إن كلاً من الولايات المتحدة وكندا تكملان بعضهما البعض أكثر مما يعتقد معظم الناس. في الواقع، إن الاندماج بين البلدين ليس مرغوبًا فيه فحسب، بل إنه أمر لا مفر منه.

فالأمر لا يقتصر فقط على أن الدولتين تتشاركان أطول خط حدودي في العالم. فهما تتشاركان أيضًا نفس القيم وأنماط الحياة والتطلعات. وغدت مجتمعاتهما واقتصادهما متشابهان في نواحٍ هامة.

تقول الكاتبة أنها هاجرت من الولايات المتحدة إلى كندا حين كانت امرأة شابة. وبعد مرور ما يقرب من 50 عامًا منذ هجرتها، تشعر أن كندا أصبحت أكثر مثل أمريكا وأمريكا أصبحت أكثر مثل كندا.

دومًا ما كانت كندا تحت سيطرة عدد قليل من العائلات والبنوك والتكتلات. لكنها الآن بلد أكثر ديناميكية ومتعدد الثقافات ويدعم السوق الحرة. وفي نفس الوقت، أصبحت الولايات المتحدة أكثر تقدمية في قضايا مثل الحقوق المدنية وحقوق المرأة وحقوق مثليي الجنس والرعاية الصحية الشاملة. إن الكنديين والأمريكيين لا يمكن تمييزهما عن بعضهما بالنسبة لبقية العالم لدرجة أن بعض الكنديين يضعون علم بلادهم على صدورهم أو حقائب الظهر حتى لا يعتقد خطأ أنهم أمريكيون. فمن السهل القيام بذلك، لأن شعبي البلدين يميلان إلى الزواج والدراسة والمواعدة واللعب والعمل والاستثمار والسفر بالنمط نفسه.

باندماجهما معًا، فإن الولايات المتحدة وكندا ستصبحان دولة عملاقة، مع اقتصاد أكبر حجمًا من اقتصاد الاتحاد الأوروبي، بل في الواقع، سيزيد حجم اقتصادهما مجتمعتين عن حجم اقتصاد الصين وتايوان واليابان وكوريا الجنوبية مجتمعين. فسوف تسيطران على مزيد من النفط والمياه والأراضي الصالحة للزراعة والموارد من أي مكان آخر على الأرض، وسيحميها أقوى جيش في العالم.

تحسبونه أمرًا بعيد المنال؟ ربما. ولكن لنفكر في التالي: اثنان من رؤساء الوزراء الكنديين – أحدهما تولى المنصب بعد الحرب العالمية الأولى والآخر بعد الحرب العالمية الثانية – فكرا بجدية في اقتراح اندماج مع الولايات المتحدة. إلا أنهما لم يواصلا سعيهما هذا لأسباب سياسية.

في سبعينيات القرن الماضي، صرح قطب الاقتصاد الكندي إي.بي تايلور – الذي اشتهر برعايته سباقات الخيول – لكاتب سيرته: “لولا قضية العنصرية في الولايات المتحدة والمشاكل السياسية (فيتنام) لديهم، لكنت اعتقدت أن البلدين يمكن أن يندمجا … أنا ضد محاولة الحد من امتلاك الأمريكيين في الشركات الكندية. أعتقد أن الطبيعة لا بد أن تأخذ مجراها”.

منذ ذلك الحين، تأخذ “الطبيعة” مجراها في كلا الاتجاهين. فثلاثة ملايين من أصل 35 مليون كندي يعيشون بدوام كامل أو جزئي في الولايات المتحدة. ومعظمهم يتقاعدون في ولايات الحزام الشمسي (جنوب الولايات المتحدة)، ولكن هناك ما يقرب من 250000 من الكنديين العاملين في لوس انجلوس، و250000 أخرين في وادي السليكون ونحو 400000 في مانهاتن. هذا لا يشمل ملايين الكنديين الذين أصبحوا مواطنين في الولايات المتحدة قبل عام 1976، قبل السماح بازدواج الجنسية.

وقد كانت عملية هجرة الأدمغة بين الشمال والجنوب هذه ثابتة طوال تاريخ كندا. في عام 1900، كان عدد سكان كندا 5370000 شخصًا فقط، وبحلول عام 2000 هاجر سبعة ملايين كندي إلى الولايات المتحدة. كما أن الملايين من الأمريكيين لديهم جذور كندية – بما في ذلك شخصيات معروفة مثل ألين دي جينيريس وأليك بالدوين وفينس فون ومادونا وأنجلينا جولي وهيلاري كلينتون وسارة بالين وجاك كيرواك ووالت ديزني ووالتر كرايسلر وتوماس اديسون.

وقد جرى تدفق الناس أيضا من الجنوب إلى الشمال. تقول الكاتبة أن أكثر من مليون أمريكي، ممن هم مثلها، يعيشون في كندا مع أولادهم، الذين حتى لو ولدوا في كندا يحق لهم الحصول على الجنسية الأمريكية. بالإضافة إلى ذلك، فإن السكان الأصليين لكندا والمعروفين باسم “الأمم الأولى” الذين كان يبلغ تعدادهم 800000 نسمة، يعتبرون مواطنين أمريكيين بموجب معاهدة جاي 1794.

اقتصاديًا، يعتبر البلدان أكبر مستثمرين وعميلين وموردين لدى بعضهما البعض. حيث تنقل سفن كندا النفط إلى الولايات المتحدة أكثر من أي بلد آخر –  ما يقرب من 2.5 مليون برميل يوميا (من إجمالي استهلاك أمريكا البالغ 19.4 مليون برميل يوميا) – وتعد مصدرًا مهمًا للطاقة الكهربائية واليورانيوم والمعادن والغاز الطبيعي والسيارات. في المقابل، يشتري الكنديون المزيد من المنتجات الأمريكية أكثر مما يفعل الاتحاد الأوروبي بأكمله.

تملك الشركات الأمريكية ما يقرب من 12 في المئة من أصول الشركات في كندا، وما يقرب من نصف صناعة النفط ومعظم الصناعات. كما تجني الولايات المتحدة 60 في المئة من جميع مدخولات مبيعات التجزئة التي يجريها الكنديون في بلدهم. وتعتبر الشركات الكندية أكبر ثالث مستثمر في الولايات المتحدة، وتتطابق مستويات الاستثمار الأجنبي الكندية المباشرة في الولايات المتحدة مع المبلغ المستثمر من قبل الأمريكيين في كندا. ومنذ عام 2008، شكل الأفراد الكنديون أكبر مشترين للعقارات في الولايات المتحدة من بين المشترين الأجانب، أو حوالي 25 في المئة من المجموع.

بالنظر إلى كل هذه العوامل المشتركة، فلمَ الاكتراث بإعلان اندماج رسمي؟

إذا كانت الولايات المتحدة وكندا شركتين، أو ولايات أوروبية، لكانتا قد اندمجتا منذ وقت طويل. فكل منهما لديها احتياجات لدى الأخرى: الولايات المتحدة لديها رأس المال والقوى العاملة والتكنولوجيا وأقوى جيش في العالم؛ بينما تملك كندا احتياطيات هائلة من الموارد غير المستغلة وملكية منطقة واسعة ومهمة من الناحية الاستراتيجية في القطب الشمالي.

إن البلدان مثل الشركات الحديثة، ويتعين عليها أن تعمل باستمرار على إعادة تقويم النماذج الاقتصادية والسياسية. فمالم يتكيف الناجحون، سيخسرون في نهاية المطاف في الحياة الاقتصادية والسياسية كما هو الحال في الطبيعة. فأمريكا أو كندا اليوم قد تصبحا البرتغال أو اليونان غدًا. ففي العالم التنافسي والمترابط في القرن الواحد والعشرين، يعتبر عدم التطور بمثابة خسارة.

مرت 26 سنة منذ انعقاد اتفاق التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا. غدت الحدود أسوأ أو أكثر سمكًا عن ذي قبل. وثمة لوائح جديدة – بسبب مخاوف الولايات المتحدة حول الأمن وتهريب المخدرات من كندا. والتكلفة الإجمالية لتلك العراقيل غير معروفة، ولكن يشارك فيها الآلاف من حرس الحدود والمرافق والعمل المكتبي الإضافي والمتطلبات التنظيمية والمفتشين وحتى الطائرات بدون طيار في مناطق معينة.

لماذا نسمح بوجود حدود في الأساس؟ حان الوقت لنفعل ما فعله الأوروبيون، فعلى الرغم من قرون من الحرب، فقد قضوا على هذه الحدود المصطنعة. ثمة خيارين، هما توحيد العملة – بأن تستخدم الدولتان الدولار الأمريكي – أو الاتحاد الجمركي، الذي من شأنه أن يعمق العلاقات الاقتصادية. كما يمكن للولايات المتحدة وكندا الاندماج في دولة قومية واحدة أو شراكة على غرار الاتحاد الأوروبي، مع تخصيص بعض الصلاحيات لهيئة مركزية حاكمة في حين يبقى البعض الآخرون مع هياكل الحكم الخاصة لكل بلد.

تقول الكاتبة أنها عندما تثير هذه الفكرة في كندا، فإنها تحصل على ردود فعل متباينة وصامتة. الكنديون مهذبون جدا، وإذا كانوا يعارضون الفكرة، فلن يبدوا غضبهم. أما إذا كانوا مؤيدين لها، فلن يقولوا الكثير احتراما لمشاعر رفقائهم الكنديين الذين قد يعارضون ذلك.

ولكن إلى الجنوب من الحدود، يزداد عدد صناع السياسة الذين يوافقون على أن تعميق التكامل بين البلدين منطقي.

منذ سقوط الستار الحديدي، برزت حرب باردة اقتصادية جديدة، وغدا مفهوم الاقتصاد الحر – مثل اقتصاد الولايات المتحدة – يواجه الرأسمالية الموجهة من الدولة مثل الصين واليابان وروسيا ودول الخليج العربي وكوريا الجنوبية وسنغافورة وغيرها. إن سيطرة هذه البلدان، أو الامتلاك الصريح، للشركات الخاصة ودعم جهودها بترسانة من الاسلحة الاقتصادية – مثل الدعم والحماية الدبلوماسية للبلطجة والرشوة – يهدف للسيطرة على الأسواق والموارد.

في هذا العالم الجديد، الدول الأكبر هي الأفضل. يمكن للدول الكبرى أن تصر على معاملة عادلة، ويمكنها فرض الحواجز غير الجمركية، وإذا كان العلاج غير ناجح، يمكنها أن تهدد بتوقيع عقوبات عسكرية أو دبلوماسية. فالبلدان الصغيرة، أو تلك التي لا تملك القوة العسكرية، يجب أن تقاوم هذا التوجه.

ثمة فائدة أخرى هي تحقيق التنمية في شمال كندا، وهي منطقة تزيد مساحتها على مساحة أستراليا، وفارغة إلى حد كبير. وهناك حاجة إلى تطوير الطرق والمطارات والسكك الحديدية والموانئ والمواقع العسكرية والجسور ومرافق توليد الطاقة والبنى التحتية الأخرى للاستفادة من الكنز المدفون. حيث هناك ما يقدر بـ17 تريليون دولار من المعادن – مثل النحاس والذهب والفضة والنيكل واليورانيوم والماس والفوسفات والبوتاس والرصاص والزنك، والحديد الخام والمواد النادرة المستخدمة في السيارات الهجينة، والألواح الشمسية والالكترونيات، وذلك وفقًا لتقديرات خبير في المسح الجيولوجي الكندي، ولكن هناك المزيد. فلم يتم تحديد أماكن الكثير من الأراضي أو لم يدخل إليها بشر حتى، ناهيك عن استكشافها لتنمية الموارد. فقط العاصمة الأمريكية هي التي لديها الدراية والحماية العسكرية التي تمكنها من فعل ذلك.

على الرغم من منطقية أي عملية اندماج بين الولايات المتحدة وكندا، لا تزال هناك عقبات شاقة. فكلا البلدين منقسمين سياسيًا وإقليميًا بشكل كبير. فتمرير الميزانية في واشنطن صعب بما فيه الكفاية، ولكن التوفيق بين رغبات المناطق والسياسيين على جانبي الحدود من المستحيل تحقيقه إلا، بالطبع، حال وقوع أزمة. وتنفيذ ذلك يتطلب مستوى من الحنكة نفتقر إليها الآن في كلا البلدين.

ولكن تذكروا: لقد تجاوز الأوروبيون شيئًا أكثر مأساوية بكثير، فقاموا بتوحيد السكان الذين لا يتشاركون اللغة وذبح بعضهم البعض لعدة قرون.

إن استطلاعات الرأي حول فكرة الاندماج الصريح نادرة، ولكن في عام 1964 أظهر استطلاع للرأي دعم 49 في المئة من الكنديين للفكرة. وفي عام 2007، وجدت رابطة استطلاع القيم العالمية، وهي شبكة بحوث تضم الآلاف من علماء الاجتماع، أن نحو 77% من الأمريكيين و41% من الكنديين قالوا انهم سوف يختارون اتحادًا سياسيًا إذا كان ذلك يعني نوعية أفضل من الحياة. في عام 2011، أظهر استطلاع آخر عن طريق مؤسسة هاريس/ديسيما أن 65 في المئة من الكنديين يدعمون مزيدًا من التكامل مع الولايات المتحدة، كما يدعمون خطة للقضاء على الحدود عن طريق مزج جهود الجمارك الامريكية والكندية والهجرة والأمن وإنفاذ القانون.

لسنا مجبرين على أن نصبح دولة واحدة، لنقل مثلا، الولايات المتحدة الأمريكية الكندية. ولكن هناك الكثير مما يمكننا القيام به، أقله اندماج كامل لقوات البلدين.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد