تلجأ التجمعات البشرية إلى مجموعة قواعد أساسية تحكم العلاقة بين أفرادها. الحاجة هي التي دفعت إلى ذلك، وتطوّر أنماط العلاقات بين الأفراد فالتجمعات البشرية. مع نشأة الدول والممالك كان لا بد من صياغة هذه القواعد بشكل أكثر تحديدًا لتنظيم الحقوق والواجبات، بحسب ما كان متعارفًا عليه وفقًا لكل حقبة زمنية.

بمرور الوقت، ومع تطوّر شكل الدولة، ودخولنا عصر الدولة القومية الحديثة، بدأت تظهر الحاجة إلى صياغة قوانين كليّة مؤسسة تدير مجتمع الدولة، وكذلك أنظمة إدارتها، وقد عُرفت الوثيقة الشاملة على قوانين من هذا النوع، باسم الدستور. من بين تلك الدساتير، وأقدمها من حيث العمل إلى الآن دون انقطاع، هو دستور الولايات المتحدة الأمريكية، الذي شهدت إرهاصات نشأته جملة من الأحداث المتشابكة المبنية في أغلبها على توترات وقلاقل خاصة بنشأة تلك الدولة الحديثة نسبيًّا.

في البداية وقبل العرض لتلك الإرهاصات، ولمزيد من التفصيل عن الدستور الأمريكي، دعونا نلقي نظرة سريعة على نشأة الدساتير في العالم الحديث، والدوافع وراءها.

ما هي الدساتير ولماذا احتاج العالم إليها؟

بداية الدستور كما ذكرنا، هو مجموعة من القواعد الأساسية الحاكمة لمجتمع الدولة، وأنظمة إداراتها، فهو المنوط به تحديد السلطات داخل الدولة، وأيضًا تنظيم الواجبات والحقوق لأفراد مجتمعها بفئاتهم. وفيما يخص الأصل اللغوي للكلمة، فراجع إلى الفارسية، حيث تعني كلمة دستور “القانون الأساسي”، متطوّرة من معنى سابق لها في الفارسية أيضًا، حيث كانت الكلمة مكوّنة من مقطعين: “دَست” و”وَر” والأولى تعني “الأمر” والثانية تعني “صاحب”، ومجتمعة تشير إلى “صاحب الأمر”، ومن ذلك كان استخدام العثمانيين للكلمة بهذا اللفظ (دَستور) للإعلام بوصول السلطان صاحب الأمر. ومن العثمانيين وصلت الكلمة إلى العرب، لتشير لاحقًا إلى النظام الأساسي.

استخدم العثمانيون لفظة “دَستور” للإشارة إلى السلطان باعتباره “صاحب الأمر”

انهيار الحكم الملكي المُطلق بعد الثورات الأوروبية، وسيطرة البرجوازية على السلطة، إلى جانب ظهور فكرة القومية وانحسار الاستعمار؛ تلك كانت الأسباب والدوافع الرئيسية في دسترة أنظمة الحكم. – سعيد بوشعير

بناءً على ما سبق نستوعب لماذا بدأت نشأة الدساتير بالصيغة الحديثة، عند الجزء الغربي من العالم، تحديدًا في الولايات الأمريكية، حيث ظهرت وثيقة دستور ولاية فيرجينيا في يونيو 1776، ومنها استخدمت بعض المبادئ في صياغة الدستور الأمريكي، وقبله إعلان الاستقلال. كذلك شهدت مدن وولايات أمريكية خلال القرن الثامن عشر، ظهور عدّة دساتير تنظم مجتمع الولاية وسلطاتها، وبعد ذلك صدرت دساتير في دول أوروبية، قبل أن يسود الأمر العالم، بدءًا من منتصف القرن التاسع عشر.

أصبحت الدساتير المكتوبة من خصائص الدولة الحديثة، نتيجة لرواج الأفكار الديموقراطية، والحركات السياسية التي نادت بمبدأ السيادة الشعبية، وبلورة فكرة العقد الاجتماعي، ومبدأ الفصل بين السلطات. – فوزي أوصديق

ثورة الشاي: ضد الضرائب ونحو الاستقلال

بالإجمال، يمكن تلخيص دوافع كتابة دستور للولايات المتحدة الأمريكية، في كلمة “الاستقلال”. إذ كانت الإرهاصات القريبة لكتابة الدستور الأمريكي، متعلقة في جملتها بالثورة الأمريكية ثم حرب الاستقلال عن الإمبراطورية البريطانية، التي توسّعت في فرض الضرائب على سكّان مستعمراتها في أمريكا، مع فرض قوانين تجارية رأها الأمريكيون جائرة بحقهم.

