بدأ مؤخرًا الحديث بكثرة من السياسيين ومذيعي البرامج والمعلقين الأمريكيين عن التغاضي عن فكرة الديمقراطية، لأن الولايات المتحدة الأمريكية جمهورية، ولكن هناك بعض الأسئلة التي يطرحها دعاة الديمقراطية، فمثلًا، ما هي الجمهورية؟ وما هي الديمقراطية؟ هل الولايات المتحدة جمهورية مجردة، أم ديمقراطية الأصل؟

الجمهوريون وآخرون من معارضي الديمقراطية يشيرون إلى دستور الولايات المتحدة وإلى التاريخ، مشيرين إلى أن الآباء المؤسسين الذين كتبوا الدستور أعطوا الولايات المتحدة صفة الجمهورية، لأنهم آمنوا بخطورة الديمقراطية وعدم جدواها.

إنهم محقون في هذه النقطة جزئيًا، ولكنهم تناسوا أن الديمقراطية والجمهورية متداخلتان، وليستا متضادتين.

وتغاضوا عن أخذ تاريخ الحكومة الأمريكية منذ عام 1788 في الاعتبار، حيث قلت المناقشات حول أمريكا ما قبل 1788 عندما كانت النصوص الكونفدرالية بديلًا عن الدستور.

أشكال الديمقراطية

الديمقراطية تعني حكم الشعب.

أشهر شكلين للديمقراطية هما “الديمقراطية المباشرة” و”الديمقراطية الممثلة”.

في “الديمقراطية المباشرة” يأخذ الجميع الدور في اتخاذ القرار، كما يحدث في الاستفتاءات، باختلاف الأشكال المنظمة للعملية الديمقراطية، فربما يجب أن يوافق الجميع، أو يجب أن يكون هناك إجماع، أو بوجود أغلبية مجردة يتم اتخاذ القرار.

أما عن “الديمقراطية الممثلة”، فيقوم الناس بانتخاب ممثليهم لاتخاذ القرارات أو لسن القوانين، وتوجد أيضًا قوانين متباينة منظمة للعملية.

المفاجأة أن “الديمقراطية الممثلة” هي نوع من أنواع الجمهورية، ما يميز الجمهورية هو وجود الحكومة المنتخبة، الحكومة التي تنصب نفسها، مثل الملكية والدكتاتورية والمجالس العسكرية والأوليغارشية (حكم الأقلية) والثيوقراطية (الحكومة الدينية)، لا تُعد جمهوريات.

النموذج القديم للجمهورية هو نموذج الجمهورية الرومانية، حيث أعطي حق التصويت لنسبة قليلة من السكان (طبقة النبلاء) لانتخاب مجلس الشيوخ الذي يضع القوانين.

يعتقد أغلب الناس أن روما جمهورية وليست ديمقراطية وقاربت أن تكون أوليغارشية تُحكم بالأقلية.

وبالرغم من أن روما لم تكن ديكتاتورية (حتى حكمها يوليوس قيصر) إلا أنها لم تسمح بحكم الشعب.

ومن حيث الواقع العملي والنظري، فإن الاتحاد السوفيتي كان جمهورية (جمهورية الاتحاد الاشتراكي السوفيتي) لأن واضعي القوانين كانوا مُنتخبين، بالرغم من أنهم انتخبوا من أعضاء الحزب الشيوعي فقط.

أصبحت الولايات المتحدة جمهورية منذ اعتماد الدستور، وكان الاتجاه في القرنين الماضيين لجعلها “ديمقراطية ممثلة”، أو كما يسمونها “جمهورية ديمقراطية”، بينما في الواقع كانت كتابة الدستور بمثابة حركة مضادة للديمقراطية، في ولايات مثل “بنسلفانيا” و”جزيرة رود” و”ماساتشوستس”، كان الوضع يتجه إلى الديمقراطية، فمنذ الثورة الأمريكية والطبقة الأرستقراطية ترفض مشاركة السلطة مع المواطنين العاديين.

الثورة الأمريكية

كانت هناك أسباب عدة لاندلاع الثورة الأمريكية، أما بالنسبة للطبقة الأرستقراطية فكانت هناك ثلاثة أهداف رئيسية.

فقد سعوا للحكم الذاتي حيث سعوا لحكم المستعمرات بنفسهم، وذلك لخدمة مصالحهم الشخصية.

كما سعوا لحماية منظومة العبودية والتي عرضت للخطر بسبب حركة اللورد “مانسفيلد” ضدها في محاكمة شهيرة عام 1772 تسمى بقضية “سومرست”.

ووسطاء الأراضي مثل “جورج واشنطن” الذي سعى لمصادرة المزيد من الأراضي الأمريكية التي يملكها السكان الأصليون من الهنود، والتي منعها البريطانيون.

ولكن كي تنتصر الثورة الأمريكية، كان يجب أن تهزم الطبقة الأرستقراطية.

كان خطابهم عن الحرية والمساواة سببًا للانتشار الموسع للمطالبة بحق التصويت: “الاقتراع العام”، أو يمكننا القول أن الناس بدأوا في المطالبة بالديمقراطية.

