في أواخر مارس (أذار) من العام الجاري، سلطت صحيفة «ترك برس»، وغيرها، الضوء على تصريحات أطلقها الكاتب الأمريكي مايكل روبنز، الباحث بمركز «أميركان إنتربرايز» حاليًا (وهو معهد محافظ يعمل به 20 من الموظفين السابقين في إدارة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش)، والباحث السابق لكل من مجلس العلاقات الخارجية ومركز كارنيغي، والتي أكد خلالها أن هناك جهات سياسية أمريكية مستعدة للاعتراف بأي انقلاب من شأنه أن يطيح بالرئيس التركي رجب طيب أردوغان.

وقد جاءت تلك التصريحات في مقال للباحث تحت عنوان «هل يمكن أن نشهد انقلابًا عسكريًا في تركيا» نُشر بتاريخ 21 مارس (أذار)، قال خلاله إنّه «إذا تحرك الجيش للإطاحة بأردوغان، ووضع حاشيته المقربة خلف القضبان، فهل بإمكانهم الإفلات بذلك؟ في عالم التحليل، وليس التأييد، الإجابه هي: «نعم»، كما أكد أن إدارة أوباما لن تفعل شيئًا حيال الأمر، أكثر من «التوبيخ أو الإدانة»، بخاصة إذا كان قادة الانقلاب يعتزمون استعادة المسار الديمقراطي من جديد، على حد تعبيره.

عاد روبنز مرة أخرى، بـمقال أكثر إثارة للجدل، نُشر بتاريخ 29 يونيو (حزيران)، في أعقاب تفجيرات مطار إسطنبول، جاء تحت عنوان «على أردوغان أن يستقيل». استهل روبنز مقاله بالقول، إن «وظيفة أي زعيم وطني هي – أولًا وقبل كل شيء – توفير الأمن لمواطني بلاده. إن الهجوم الإرهابي على المطار الرئيسي في إسطنبول يظهر بوضوح أن الرئيس التركي ليس على مستوى هذه المهمة». وقد وصف روبنز الرئيس التركي، بأنه «رجل لا يهتم سوى بنفسه وبحساباته المصرفية».

الأمريكي

هذا ولا يعد روبنز مجرد باحث تقليدي، شأنه شأن الكثير من باحثي الاستراتيجية والعسكرية الأمريكيين، إذ إنّه أحد الأبناء السابقين للمؤسسات العسكرية والاستخباراتية الأمريكية، وكان في السابق مسؤولًا بوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، والآن يُقدم النصائح للمسؤولين العسكريين الأمريكيين، فيما يخص السياسات الإقليمية بالشرق الأوسط، كما يذكر بوضوح في صفحة السيرة الذاتية على موقع معهد «أميركان إنتربرايز».

انقلاب المراكز البحثية الأمريكية

لا يعد روبنز أكثر من مجرد مثال على هذا التوجه المثير للجدل، في الصحافة ومراكز الأبحاث الأمريكية، المرتبطة بدوائر صنع القرار. قد يكون أكثرهم تعليقًا على محاولة الانقلاب الأخيرة في تُركيا، ورغم أن تعليقاته كانت أقل حدّة، إلا أنها لم تكن أقل دلالة أبدًا.

وفي مجلة فورين بوليسي الأمريكية، كتب روبنز مقالًا بعنوان: «لا يلومن أدوغان إلا نفسه على محاولة الانقلاب»، قال فيه إنّ أردوغان لم يعد رئيسًا للأتراك جميعًا، وأنه (أي أردوغان) أخلّ بمبادئ العلمانية، التي يصفها روبنز بأنها كانت عماد الدولة لمدة 90 عامًا.

يُضيف روبنز، أن أردوغان «لم يعد يرى ضرورة للاهتمام بآراء الليبراليين أو حتى تمثيلهم»، كما أنه اتهم الرئيس التركي بـ«ممارسة الغطرسة، والإطاحة بالجميع حتى أصدقاءه الذين دعموه، بالإضافة إلى دعمه للإرهاب». وفي تلميح لا يخلو من دلالة ما، أشار روبنز إلى أنّ «أولئك الذين خططوا للانقلاب ضد أردوغان، ربما كان هذا خيارهم الوحيد المُتبقي، وربما اعتقدوا أنهم يحمون تُركيا من حكم أيديولوجي، تتزايد قوته باستمرار، بينما يستمر (أردوغان) في عدم الوفاء بوعوده».