لا ضرائب بدون تمثيل

العبارة السابقة كانت الشعار الذي التف حوله الأمريكيون في انتفاضتهم على الحكام البريطانيين، بعد جملة من القوانين التجارية التي فرضتها إنجلترا على مستعمراتها بما فيها الولايات الأمريكية في سبيل تحقيق انتعاشة اقتصادية لها (أي بريطانيا) بعد حربها الطويلة مع فرنسا والتي كبدتها خسائر اقتصادية فادحة، ومن ذلك أيضًا توسعها في فرض الضرائب على كل السلع تقريبًا، ما أدّى إلى بزوغ تحركات أمريكية احتجاجية على تلك القوانين والضرائب. الاحتجاجات اجتاحت بسرعة الولايات الأمريكية، وتحوّلت في بعض حالاتها إلى اشتباكات عنيفة، كان من أبرزها اشتباكات “حفلة الشاي“.

ألقى المحتجون شحن الشاي في مياه البحر احتجاجًا على فرض ضرائب جديدة

وانطلق الأمريكيون، أو سكان المستعمرات البريطانية في أمريكا الشمالية، في ثورتهم من شعار “لا ضرائب بدون تمثيل” احتجاجًا على دفعهم لضرائب جديدة دون أن يكون لهم تمثيل في البرلمان البريطاني. لاحقًا استخدم هذا الشعار، كواحد من أهمّ المبادئ المؤسسة للدستور الأمريكي، بل للنظم الضريبية حول العالم.

المقصود بالتمثيل هنا، هو المشاركة السياسية في سلطة اتخاذ القرارات المتعلقة بإدارة شؤون الدولة والمجتمع، إذ من غير المعقول أن يساهم المواطن في دعم ميزانية الدولة، دون أن يكون له دور في إدارتها وتوجيهها كي تلبي احتياجاته. – بدر الديحاني

على أثر الاحتجاجات، اندلعت ما عرفت بحرب الاستقلال، بداية من عام 1775، والتي أخذت منحى رسمي عندما وقّع ممثلون عن الولايات الأمريكية وثيقة إعلان الاستقلال في 1776، لتدوم الحرب نحو 8 سنوات، انتهت بانتصار الولايات الأمريكية على القوات البريطانية، ثمّ توقيع اتفاقية باريس عام 1783، والتي اعترفت بريطانيا بموجبها، باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية.

بداية من هذه المرحلة برزت الحاجة إلى تنظيم أمور الدولة المستقلة الناشئة، والتي كانت حتى تلك اللحظة مكوّنة من 13 ولايةً هي الموقعة على معاهدة باريس.

إعلان الاستقلال: السعي وراء السعادة!

ثمّة مواقف مفصلية في مراحل الثورة الأمريكية وحرب الاستقلال، تلك المواقف مجتمعة لها أثرها الواضح في الدستور الأمريكي، الذي يمكن اعتباره خلاصة نضالات شعب مستعمرات أمريكا الشمالية، وما نجم عنها من أفكار ومبادئ حاكمة تطوّرت وتجذّرت في المجتمع الأمريكي المتنوّع والمتعدد.

بداية من عام 1772 بدأت تتشكل في مدن المستعمرات الأمريكية ما عرف باللجان الوطنية، والتي هدفت إلى توحيد جهود سكان المستعمرات ضد بريطانيا وممثليها العسكريين. الفكرة كانت من بنات أفكار أحد أهم السياسيين والمفكريين في تاريخ أمريكا، وهو صامويل آدمز. تلك اللجان كانت أيضًا بمثابة نواة جيش الاستقلال الأمريكي الذي خاض معركة الاستقلال ضد القوات البريطانية، ومنها أيضًا، خرج ممثلو الولايات الأمريكية، التي شكّلت مجتمعة ما عُرف بالكونجرس القارّي عام 1774، والذي كان بدوره نواة تشكيل الكونجرس الأمريكي لاحقًا، كما أنّه لعب الدّور الأساسي في رحلة استقلال وتأسيس الولايات المتحدة الأمريكية.

أولى الوثائق التي أصدرها الكونجرس القاري، أو مجلس الشيوخ القاري، كانت “إعلان الحقوق” المناهض للقوانين البريطانية، وخلال تلك الفترة لم تكن فكرة الاستقلال متبلورة لدى ممثلي الولايات الأمريكية، أو بعضهم على الأقل، حتى اندلعت نيران حرب الاستقلال، ليُصدر الكونجرس القاري إعلان الاستقلال  (يوليو 1776) الذي عُدّ وثيقة دستورية أولى للولايات المتحدة الأمريكية، وأوّل وثيقة دستورية حديثة نصّت على جملة من الحقوق الإنسانية، وحقوق المواطنة.

نؤمن بأنّ هذه الحقائق بديهية، وهي: أن جميع البشر خُلقوا متساويين، وأن خالقهم حباهم بحقوق غير قابلة للتصرّف، وأنّ من بين هذه الحقوق؛ حقّ الحياة والحرية والسعي وراء السعادة. – من نص إعلان الاستقلال

نسخة مخطوطة من وثيقة إعلان الاستقلال

كَتَبَ إعلان الاستقلال بشكل رئيسي، توماس جيفرسون، أحد الآباء المؤسسين، والذي كان ممثلًا عن ولاية فيرجينيا في الكونجرس القارّي. ويُشار هنا إلى أنّ إعلان الاستقلال استفاد من وثيقة دستور فيرجينيا، حتّى أن العبارات التي سبق ذكرها إليها من نصّ الإعلان، مقتبسة من مثلها في دستور فيرجينيا الموضوع قبل إعلان الاستقلال بنحو شهر واحد.

وبالإضافة إلى انشغاله بالسياسة، وتبوّئه عدّة مناصب في الدولة الحديثة، وصولًا إلى رئيسها، كان جيفرسون مهتمًا أيضًا بالعلوم والفلسفة، إذ كان عضوًا ثم رئيسًا للجمعية الفلسفية الأمريكية، وهو مؤسس جامعة فيرجينيا. توماس جيفيرسون – كمثال للآباء المؤسسين، ولم يكن الوحيد بينهم المهتم بالعلوم والفلسفة- يكشف السر وراء تبلور أفكار ومبادئ متعلقة بالحقوق الإنسانية الأساسية، في الولايات المتحدة الأمريكية في هذا الوقت المبكّر، وأيضًا يكشف لماذا كانت وثيقة إعلان استقلال الولايات المتحدة بمثابة مرجع للوثائق الحقوقية على مستوى العالم لاحقًا. وبالجملة، فإن العديد من الباحثين ذهبوا إلى تأثّر إعلان الاستقلال ثمّ الدستور الأمريكي، بأفكار فلاسفة كبار، كجان جاك روسّو، وجون لوك، الذي اقتبس منه إعلان الاستقلال إقرار “حقّ الثورة”، التي أوردها ضمن نظريته عن العقد الاجتماعي.

أوّل دستور لأوّل ديموقراطية في العصر الحديث

بعد إصدار إعلان الاستقلال بأيّام، شكلّ الكونجرس لجنة لإعداد الدستور، مكوّنة من 13 شخصًا منتخبين من الكونجرس. توصلت اللجنة إلى وضع “وثيقة الاتحاد الكونفدرالي” التي تمّ العمل بموجبها بداية من عام 1778. وانطلق الكونجرس منها لتنفيذ مهامه كحكومة وطنية كونفدرالية بصلاحيات محدودة نسبيًّا، باءت بالفشل في النهاية، بخاصة بعد الاستقلال الرسمي عن بريطانيا، وتراكم الديون على الولايات الأمريكية، ومن ثمّ إعلان الكونجرس إفلاس الولايات.

كانت المشكلة الأساسية، والتي لم تعالجها وثيقة الاتحاد الكونفدرالي، هي النقود، إذ لم تُحصّل الحكومة الوطنية مستحقاتها من الضرائب عن كل ولاية، ولم يستطع ممثلو الولايات في الكونجرس، وحكوماتها إجبار السكّان على دفع الضرائب، حتى أن بعض الاشتباكات بين السكان وقوات الأمن، اندلعت في خضم محاولات جباية الضرائب. من هنا، قرر الكونجرس الاجتماع، بقيادة جورج واشنطن، في فبراير 1787 لوضع دستور جديد شامل للبلاد.

وعلى مدار أشهر، جرت المناقشات والمداولات التي وصفت أحيانًا بالعنيفة، بين أعضاء الكونجرس للوصول إلى الصيغة النهائية للدستور الأمريكي. هذا، وقد تمّ الاستفادة كثيرًا من التجارب شبه الدستورية السابقة، مثل إعلان الاستقلال، ودستور فيرجينيا، ودساتير الولايات المختلفة. وفي سبتمبر 1787 تم إقرار دستور الولايات المتحدة الأمريكية الدائم، وبعد عام بالتمام، دخل الدستور حيّز التنفيذ.

نحن شعب الولايات المتحدة، رغبةً منّا في إنشاء اتحاد أكثر كمالًا، وفي إقامة العدالة، وضمان الاستقرار الداخلي، وتوفير سبل الدفاع المشترك، وتعزيز الخير العام، وتأمين نِعَم الحريّة لنا ولأجيالنا القادمة؛ نرسم ونضع هذا الدستور للولايات المتحدة الأمريكية. – مقدمة الدستور الأمريكي

الدستور الأمريكي.. وثيقة صغيرة جامدة ودائمة!

الدستور الأمريكي وثيقة صغيرة، إذ يتكون من 7 مواد فقط، لكنه في المقابل، دستور جامد، بحيث لا يمكن تعديل مادة من مواده السبعة، أو فقرة من فقرات مواده، بقانون عادي، إذ يلزم في حال إجراء تعديل، أن يقدم المقترح من ثلثي أعضاء الكونجرس، ثمّ يتم الموافقة عليه من ثلاثة أرباع الولايات الأمريكية، بدون ذلك لا يُقبل بمقترح التعديل.

هذا، وقد تمّ اقتراح أوّل تعديل في الدستور، عام 1789، وأُقرّ عام 1791. وكان التعديل خاصًا بالحقوق والحريات الفردية، التي أغفلها الآباء المؤسسون في النسخة الأولى من الدستور قبل هذا التعديل، وبعد دخول الدستور حيّز التنفيذ، واجه انتقادات غاضبة، أهدأ من روعها، وعد من الحكومة الفيدرالية بإجراء تعديلات قريبة، تُضاف بموجبها فقرات تضمن الحقوق الفردية لمواطن الولايات المتحدة الأمريكية، وقد كان بالفعل، فيما عُرف بـ”وثيقة الحقوق“، والتي حفظت حرية الممارسة الدينية، والرأي والتعبير والاحتجاج، والتنظيم العمّالي، وغير ذلك.

وعلى مر أكثر من 200 عام، شهد الدستور الأمريكي 27 تعديلًا، كثيرٌ منّها قُدّمت كمقترحات، ولم تُقر إلا بعدها بزمن طويل، ومن أبرزها وأكثرها إثارة للجدل، إذ دارت حولها الصراعات على مر عهود الدولة الأمريكية، كان التعديل الخامس عشر، والذي قُدّم كمقترح في 1869، ولم يوافق عليه ويتم إقراره إلا بعد مرور أكثر من مئة عام (1970)، وهو تعديل خاص بمنح الأمريكيين من أصول إفريقية حقّ الانتخاب!

صورة تُبرز الاحتفالات بمقترح التعديل الخاص بمنح الأمريكيين من أصول إفريقية حقّ الانتخاب

هذا، ويُشار إلى أن الدستور الأمريكي، ومن قبله إعلان الاستقلال، كانتا مرجعين أساسيين في وقتهما، وبعد ذلك، لدساتير العالم، حتى أن وثيقة الحقوق، أو التعديلات العشرة الأولى على الدستور، استخدمت كمرجع في كتابة مواثيق حقوق الإنسان العالمية، فضلًا عن التأثر الكبير بعدد من الآباء المؤسسين، وحراكهم على مدار سنوات نحو استقلال الولايات الأمريكية، وكذا أفكارهم الخاصة بنظام الحكم، تنظيم العلاقة بين المؤسسات الحاكمة وبين المواطنين. ومما يشار إليه كتدليل على هذا القول، أن توماس جيفرسون (كاتب إعلان الاستقلال) ساهم في وضع تعديلات على الإعلان الفرنسي الشهير لحقوق الإنسان والمواطن، وهو الإعلان الذي اعتمد عليه بشكل رئيسي في صياغة ميثاق الأمم المتحدة لحقوق الإنسان.

يُمثّل دستور الولايات المتحدة، أهم الصادرات الأمريكية. لقد شعر العالم بتأثيره منذ أوّل نشأته. – ألبيرت بي بلوستيان

عرض التعليقات
تحميل المزيد