حتى أن العبيد، السود منهم والبيض، طالبوا بحريتهم وحقهم في التصويت.

بعد هزيمة البريطانيين، ظهرت حكومة محلية مركزية، والتي أدارها “جورج واشنطن” ورفاقه، لم يكن الهدف من تلك الحكومة بسط الحرية وحق التصويت، ولكنها كانت طريقة لإبقاء السيطرة في أيدي الأغنياء، فكتبوا في دستور الولايات المتحدة العديد من النصوص ضد الديمقراطية، تم تشريع العبودية، مجلس الشيوخ لن يتم انتخابه من الناس، ولكن سيتم تعيينه من قبل المجلس التشريعي للولاية، ولن يتم انتخاب الرئيس من المنتخبين، ولكن سيتم انتخابه بواسطة مجموعة انتخابية، المحكمة العليا تُعين، فقط مجلس النواب سوف يتم بالانتخاب المباشر.

والنقطة الأهم في نقاشنا حول الديمقراطية والجمهورية هو ترك دستور الولايات المتحدة الحق لكل ولاية في تحديد من له حق التصويت، فقررت أغلب الولايات أن يكون حق التصويت للرجل الأبيض الذي يمتلك حجمًا معينًا من الأملاك فقط، وبذلك تكون، في المجمل، أول حكومة فيدرالية عام 1789 هي جمهورية مع القليل من التمثيل الديمقراطي، وهذا تحديدًا سبب قول الباحثين اليوم أن الولايات المتحدة جمهورية وليست ديمقراطية.

ولحسن حظ الديمقراطيين، فإن أول حكومة فيدرالية لم تكن قوية بما فيه الكفاية، ولاية تلو الأخرى، أصبح من الأسهل للرجال البيض الحق في التصويت، وبالتدريج، عقد تلو الآخر، أصبحت جمهورية الولايات المتحدة جمهورية ديمقراطية.


التعديلات الدستورية

وعلى المستوى المحلي، يمكن القول أن الخطوات الأكبر في اتجاه الديمقراطية تمت عن طريق تعديل الدستور.

كانت قائمة الحقوق تضمن وضع قيود لسيطرة الحكومة الفيدرالية، لغى التعديل الثالث عشر العبودية، كما مد التعديل الرابع عشر التصويت ليشمل جميع المواطنين الذكور البالغين وحتى الذين كانوا عبيدًا، وتم فرض عقوبات على الولايات التي منعت تصويت هؤلاء، وأعطى التعديل الخامس عشر حق التصويت لمن كانوا عبيدًا، وبعد أن حددت المحكمة العليا في التعديل الرابع عشر والخامس عشر أن التصويت يقتصر على الرجال دون النساء، قامت حملة قوية من النساء للمطالبة بالحق في التصويت، وحصلن على ذلك الحق في التعديل التاسع عشر عام 1920.

أما عن التعديل الذي قلب الموازين لتتحول الولايات المتحدة من جمهورية لتصبح جمهورية ديمقراطية، كان هو التعديل السابع عشر، والذي أصدر عام 1913، ومنذ عام 1913 أصبح التصويت على مجلس الشيوخ تصويتًا مباشرًا من الناخبين بدلًا من التعيين من قبل المجلس التشريعي، مما يجعل الحكومة ديمقراطية القوام بجانب كونها جمهورية.

سيظل هناك في كل المجتمعات دائمًا من هم ضد الديمقراطية.

وتعد أكثر سمة غير ديمقراطية بشكل صارخ في حكومة الولايات المتحدة في القرن العشرين هي عدم الدستورية والحرمان الممنهج للمواطنين الأفارقة الأمريكان وغير البيض، وتم القضاء على هذه المشكلة في عام 1950 وعام 1960 بمجموعة من قرارات المحكمة العليا ضد قوانين الفصل العنصري، وتمرير قوانين الحقوق المدنية، وتمرير التعديل الرابع والعشرين بمنع ضرائب الانتخابات، حتى أنه تم خفض عمر التصويت ليصبح 18 عامًا في التعديل السادس والعشرين عام 1971.

لم يعد هناك أية عوائق ديمقراطية على المصوتين في الولايات المتحدة، ولكن الجميع قد أدركوا أن رغبة الشعب لم تعد هي السائدة، وأغلبية الناس الذين لهم حق التصويت لم يعودوا متحمسين حتى أنهم لا يذهبون للانتخابات، والسبب وراء ذلك يعود إلى أن السياسيين والمرشحين أصبحوا يتاجرون بالطبقات الأكثر ثراءً ويعملون على جذب انتباههم وإرضائهم.

يتم تحديد الفائز قبل الانتخابات بعام أو أكثر عن طريق هؤلاء الذين يصوتون بالأموال، تعتبر هذه نقطة ضعف في الديمقراطية، ولكنها ليست سببًا للتخلي عنها.

الحل هو معالجة الخطأ وليس هدم النظام الممثل ديمقراطيًا بالكامل.

عرض التعليقات
تحميل المزيد