعديل، بل استخدمتا السلاح الكيماوي الذي يحرم القانون صراحًة أي استخدام له، أكثر من 217 مرة على الشعب السوري، بحسب الشبكة السورية لحقوق الإنسان، وهو ما راح ضحيته آلاف المدنيين، خاصة في الغوطة الشرقية وخان شيخون، فهل ما إذا جرى تعديل البروتوكول الثالث سيمنع روسيا من استخدام الفسفور الأبيض أو النابالم أو غيرها؟

تطالب منظمة «هيومن رايتس ووتش» في أكثر من مناسبة بضرورة تعزيز القانون الدولي الذي يحكم هذه الأسلحة الاستثنائية في وحشيتها، وكان في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، ولأول مرة منذ 37 عامًا، قد أتيح لهيئة نزع السلاح التابعة للأمم المتحدة فرصة مخصصة لمعالجة المشكلات الإنسانية الناجمة عن الأسلحة الحارقة، إذ تجتمع الدول لمناقشة برتوكولات الاتفاقية من 13 حتى 15 نوفمبر من كل عام، وهذه هي المرة الثالثة، ولكن دون أي جدوى، ولم تؤد هذه المؤتمرات لأي نتيجة بعد، بالرغم من سقوط عشرات الضحايا من المدنيين، واتساع استخدام النظام السوري، وروسيا، والتحالف الدولي الفسفور الأبيض والنابالم في الحرب السورية.

المصادر

تحميل المزيد