في مقال آخر له بعنوان «ماذا حدث في تركيا؟ وماذا سوف يحدث لاحقًا؟» نُشر في 17 يوليو (تموز) الجاري، لمّح روبنز، ضمن سيناريوهاته المُقترحة، إلى أنّ محاولة الانقلاب التي باءت بالفشل، ربما تكون من ترتيب أردوغان نفسه، قائلًا إنّه «أحد أكبر المستفيدين منه، لتعزيز سلطته»، كما أنه وصف مطالبات أردوغان الولايات المتحدة الأمريكية، بتسليم المعارض فتح الله كولن، بأنها «شبيهة بمطالبات الخميني، تسليم الشاه، في أعقاب الثورة الإيرانية، بعدما ذهب إلى الولايات المتحدة لتلقي العلاج».

ويبدو أن تشبيه الوضع التركي بما يحدث في إيران، لم تكن نغمة انفرد بها روبنز، ففي مقال نشرته صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، استدعى الكاتب «سونر جاغابتاي»، المثال الإيراني أيضًا، في مقاربة مع الوضع في تركيا، قائلًا إنّ «أردوغان المنتشي بالقوة في أعقاب انقلاب فاشل، سوف يشجع ثورة مضادة إسلامية».

ويعمل جاغابتاي، مديرًا لبرنامج الأبحاث التركية في معهد واشنطن، وهو معهد أمريكي محافظ، يُرجح أن له علاقة باللوبي الصهيوني. وقد سبق لجاغبتاي أن كتب في يونيو (حزيران) الماضي، أن «الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يواجه خطر المحاكمة، ليس هو فقط، بل وأفراد عائلته أيضًا، من أجل ذلك سوف يستمرّ في سجن الصحافيين، ومنع تجمّعات المعارضة السلمية».

وفي خضم محاولة الانقلاب، كانت تغطية مركز «ستراتفور» الأمريكي الاستخباراتي الشهير، هي الأكثر إثارة للجدل، بخاصة في ظل ترويج المعهد – الذي يُعلن بوضوح طبيعة عمله الاستخباراتي – ليلة محاولة الانقلاب، أن أردوغان طلب اللجوء السياسي إلى ألمانيا، وهو الخبر الذي لاقى رواجًا كبيرًا في الصحافة العالمية، لمدة ساعة كاملة، قبل أن تهبط طائرة أردوغان في النهاية، في مطار إسطنبول، عقب انسحاب القوات الانقلابية منه.

على ما يبدو إذًا، لا يمكن إغفال مواقف الصحافة الغربية، التي تبدو متحيزة إلى درجة التحريض أحيانًا، ضد تُركيا عمومًا، وأردوغان خصوصًا. هذا وبدء الحديث عن إمكانية حدوث انقلاب عسكري في تُركيا، أو الإطاحة بأردوغان، قبل أشهر من الآن، بيْد أنّ هذا الحديث لم يكن في أحيانٍ كثيرة، ذا طابع استشرافي أو تحليلي، بقدر ما ضمر طابعًا قد يراه البعض تحريضيًا، بعزفه على نغمتي جنوح أردغان نحو السلطوية، وتخاذل تركيا في الحرب ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، أو بصيغة أُخرى «دعمها للإرهاب».

[c5ab_facebook_post c5_helper_title=”” c5_title=”” url=”https://www.facebook.com/KolenaKhaledSaeid/videos/1267034646640243/?hc_location=ufi” width=”” ]

مشهد آخر، قد يُعزز هذه الفرضية، من نصيب جيمس وولسي، الرئيس الأسبق لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA)، والذي ظهر خلال تغطية قناة فوكس نيوز ليلة محاولة الانقلاب في تركيا، إذ علّق وولسي على ما حدث بالقول، إنّه «من الصعب أن نتفهم لماذا نفذوا شيئًا أخرق كهذا»، مُعربًا عن اعتقاده أن العلاقات التركية الأمريكية «قد تصبح في موقف أسوأ، مقارنة بالأمس، وأن توترات حكومة أردوغان معنا، غالبًا ما سوف تزداد، وأعتقد أن العلاقات الأمريكية التركية قد تصبح بغيضة جدًا الشهر القادم»، وهو ما فهمه البعض كإشارة مُحتملة إلى تواطؤ ما للولايات المتحدة الأمريكية في محاولة الانقلاب.

مؤشرات التواطؤ الأمريكي والغربي

نقلت صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، الحدثَ إلى مُستوى يقترب كثيرًا من التصريح، ففي تقرير نشرته الصحيفة، لكارين دي يونج، ودان لاموث، قال إن مسؤولين في البنتاجون، رفضوا الكشف عن هوياتهم، كشفوا عن أنّهم كانوا على علم بمحاولة الانقلاب، وأنهم كانوا ينتظرون «دراسة آثار الانقلاب على العمليات العسكرية، التي تقوم بها الولايات المتحدة في الشرق الأوسط»، وفق ما جاء في التقرير.

على المستوى الرسمي، كان الموقف السياسي للإدارة الأمريكية، مطابقًا للنموذج التقليدي الذي تفضله الولايات المتحدة، وهو «إمساك العصا من المنتصف»، وانتظار أن تميل الكفة بوضوح لأحد الطرفين. وفي الوقت الذي كانت فيه الأوضاع متفاقمة ميدانيًا في تركيا، ليلة محاولة الانقلاب، كان وزير الخارجي الأمريكي جون كيري، ونظيره الروسي سيرجي لافروف، يعقدان محادثات بشأن الأزمة في سوريا.

وجاءت التصريحات الأولية للجانبين الأمريكي والروسي، والتي امتازت بالترقب، وخلت من أي علامات على المفاجأة؛ متشابهة إلى حد مُثير للدهشة، قبل أن يصدر الرئيس الأمريكي، تصريحه الذي دعا فيه إلى دعم الحكومة المنتخبة ديمقراطيًا في تركيا.

وتجدر الإشارة إلى أن محاولة الانقلاب في تركيا، جاءت في أعقاب اتفاق أمريكي روسي، مُثير للجدل، حول سوريا، يُعتقد أنه قد يُمهد الطريق لبقاء رئيس النظام السوري، بشار الأسد، في السلطة لفترة أطول، وتحجيم الدعم لبعض فصائل المُعارضة، مع تكثيف الحرب ضد جبهة النصرة، والفصائل المتحالفة معها في مدينة حلب. ويُرجح أيضًا أن هذا الاتفاق لم يلق قبولًا تُركيًا.

كذلك يُشار إلى أن السفارة الأمريكية في تُركيا، كانت قد أصدرت بيانًا ليلة الانقلاب، وصف محاولة الانقلاب بأنها «انتفاضة».

الأمريكي

من جهة أُخرى، كان الحضور الفرنسي في الأزمة مُثيرًا للاهتمام، إذ أغلقت فرنسا بعثاتها الدبلوماسية في تركيا، بشكل مُفاجئ، قبل يومين من محاولة الانقلاب. يُضاف إلى ذلك تصريح وزير الخارجية الفرنسي، جان مارك آيرلوت، الذي قال فيه، إن محاولة الانقلاب في تركيا «لا تعني إعطاء الرئيس التركي، شيكًا على بياض، لتنفيذ عمليات التطهير»، على حد تعبيره، مُشككًا فيما إذا كانت أنقرة جديرة بالثقة في مكافحة من أسماهم بـ«الجهاديين».

وميدانيًا، جرى اعتقال بكير أركان فان، قائد قاعدة إنجرليك العسكرية، إضافة إلى 11 عسكريًا آخرين يعملون بالقاعدة، بتهمة المشاركة في الانقلاب، بمهام التزويد الجوي بالوقود للطائرات التي شاركت في المحاولة الانقلابية.

وذكرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، أن بكير أركان فان، تقدم بطلب لجوء إلى الولايات المتحدة، بعد أن تبين فشل محاولة الانقلاب، إلا أن طلبه قوبل بالرفض. ومن المعروف أن قاعدة إنجرليك، تُعد نقطة الانطلاق الرئيسية للعمليات الجوية، ضد «تنظيم الدولة»، كما أن بها تواجدًا كبيرًا للمستشارين العسكريين الأمريكيين، الذي يُشرفون على العمليات ضد التنظيم.

الأضواء الخضراء

عادة ما تكون التعميمات مُخلة، لكن التعميم التالي، هو على الأغلب أقرب على الصواب، وهو أنه لا يمكن لانقلاب عسكري في دول محورية بالشرق الأوسط، أن ينجح، دون غطاء من قوى كُبرى غربية، أو بوضوح أكثر: من الولايات المتحدة الأمريكية.

حدث هذا مع تُركيا نفسها في السابق، منذ انقلاب 1960، بقيادة رئيس أركان الجيش، جمال غورسيل، على رئيس الوزراء آنذاك، عدنان مندريس، فرغم أن مندريس كان حليفًا سابقًا للولايات المتحدة الأمريكية، إلا أنّه تعرض لموجة تشويه كبيرة في الصحافة الغربية، قبيل الانقلاب، حتى أن صحيفة نيويورك تايمز، وصفت قائد الانقلاب، بأنه «رجل يرفض القمع، والشعب يهلل بفرح للنظام الجديد».

آنذاك كان فليتشر وارن، هو من يتولى منصب السفير الأمريكي في تركيا، وهو صاحب خبرة كبيرة في الانقلابات العسكرية، بحكم عمله لفترة طويلة في أمريكا اللاتينية. وقد ورد عنه أنه زار الجنرال غورسيل، في أعقاب الانقلاب، ليخبره أن انقلابه كان أكثر الانقلابات التي رآها دقة وكفاءة وسرعة.

 

لم يختلف الأمر كثيرًا مع انقلاب كنعان إيفيرين عام 1980، فوفقًا لمصادر تاريخية، فقد كان الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، متواجدًا في حفل موسيقي، حين وصله اتصال من ضابط بوكالة الاستخبارات الأمريكية، يقول: «لقد فَعلَها حلفاؤنا». وقد اعترف مدير مكتب المخابرات المركزية في أنقرة آنذاك، بول هنزي، بأن وكالته لعبت دورًا في انقلاب 1980.

لا يقتصر الأمر على تركيا. فلدى الولايات المتحدة، تاريخ طويل في دعم الانقلابات العسكرية، خلال حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وحتى نهاية الحرب الباردة، امتدادًا من إيران وحتى أمريكا اللاتينية.

وتسبب دعم الولايات المتحدة للانقلابات العسكرية، في تشويه صورتها العالمية. وفي أعقاب نهاية الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفييتي، أقرت الولايات المتحدة عدة قوانين تحظر دعم الأنظمة السياسية، التي تأتي إلى السلطة عبر انقلابات عسكرية، وتربط بين تلقي الدعم الأمريكي وبين التزام معايير الديمقراطية وحقوق الإنسان، وهو ما مثل إيذانًا ببداية عصر التبشير الغربي بالديمقراطية.

إلا أن ذلك لم يكن إيذانًا بنهاية عصر الدعم الأمريكي للانقلابات العسكرية. ولا زال الجدل يدور حول الدور الأمريكي في الانقلاب الفاشل الذي وقع في عام 2002 على حكومة الرئيس الفنزويلي، هوجو شافيز، بعد أن ادعت تحقيقات فنزويلية، وجود جنرالات أمريكيين شاركوا في التحضير للانقلاب العسكري، الشهير بانقلاب «الـ48 ساعة».

سؤال العلاقات المدنية العسكرية في السياسة الأمريكية

ترفض الولايات المتحدة بشدة، تلميحات بعض المسؤولين الأتراك، حول تواطئها في محاولة الانقلاب الفاشلة الأخيرة، فيما يؤكد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، على تصريحات الرئيس الأمريكي، التي أكدت على الدعم الكامل للحكومة المنتخبة في تركيا.

لكن العديد من المفارقات في الأعوام الأخيرة، تكشف عن أن المدنيين والعسكريين، في الولايات المتحدة الأمريكية، ليسوا دائمًا على قلب رجل واحد.

في أعقاب عزل الجيش للرئيس المصري الأسبق، محمد مُرسي، في الثالث من يوليو (تموز)، ومن ثمّ فض اعتصام رابعة العدوية، في أُغسطس (آب) 2013، علّقت الإدارة الأمريكية بعض المساعدات إلى مصر، التزامًا بالقانون الأمريكي، الذي يحظر تقديم المساعدات للأنظمة التي تأتي إلى السلطة عبر انقلابات عسكرية، إلا أن تتبع المواقف يكشف عن أن العسكريين الأمريكيين، لم يكونوا راضين تمامًا عن هذا التوجه.

 

على ما يبدو، فإن العسكريين الأمريكيين، أقل التزامًا تجاه «التبشير الديمقراطي»، ويرون أن المصالح الأمنية تأتي في المرتبة الأولى. يكشف عن ذلك بوضوح، ما قاله رئيس الأركان الأمريكي مارتن ديمبسي، في جلسة تنصيبه في 17 يوليو (تموز) 2013، عندما سُئل عن رأيه في الدعوات المطالبة باتخاذ موقف ضد مصر يشمل إيقاف المساعدات على خلفية الانقلاب العسكري، فأجاب: «إذا كان علينا أن نتخذ موقفًا، فيجب أن نعيد الأمور إلى نصابها في أقصر وقت ممكن، لأنه من الضروري أن نحافظ على علاقتنا بالقوات المسلحة المصرية».

وفي حواره مع صحيفة واشنطن بوست، في أغسطس (آب) 2013، وحين سئل عما إذا كانت الولايات المتحدة، على علم مُسبق بتحركات الجيش المصري ضد مُرسي، فكشف عن أنّه كان يُطلع وزير الدفاع الأمريكي آنذاك، تشاك هيجل، على المستجدات أولًا بأول. وكان موقع وزارة الدفاع الأمريكية، يُوثق مضمون هذه الاتصالات، كما رصدنا في تقرير سابق.

الخلاف في المقاربات بين المدنيين والعسكريين في الولايات المتحدة، لم يكن قاصرًا على مصر، إذ ظهر الانقسام داخل الإدارة الأمريكية بشكل واضح فيما يخص سوريا أيضًا، وهو ما كشفه صحافي التحقيات الشهير، سيمور هيرش، في تحقيق نُشر مطلع العام الجاري.

كان موقف الإدارة الأمريكية مُعارضًا منذ البداية لرئيس النظام السوري، بشار الأسد، كما أنها اتجهت إلى دعم من تُطلق عليهم «فصائل المعارضة المعتدلة»، في المقابل كان التقييم الذي أعدته وكالة استخبارات الدفاع، وهيئة الأركان المُشتركة، قد خلص إلى أن هذه السياسة، «سوف تتسبب في إلقاء المنطقة في أحضان تنظيمات إرهابية».

وفي الوقت الذي كانت تُركز فيه الإدارة السياسية الأمريكية، على الإطاحة بالأسد، كان العسكريون يصبون جل اهتمامهم على الحرب ضد «تنظيم الدولة»، إلى درجة بلغت تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية لنظام الأسد، حول التنظيم وتحركاته، وفقًا لما أكدته تحقيقات هيرش.

وعلى ما يبدو، فإن العسكريين، قد فرضوا رُؤيتهم في النهاية، بعد أن قررت الإدارة الأمريكية أخيرًا، تركيز جهودها على مكافحة «تنظيم الدولة»، والتنسيق مع روسيا، مع تجاهل لمصير الأسد.

وفيما يبدو، فإن العسكريين الأمريكيين، ليسوا محملين بذات القيود التي تفرضها القوانين على الإدارة السياسية، كما أنهم لا يفضلون إدارة أمورهم بالطرق التقليدية، لذا فإن الرئيس الأمريكي، لا يطلع دائمًا على تفاصيل ما تقوم به هيئة الأركان، فضلًا عن جهاز الاستخبارات.

ويمكن لهذه الأمثلة أن تفسر قدرًا مما يبدو تناقضًا في المواقف الأمريكية تجاه العديد من القضايا الكُبرى، ففي الوقت الذي تنتقد فيه الإدارة الأمريكية أنظمة يعينها، فإنه لا يوجد ما يمنع أن يسير التنسيق العسكري بين جيوشها وبين الجيش الأمريكي على قدم وساق، مما يعني أن النفي شديد اللهجة لوزير الخارجية الأمريكي جون كيري لتواطؤ بلاده في محاولة الانقلاب بتركيا، لا يكفي للجزم بتبرئة ساحتها، بخاصة وأن الدور الأمريكي في الانقلابات العسكرية، غالبًا ما يستغرق سنوات للكشف عن حقيقته.

وفي الآونة الأخيرة، اتخذ الصراع بين وزارتي الخارجية والدفاع بالولايات المتحدة، شكلًا أكثر وضوحًا وعلانية، إذ يسعى البنتاجون إلى دور أكبر في تحريك المساعدات العسكرية الأجنبية، بخاصة في ظل ما تفرضه الطبيعة الأمنية للنزاعات في عدد من الدول، في حين تخشى وزارة الخارجية، أن هذا الأمر قد يمثل اتجاها نحو عسكرة السياسة الخارجية، فيما يسعى الكونجرس بدوره، نحو إعادة التوازن لهذه العلاقة عبر طرح مشروع جديد للسياسة الدفاعية.

وعادة ما تصدر وزارة الدفاع توصية بدعم دولة بعينها ضمن مشروعات تمويل الجيوش الأجنبية، في حين يحتم أن يراجع هذا الدعم أولًا من قبل وزارة الخارجية والكونجرس، للتأكد من التزام الدولة بمعايير استحقاق المساعدات، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان، في الوقت الذي يرى فيه مسؤولو الدفاع أن هذه الإجراءات البيروقراطية تتسبب في الإضرار بالمصالح الأمريكية.

التدريب الأمريكي والانقلابات العسكرية

خلال خمسينيات القرن العشرين، حاولت إدارة أيزنهاور، استغلال المساعدات لإجبار مصر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، للانضمام إلى تحالف مناهض للشيوعية. رفضت واشنطن توفير أسلحة كان المصريون قد طلبوها، وسحبت في وقت لاحق عرضها لتمويل بناء السد العالي، في محاولة لفرض شروطها. كانت النتيجة أن حصلت مصر على احتياجاتها من السلاح، من موسكو، وباتت أقرب إلى المعسكر السوفيتي، ويبدو أن الأمريكيين قد وعوا الدرس جيدًا من ذلك الحين.

خلال العقود التالية استخدمت الولايات المتحدة، تمويل وتدريب الجيوش كوسيلة لفرض نفوذها في صراعها الممتد مع السوفييت بطول خريطة العالم. استخدمت الولايات المتحدة هذا النفوذ في الإطاحة بالأنظمة غير المرغوبة، وبخاصة في أمريكا اللاتينية وفي الشرق الأوسط. وقد فسر المحلل الألماني داريو أتزيليني، فشل انقلاب فنزويلا في عام 2002، بأن العديد من رجال الجيش (أعضاء الحركة البوليفارية)، رفضوا الانصياع لأوامر قادتهم، نظرًا لكونهم كانوا ينتمون إلى الجيل الأول من ضباط الجيش الذين لم يتلقوا تعليمًا عسكريًا أمريكيًا أسوة بقادة الانقلاب.

 

هذا السياق التفسيري، لا يبدو عبثيًا بالنظر إلى دور الجنرالات الذين تلقوا تدريبًا أمريكيًا، ولعبوا دورًا في تنفيذ انقلابات عسكرية في بلادهم، سواء مانوييل نورييجا، في بنما أو كاستللو أرماس في جواتيمالا، أو غيرهم، وصولًا إلى جيوش الشرق الأوسط. في تركيا نفسها، أُذيع بيان انقلاب عام 1960 من قبل ضابط مرموق، رغم صغر سنه آنذاك، يدعى ألب أرسلان توركيش، كان واحدًا من بين 16 ضابطًا، كانوا من أوائل من تلقوا تدريبهم في الولايات المتحدة عام 1948.

ويُشار إلى أن بيان الانقلاب، تضمن تأكيدًا على ولاء تركيا لحلف الناتو وحلف بغداد. ومع عضوية تركيا في حلف الناتو منذ الخمسينيات فإن معظم كبار الجنرالات في الجيش التركي قد تلقوا تدريبا عسكريا في الولايات المتحدة.

وحتى في مصر التي شهدت آخر الانقلابات العسكرية الناجحة في الشرق الأوسط، فإن الأمور لا تبدو مختلفة كثيرا، إذ تلقى معظم جنرالات المجلس تدريبًا عسكريًا في الولايات المتحدة، بمن في ذلك الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي، وهو أمر لا يبدو غريبا في ظل حميمية العلاقات العسكرية بين الطرفين منذ توقيع اتفاقية السلام في عام 1979.

هل كان يجب إسقاط أردوغان؟

«الولايات المتحدة والغرب لا يحبون أردوغان»، لم يجد جورج فريدمان، غضاضة في إقرار ذلك، في معرض تحليله لمحاولة الانقلاب بتركيا. لكن تركيا ليست دولة هامشية، وفي ظل الأوضاع المتردية في كل من سوريا والعراق، فإنها تمثل مفتاح السياسة الأمريكية في المنطقة.

وكثيرًا ما تُتّهم تركيا من قبل الولايات المتحدة وفرنسا، بأنها لا تقوم بما يكفي لمحاربة «تنظيم الدولة». وتعاني الولايات المتحدة في إدارة تفاهماتها مع أنقرة في سوريا، في ظل تمسك الأخيرة برحيل الأسد، واحتجاجها المستمر على الاستعانة بالفصائل الكردية في محاربة «تنظيم الدولة»، ومعارضتها للتفاهمات الأمريكية الروسية.

 

نظريًا، ورغم اتساع دائرة الخلاف التركي الأمريكي، فإن الإدارة السياسية الأمريكية، تعاملت لفترة طويلة مع أردوغان، لكن الأمريكيين ربما يعولون على دور أكبر للأتراك، وسياسة أكثر انسجامًا، بخاصة في سوريا، وعلى صعيد مكافحة «تنظيم الدولة».

وعلى ما يبدو، فإن التعامل مع أي شخص آخر على رأس السلطة، غير أردوغان وحزبه، سيكون على الأرجح، الخيار الأفضل للأمريكيين والأوروبيين، إلا أن المخاطرة صراع طويل داخل الدولة التركية، لن يصب في صالح الولايات المتحدة، بخاصة في إدارتها للفوضى الإقليمية في سوريا والعراق. ومن ثم فإن دعم انقلاب عسكري فاشل، قد يمثل أسوأ الخيارات بالنسبة إلى الأمريكيين، فمن ناحية سوف يتسبب في توتير العلاقات بين البلدين، كما نرى الآن بوادر ذلك، ومن ناحية اُخرة، قد يتسبب في انكفاء وتحييد ثاني أكبر جيوش حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بسبب المشاكل الداخلية، وعمليات التطهير.

عليه، ستظل الولايات المتحدة الأمريكية، حريصة على نفي أي شبهة تواطؤ، أو حتى معرفة مُسبقة، بمحاولة الانقلاب، في المُقابل يُرجح أن تواصل تركيا ضغوطها الإعلامية على الولايات المتحدة، عبر تصريحات مسؤولين من الصفوف الخلفية، أو عبر استمرار المطالبة بتسليم فتح الله كولن، الذي تتهمه تركيا بتدبير محاولة الانقلاب، وبدورها ستواصل الولايات المتحدة تذمرها من إجراءات التطهير المُؤسسي الموسعة في تركيا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد