فيما اعتُبِر أنه أوضح مواجهة مباشرة بين إدارة أوباما مع الصين على خلفية سرقتها أسرارًا عسكرية، كشفت وزارة العدل، الإثنين، عن احتجازها لخمسة من أعضاء جيش التحرير الصيني الشعبي واتهامها لهم باختراق شبكات مؤسسة ويستنغ هاوس إليكتريك، شركة الحديد الأمريكية، إلى جانب شركات أخرى.

شملت لائحة الاتهام أعضاء في الوحدة 61398، والتي تم تحديدها علنًا العام الماضي بكونها وحدة التجسس الإلكتروني التابعة لجيش التحرير الصيني الشعبي ومقرها شنغهاي، بما في ذلك أحد أفضل قراصنتها المعروف على شبكة الإنترنت بأسماء حركية هي “UglyGorilla” و”KandyGoo”.

وقد صرح مسئول بأن مكتب التحقيقات الفيدرالي ووكالة الاستخبارات الأمريكية تتبعوا أنشطة المتسللين إلكترونيًّا؛ حيث قال: “لقد وضعوهم داخل مقر داتونغ رود” الخاص بوحدة التجسس، وهو برج عسكري مؤلف من 12 طابقًا خاضعًا لحراسة مشددة ويقع بالقرب من مطار شنغهاي.

منذ عام 2006، ومؤخرًا في الشهر الماضي، أفادت لائحة الاتهام بأن وحدة القرصنة اخترقت شبكات شركات أمريكية مستهدفة، وقامت بنسخ رسائل البريد الإلكتروني الخاصة بهم بانتظام، وفي بعض الحالات، زرعت برمجيات خبيثة في أجهزة الكمبيوتر الخاصة بهم.

وأشارت لائحة الاتهام إلى أن “الشركات الصينية استأجرت نفس وحدة جيش التحرير الشعبي الصيني هذه بغرض بناء قاعدة بيانات سرية للتجسس على الشركات”، وفي إحدى الحالات تسلل القراصنة إلى شبكة وستنغ هاوس لمعرفة إستراتيجية الشركة للتفاوض مع إحدى من الشركات المملوكة للصين؛ حيث سرقوا ما يقرب من 700000 صفحة من رسائل البريد الإلكتروني، بما في ذلك رسائل الرئيس التنفيذي للشركة.

بعد سنة من تعثر مسار الحوار بين البلدين على خلفية كشف إدوارد سنودن عن مساعي الولايات المتحدة للتجسس على الصين، فإن الاتهامات الموجهة من قبل وزارة العدل تعتبر محاولة من جانب إدارة أوباما لإعادة النقاش إلى نقطة يعتقدون أنها في صالح الولايات المتحدة: سرقة الملكية الفكرية.

حتى الآن، حاول الرئيس أوباما ووزير الدفاع تشاك هيغل اتباع الدبلوماسية الهادئة نسبيًّا مع الصينيين، فقد سعيا لإشراك الصينيين في حوار عن قواعد العمل في الفضاء الإلكتروني، وهي خطوة دبلوماسية متأنية استمرت لعدة سنوات. ولكن خطوة يوم الإثنين من قِبَلِ وزارة العدل مثّلت محاولة لفضح جيش التحرير ضمت قائمة “لأكثر المطلوبين” القراصنة مع صور كُتِبَ عليها “مطلوب من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي”.

إلا أنها تُعَدُّ مقامرة قانونية ودبلوماسية سواء ما إذا كان هذا النهج من المرجح أن يوقف تلك الهجمات – التي كشف تقرير أمريكي سري نُشِر العام الماضي بأن الهجمات استهدفت أكثر من 3000 من الشركات الأمريكية – أم لا.

وتوضح لائحة الاتهام أنه في حين أن البلدان الكبيرة تتجسس بشكل روتيني على بعضها البعض لأغراض الأمن القومي، فإنه من غير المقبول استخدام أجهزة الاستخبارات التي تديرها الدولة للحصول على ميزة تجارية، وصرح المدعي العام إريك هولدر بأنه “عندما تستخدم دولة أجنبية موارد وأدوات عسكرية أو استخباراتية ضد مسؤول تنفيذي أو شركة أمريكية للحصول على أسرار تجارية أو معلومات تجارية حساسة لصالح شركاتها المملوكة للدولة، يجب أن نقول كفى تعني كفى”.

لكن الصينيين، مع شركاتهم العملاقة المملوكة للدولة، التي تدار العديد منها من طرف جيش التحرير الشعبي الصيني، صرحوا مرارًا بأن الأمن الاقتصادي والأمن القومي سيان، وأنهم استخدموا ما أفصح عنه السيد سنودن حول وكالة الأمن القومي لإظهار نفاق الولايات المتحدة لأنها أيضًا تشن هجمات على الشركات الصينية، وقد وصفت إحدى الوثائق التي كشف عنها السيد سنودن تفاصيل الهجوم على شركة الاتصالات الصينية العملاقة هواوي، على الرغم من أنه يبدو أن الهدف من ذلك الاختراق هو مراقبة شبكات البلدان التي تشتري المعدات الصينية الصنع.

بعد ساعات من المؤتمر الصحفي الذي عقده السيد هولدر في واشنطن، نددت الصين بلائحة الاتهام، قائلة إنها: “تستند إلى حقائق ملفقة، وأنها تنتهك بشكل صارخ المعايير الأساسية التي تحكم العلاقات الدولية وتهدد التعاون بين الصين والولايات المتحدة”.

وفيما اعتبرته الصين ليس سوى الخطوة الأولى في ردها على تحرك إدارة أوباما، قامت بوقف التعامل مع مجموعة مشتركة بين الولايات المتحدة والصين لصد هجمات إلكترونية التي صرحت إدارة أوباما بأنها دليل على أن البلدين كانا يحاولان حل خلافاتهم.

تركز قضية الحكومة على الصناعات، مثل الصلب والطاقة الشمسية؛ حيث كانت التوترات التجارية تتصاعد في السنوات الأخيرة. وأدى ارتفاع صادرات الصلب والطاقة الشمسية من الصين إلى إثارة مخاوف الشركات والمسؤولين الأمريكيين من أن بكين تدعم بشكل غير عادل لاعبيها المحليين، كما وصفت لائحة الاتهام كيفية اختراق الحكومة الصينية نظم اتحاد عمال الصلب، مما أوقع ضغطًا كبيرًا على المسؤولين الأمريكيين للقضاء على الممارسات التجارية الصينية التي تؤذي العمال الأمريكيين.

وصرح مدير مكتب التحقيقات الفيدرالي جيمس ب. كومي – في مقابلة – أن السلطات الاتحادية، التي قدمت لائحة الاتهام التي شملت 31 تهمة في بيتسبرغ، لم تفعل ذلك بغرض الدعاية.

وأضاف السيد كومي: “إذا كنا قد لفقنا كل هذا، ثم نأتي الى بيتسبرغ ونجلب الحرج لأنفسنا بكشف القضية أو الصمت فسوف نكشفها”، في إشارة إلى حقيقة أن الأهداف التي وردت في لائحة الاتهام كانت معظمها في غرب ولاية بنسلفانيا، وتابع: “إنني أرحب بقدومهم والتمتع بحماية نظام العدالة الجنائية الخاص بنا حيث سيكون لديهم محامين، وسيكون من اللازم إثبات التهم بما لا يدع مجالاً للشك، ولن يدانوا إلا بموافقة هيئة المحلفين مكونة من 12 شخصًا”.

في قضية منفصلة، أعلنت النيابة العامة أيضًا اعتقال 90 شخصًا على خلفية استخدامهم لبرنامج يسمى Blackshades، الذي يسمح للقراصنة بالتحكم بأجهزة الكمبيوتر عن بعد، وصرح السيد كومي أن القضايا أظهرت أن الحكومة الاتحادية ستسعى لصد جرائم الإنترنت، بغض النظر عما إذا كان مرتكبوها جماعات أو دول.

وقال جيمس لويس، وهو خبير في أمن المعلومات في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، إن “الصين سوف تميل إلى الانتقام” من إجراءات يوم الإثنين، وأضاف أن الصينيين يمكنهم معاقبة الشركات الأمريكية العاملة في الصين أو تسعى لإعلان اتهامات مضادة ضد مسؤولين أمريكيين استنادًا إلى تسريبات سنودن، ولكن من غير الواضح أن حربًا تجارية أوسع قد تفيد أيًّا من البلدين.

كان من الواضح أن لائحة الاتهام تتعلق بشكل حصري تقريبًا بالوحدة 61398 – المعروفة أيضًا باسم كومنت كرو – ولكنها لم تورد تفاصيل القضايا المرفوعة ضد ما يقرب من 20 من مجموعات القرصنة الصينية الأخرى، التي يرتبط بعضها بالجيش، والتي تتعقبها الولايات المتحدة بانتظام، وقد أوضح ذلك أن إدارة أوباما ربما تحتفظ بقضايا أخرى كورقة ضغط احتياطية في حالة رد الصينيون.

كما لم تتطرق لائحة الاتهام أيضًا إلى الهجمات الصينية التي تستهدف وزارة الدفاع أو المتعاقدين الرئيسيين مع الوزارة، ربما لأن الإدارة الأمريكية لم ترغب في كشف الصينيين عن الهجمات الأمريكية على أهداف مماثلة في بكين وشنغهاي وهونغ كونغ.

ويقول مسؤولون أمنيون إن لائحة الاتهام التي كُشِفَ عنها يوم الإثنين يجري العمل عليها منذ عامين، ويشيرون إلى أن التحدي الرئيسي يتمثل في إقناع الشركات المستهدفة بأخذ زمام المبادرة، فالعديد من تلك الشركات تخشى من حدوث خسائر في عائداتها بسبب عملياتها في الصين أو بسبب انتقام الصين.

وقال السيد لويس: “لقد تعيّن عليهم جمع أدلة قوية حقًّا تؤكد أن هذه الشركات تعرضت للاختراق ومن ثم إقناع الشركات بكشف ما حدث للرأي العام، على الرغم من خوفهم من الانتقام”، وأوضح أن لائحة الاتهام لا تتعلق بما سوف تفعله الولايات المتحدة مع هؤلاء المخترقين، ولكن كيف ستتصرف الصين حيالهم، وأضاف أن “المقصود من لائحة الاتهام هو إرسال رسالة عامة واضحة إلى الصين أن عليهم اتخاذ إجراءات، وأن عليهم وضع كيانات جيش التحرير الشعبي الصيني تحت السيطرة”.

عرض التعليقات
تحميل المزيد