أمضيتُ الأسبوع الماضي في الولايات المتحدة محاولًا فهم وجهة نظر الجانب الأمريكي حيال الاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط ونتائجها المدمرة. ووجدتُ أن الأمريكيين مشغولون بمشاكلهم السياسية الخاصة، ولديهم أولوياتهم التي تتنوع بين البيئة، وفرص العمل، والاقتصاد، والغذاء الصحي. بل كانت المنافسة الشعبية في نيويورك تدور حول أبشع كلب في المدينة، بينما نادرًا ما يُذكَر الشرق الأوسط في النقاشات العامة.

كل ما سبق أعلاه ينطبق أيضًا على الصحف والبرامج التلفزيونية، باستثناء عروض آخر الليل المصطنعة، التي تحكي قصص أبطال أمريكا الذين يهزمون الإرهابيين في مكان غير معلوم، يشبه الشرق الأوسط.

وتعتبر مناقشة سياسات الشرق الأوسط في أمريكا شأنًا نخبويًا، لا يهتم به سوى الصحفيين والكتاب وبعض السياسيين. وفي هذا السياق يقول أندريه جروميكو، السفير السوفييتي الذين عمل فترة طويلة في الأمم المتحدة خلال الحرب الباردة، وأصبح لاحقا وزيرًا للخارجية: لا تتبنى الولايات المتحدة أي أيديولوجية، مشيرًا على الأرجح إلى قدرة السياسة الخارجية الأمريكية على التكيف مع المتغيرات، بعكس الاتحاد السوفيتي الذي يلتزم بسياسات معينة دون أي تغييرات. وهو ما كان صحيحًا قبل بضعة عقود، لكن ليس الآن.

نتائج عكسية

وتتأثر الأيديولوجية التي يتبناها باراك أوباما ومستشاروه في البيت الأبيض على نطاق واسع بخلفية أوباما السياسية وظروف نشأته الاجتماعية، والتي يمكن تلخيصها في كلمة واحدة: “المثالية”.

فالأفكار المثالية التي حملها معه نتيجة تربيته وحياته المهنية، جعلته يؤمن بسياسة الوعظ، حتى حينما لا يكون ذلك متوائمًا بالضرورة مع الأفكار والسياسات التي يتبناها حزبه الديمقراطي على نطاق واسع. إلى جانب إصراره على الابتعاد عن سياسة سلفه، وكبح جماح المشاركة النشطة للقوات الأمريكية في البلدان الأجنبية لمستوى الحد الأدنى. والجمع بين الأمرين يمثل أيديولوجية في حد ذاته. وهو ما لم يتأقلم معه العرب بشكل عام، والخليج بشكل خاص، حتى الآن، في ظل تفشي معتقد أن كل منعطف يخبئ فخًا أمريكيًا.

ويرى بعضنا أن هذه السياسة تؤدي إلى نتائج عكسية للمصالح الأمريكية، وأن انسحاب الولايات المتحدة من العراق والانسحاب الكامل المرتقب من أفغانستان لم يجعلا المنطقة أكثر أمنًا، بل أكثر خطورة. وفي نهاية المطاف وجدت الولايات المتحدة نفسها تخوض حروبًا غير معلنة على جبهات متعددة. صحيح أنها تخوضها من السماء عبر الطائرات بدون طيار، إلا أن الوضع يمكن أن يتفاقم، مثلما يحدث في العراق الآن.

غضب المنطقة

كل الأيديولوجيين مصابون بالعمى وأوباما ليس استثناء. والدليل على ذلك استخدام الطائرات بدون طيار على نطاق واسع في بلدان مثل اليمن لقتل عملاء تنظيم القاعدة، وقريبًا قد نجدها فوق رؤوسنا نحن أيضًا. لكن التهديد الأكثر خطرًا على اليمن هم الحوثيون الشيعة الممولون من إيران، وهناك أيضًا إرهابيو دولة العراق الإسلامية وبلاد الشام الذين لا يهددون فقط وحدة سوريا والعراق، بل يتعدى خطرهم لما وراء ذلك. وهو التدخل الأمريكي الذي لا يرضى عنه أغلبية سكان المنطقة – بل يشعرون بالغضب تجاهه – لا سيما في ظل غياب أي سياسة متماسكة.

ويبدو أن الرحلات التي قام بها جون بايدن نائب الرئيس الأمريكي وجون كيري وزير الخارجية مؤخرًا إلى المنطقة تؤكد أن السياسات التي تتبناها واشنطن غير عملية، وتذكرنا تقريبًا بالسنوات التي أدت إلى حرب فييتنام الكارثية. وربما يسجل التاريخ أن فشل أوباما بدأ عندما تردد في اتخاذ إجراءات سريعة في سوريا من خلال الدعم – المبكر جدًا – لقوات المعارضة المعتدلة هناك.

وبعد بضع سنوات من هذا الفشل، انزلق الشرق الأوسط إلى ما نشهده الآن. فالفشل يبدأ صغيرًا، حتى في السياسة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد