نشعر بخيبة أمل قوية.. الصين ستقاتل إلى النهاية للدفاع عن مصالحها المشروعة باستخدام كل الإجراءات الضرورية.

كان هذا رد السفارة الصينية في واشنطن على توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مذكرة رئاسية الخميس 23 مارس (آذار) الجاري، قد تفرض رسومًا جمركية على واردات صينية بقيمة 60 مليار دولار، وبالرغم من تراجع حدَّة ترامب؛ إذ استخدم لهجة هادئة عندما بدأ حديثه بالقول إنه يعتبر الصين «صديقًا»، وفتح مساحة أوسع من للتفاوض، بخلاف السابق قائلًا: «علينا أن نتحدث إلى الصين»، لم يكن موقف بكين بمثل هدوء ترامب.

فالصين التي قالت عندما أعلن ترامب في الخميس الأول من مارس الجاري أن الولايات المتحدة ستفرض تعريفات جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب، و10% على الألومنيوم المستورد: إنها «لن تتخذ إجراءات لحماية مصالحها»، ليست هي الصين التي تقول الآن إنها ستقاتل إلى النهاية للدفاع عن مصالحها المشروعة باستخدام كل الإجراءات الضرورية، فالهدوء السابق التي رددت به الصين كانت تنتظر من خلاله تراجع من ترامب عن تهديداته، ولكن في الواقع وجدت نفسها الآن أمام أهداف أكبر للرئيس الأمريكي الذي على ما يبدو لن يتوقف عند هذا الحد.

وبحسب إيفريت ايزنستات، نائبة مدير المجلس الاقتصادي القومي، فإنّ الرئيس الأمريكي سيطلب من وزارة الخزانة الأمريكية اقتراح إجراءات قد تقيد الاستثمارات الصينية في بلاده، وهو الأمر الذي سيجعل الصين مجبرة على الدفاع عن مصالحها، ولكن يبقى السؤال: كيف ستقاتل الصين إلى النهاية؟ وما هي الأدوات التي يمكن أن تستخدمها الصين في هذه الحرب؟

وخلال السطور القادمة سنتحدث عن أهم سلاح اقتصادي تملكه الصين في مواجهة ترامب، وهو سندات الخزانة الأمريكية، إذ لم يستبعد سفير الصين لدى الولايات المتحدة (تسوي تيان كاي)، خلال حديثه لوكالة “بلومبيرج” مساء الجمعة، إمكانية قيام بلاده بخفض مشتريات السندات الأمريكية ردًا على فرض ترامب رسومًا جمركية جديدة، وقال السفير: «نحن نبحث في كل الخيارات»، فهل يمكن أن تلجأ الصين إلى استخدام هذا السلاح قريبًا؟

ما هي السندات الأمريكية؟ ولماذا تستحوذ الصين
على النسبة الأكبر منها؟

قبل الحديث عما إذا كانت الصين ستستخدم السندات الأمريكية في حربها التجارية مع واشنطن أم لا، يجب أن نتعرف على تلك السندات أولًا، فهي بشكل عام أوراق مالية ذات قيمة معينة، وهي أحد أوعية الاستثمار، كما أنها أداة دين تلجأ إليها الحكومات لتمويل مشاريعها، ويلجأ إليها المستثمرون؛ لأنها توفر عائدًا جيدًا مقابل مخاطرة أقل، وعلى المستوى الأمريكي، فهي وسيلة التمويل الأهم للحكومة الأمريكية للحصول على رأس المال اللازم للنمو والتطوير والمنافسة، وتغطية ديونها القصيرة الأجل، وتنفيذ مشاريعها التنموية التي تُكلفها ملايين الدولارات.

وتصدر الحكومة الأمريكية عددًا من السندات حسب فترة استحقاق كُل نوع منها، فهناك السندات المُستحقة خلال عام واحد من تاريخ إصدارها، وتسمى أذونات الخزينة، وإذا كانت المدة بين عام واحد إلى 10 أعوام تسمى أوراق الخزينة، وإذا كانت مدتها أكثر من 10 سنوات، فإنها تسمى سندات الخزينة. ويتم شراء السندات الحكومية مباشرة عن طريق وزارة المالية الأمريكية أو عن طريق الإنترنت دون وسيط في هذه العملية.

وتعد الصين صاحبة أكبر حيازة – أكبر دائن أجنبي للولايات المتحدة – من سندات الخزانة الأمريكية، بواقع نحو 1.17 تريليون دولار بنهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، بحسب بيانات وزارة الخزانة الأمريكية، وتهيمن الصين على لقب أكبر حائز أجنبي لسندات الخزانة الأمريكية طوال العقد الماضي تقريبًا، كما عكفت خلال العام الماضي على زيادة حيازتها من الديون الأمريكية؛ إذ ارتفعت بنسبة 13% في 2017.

سندات الخزانة الأمريكية.. طريق الصين لإغراق المنافس الأمريكي

لا تستحوذ الصين على هذه النسبة من السندات الأمريكية لأنها استثمار جيد، أو بهدف دعم الاحتياطي النقدي وفقط، ولكن كما يرى المحللون، فإن الأهداف الصينية منذ أن لجأت إلى هذه السياسة هي أهداف تجارية بحتة؛ ففي ظل وجود فوائض مالية هائلة ناتجة عن انتعاش صادراتها خلال السنوات الماضية، تستثمر الصين النسبة الأكبر من هذه الفوائض في السندات الأمريكية؛ وذلك بهدف المحافظة على معدل منخفض لسعر صرف عملتها، وهو ما يسهم في دعم تنافسية صادراتها.

 

Embed from Getty Images

 

وتقوم الصين بهذا الأمر من خلال شراء البنك المركزي الصيني لمعظم الدولارات التي تدخل بلاده، ثم يتم إعادتها إلى السوق الأمريكية مرة أخرى من خلال شراء السندات، وهو ما يحافظ بالتالي على قيمة عملتها المحلية مقابل الدولار، وهذه السياسة دائمًا ما كانت نقطة خلاف بين البلدين.

هذه السياسة ظلت مجدية حتى وصول ترامب – الذي بدأ يُظهر تعاملًا أكثر حدة بشأن هذا الأمر – فالأمريكيون طوال السنوات الماضية كانوا يكتفون بالتنديد بالتلاعب الصيني بالعملة، دون اتخاذ إجراء واضح يحدُّ من تجارتهم الخاسرة مع الصين، ويوقف تمدد الفائض التجاري الضخم بين البلدين، والذي وصل إلى ذروته في عام 2017؛ إذ بلغ أعلى مستوى على الإطلاق مسجلًا 275.81 مليار دولار، وهذا الرقم شديد الحساسية بالنسبة للبلاد، وهو الأمر الذي يجعل ترامب يسعى بقوة لعلاج هذا الخلل سريعًا.

هل يمكن أن تتخلَّى الصين عن السندات الأمريكية؟

ينظر إلى حيازات الصين من السندات الأمريكية كأحد الخيارات المهمة للصين ضد أسواق الدين الأمريكية؛ إذ إن بيع السندات والتخلص منها يعدُّ أحد أهم الخيارات الفعالة أمام الصين للرد على الحرب التجارية التي يقودها ترامب، ومؤخرًا ظهرت تحركات صينية واضحة تشير إلى خفض بكين لاستثماراتها في ديون الولايات المتحدة، فهل ستتخلى الصين عن السندات الأمريكية؟

في يناير الماضي قالت «بلومبرج نيوز»: إن مسؤولين صينيين – يراجعون حيازات البلاد الكبيرة من النقد الأجنبي – قد أوصوا بإبطاء مشتريات سندات الخزانة الأمريكية، أو وقفها، في ظلّ تراجع جاذبية السوق بالنسبة لهم، وتصاعد التوترات التجارية بين الولايات المتحدة والصين، إلا أن «إدارة الدولة للنقد الأجنبي» – الهيئة المعنية بتنظيم سوق الصرف الأجنبي في الصين – نفت هذا الأمر حينها، موضحة أن هذه الأخبار تستند إلى معلومات خاطئة وزائفة.

ولكن في منتصف مارس الجاري كشفت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية عن تراجع الاستثمارات الصينية في السندات الأمريكية، لتهبط إلى أدنى مستوياتها في ستة أشهر، وهو ما يعود بنا إلى ما ذكرته «بلومبرج» من أن بكين قد توقف شراء السندات الأمريكية، خاصة في ظل إشعال ترامب لفتيل الحرب التجارية بين البلدين، فهل تتوقف الصين عن شراء السندات الأمريكية قريبًا؟ وحدها الأيام القادمة قادرة على الإجابة عن هذا السؤال.

ماذا سيحدث للاقتصاد الأمريكي إذا تخلت الصين عن
السندات؟

يفضل البعض استخدام مصطلحات «الانهيار» و«السقوط في الهاوية» في وصف ما سيحدث للاقتصاد الأمريكي حال تخلت الصين عن حيازاتها من السندات الأمريكية، ولكن في الواقع ربما يكون مثل هذا الوصف غير دقيق بعض الشيء؛ فكما ذكرنا أن الصين تشتري السندات لدعم مصالحها التجارية؛ ما يعني أن تخليها عن هذه السندات سيضر مصالح بكين أيضًا طالما أنها تتبع سياسة «اليوان الضعيف» لزيادة صادراتها.

ولكن إذا فرضنا – جدلًا – أن الصين فتحت المجال لعملتها للصعود، فهي في هذه الحالة لا تحتاج إلى السندات الأمريكية، ويمكن أن تتخلى عنها بسهولة، وهو الأمر الذي ستكون نتائجه كارثية بالنسبة للولايات المتحدة؛ إذ ستضع البلاد في مأزق مع ديونها الهائلة، وهبوط حاد للدولار سيزعزع استقرار الاقتصاد، بالإضافة إلى الإضرار بثقة المستثمرين في الاقتصاد الأمريكي؛ ما يجعل واشنطن عاجزة أمام تمويل عجز الموازنة الضخم لضعف الطلب على سنداتها بخروج الصين من السوق، لكن في المقابل إن هبوط الدولار سيكون إيجابيًا بالنسبة للصادرات الأمريكية، وسيضعف من صادرات الصين – في النهاية – بسبب ارتفاع تكلفة المنتجات الصينية.

هذا السيناريو يضعنا في دائرة مغلقة؛ إذ سيكون للطرفين نصيب كبير من الخسائر على كل حال، فطالما أن الاقتصاد الصيني يعتمد على التصدير، فإن خيار التخلي عن السندات الأمريكية ليس هو الخيار الأمثل لبكين، كما أن طرق التخلي عن هذه السندات ليست بالسهولة التي يتصورها البعض، فقد يحتاج إلى مدة طويلة في حال انتظرت الصين حتى انتهاء آجال السندات حتى لا تتعرض لخسائر كبيرة، إذا قررت عرضها للبيع في السوق، وهي سياسة مستبعدة.

Embed from Getty Images

لكن أيًا كانت الطريقة التي ستتخلى بها الصين عن السندات الأمريكية، فهل يعني هذا «انهيار» الاقتصاد الأمريكي؟ في الواقع تبدو فكرة الانهيار مبالغًا فيها بعض الشيء، فبالرغم من أن الصين أكبر دائن أجنبي للولايات المتحدة، إلا أن أغلبية الدين الأمريكي دين محلي، إذ إن 69% منه مملوكة لأفراد وللمؤسسات المحلية الأمريكية، فيما لا يشكل إجمالي ما تمتلكه الصين من السندات الأمريكية، سوى 5% من إجمالي الدين، وبالتالي فلن تكون نتائج هذا التخلي كارثية، بل ربما تكون مجرد «ضربة اقتصادية قاسية»، إن صح التعبير.

عمومًا تتعامل الأسواق المالية العالمية بحساسية شديدة مع الحديث عن السندات الأمريكية، سواء من ناحية هبوط وصعود عوائدها، أو من ناحية التوقعات بتخلي الصين عن وضعها ضمن أولوياتها في الشراء، وهو الأمر الذي حدث عندما تحدثت «بلومبرج» عن تلويح صيني بخفض حيازتها للسندات الأمريكية؛ إذ اهتزت أسواق العالم، وتراجع الدولار بقوة، وهو ما يعني أن مثل هذه التحركات لن تكون نتائجها سلبية على الاقتصاديين الأمريكي والصيني فقط، بل سيتضرر اقتصاد العالم ككل.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!