يتفاوت الـتأثير الأمريكي عل القرار المصري في الأحداث الهامة بين هو معلن وما هو غير معلن، ومُنذ انطلاق ثورة 25 يناير 2011، برز الدور الأمريكي للتأثير على القرار السياسي المصري في لحظات مصيرية خلال 5 أعوام من قيام الثورة وهو ما سنسلط عليه الضوء في هذا التقرير

يتفاوت الـتأثير الأمريكي على القرار المصري في الأحداث الهامة، بين ما هو معلن وما هو غير معلن، ومُنذ انطلاق ثورة 25 يناير 2011، برز الدور الأمريكي في التأثير على القرار السياسي المصري في لحظات مصيرية خلال 5 أعوام من عمر الثورة .

(1) أمريكا وخطاب مبارك العاطفي

“وأقول بكل صدق وبغض النظر عن الأحداث الراهن أني لم أكن أنتوي الترشح لفترة رئاسية جديدة”

كلمات قالها الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك – في 1 فبراير – في خطابه الشهير، ولم تكن تلك الكلمات بمنأى عن التوجيه الأمريكي وفق ما تكشف لاحقا، ففي 31 يناير 2011 بعث الرئيس الأمريكي باراك أوباما السفير الأمريكي بالقاهرة آنذاك فرانك وزنر ، لتوجيه مبارك بأن يعلن عدم نيته للترشح لفترة رئاسية جديدة، وعن استعداده لإحداث انتقال سلمي للسلطة وفقا لما أوردته صحيفة واشنطن بوست.

ولكن يبدو أن إعلان مبارك قد بدأ متأخرًا بالنسبة للتظاهرات المتصاعدة في الشوارع والإدارة الأمريكية، بحسب وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك هيلاري كلينتون التي قالت في كتابها “خيارات صعبة” بأن الإدارة الامريكية أصبحت أمام خيار الإعلان عن مطالبة مبارك بالرحيل “الفوري” لمواكبة تحرك المحتجين في الشارع، وهو قرار لم يكن على هوى كلينتون والسفير الأمريكي اللذين أعربا عن قلقهما من تلك الخطوة، وفضلت كلينتون أن يُحدث مبارك تغير تدريجي في السلطة، وحذرت أوباما بألا يطالب بتلك الخطوة؛ لأن القوى المنظمة على الأرض في مصر عقب رحيل مبارك ستتمثل في جماعة الإخوان المسلمين والجيش.

“كان يجب علينا مواصلة الحديث مع مبارك لإحداث تغيير تدريجي في السلطة بدلًا من أن نطالبه بالرحيل عن الحكومة ومصر، بدون وجود استراتيجية لما سيحدث بعد ذلك، نحن كنا في حاجة إلى بناء مسار مسئول للاستقرار وللتطور، لا لثورة”

هكذا أجاب “فرانك وزنر” عندما سئل ماذا لو كان استمر الحديث مع مبارك حول تغير تدريجي للسلطة، موضحًا ميله للتغيير التدريجي عن التغيير بـ”الثورة”.

(2)دور “غير معلن” ولكنه أكثر وضوحًا!

“السفيرة الأمريكية آن باترسون عرضت علينا العدد الذي نريد من الوزارات لقبول محمد البرادعي رئيسًا للوزراء، ولكننا رفضنا”

هكذا يتحدث أشرف ثابت – القيادي بحزب النور – عن الاستعدادت لتشكيل وزارة ما بعد بيان 3 يوليو 2013، وبذلك يظهر الدور الأمريكي في التأثير على المشهد السياسي، وتشكيل ورسم قياداته على لسان قيادي من حزب شارك في بيان 3 يوليو، ودعم خارطة الطريق، وليس من معارضي البيان وهذا يجعل من الدور الأمريكي أكثر وضوحًا وإن لم تكن تلك الواقعة معلنة، وكانت أقرب لحديث “الغرف المغلقة”.

شاهد الفيديو:


وعلى المستوى الرسمي، فقد أعرب الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعد ساعات من بيان 3 يوليو – عن قلقه “العميق لقرار القوات المسلحة المصرية عزل الرئيس مرسي وتعليق الدستور المصري“، وطالب أوباما الجيش بـ”تفادي أي اعتقالات تعسية للرئيس مرسي وأنصاره التحرك بسرعة وبروح المسئولية لإعادة السلطة كاملة إلى حكومة مدنية منتخبة ديمقراطيا في أقرب وقت ممكن، من خلال عملية شاملة وشفافة”.

وفي الفترة التي أعقبت بيان 3 يوليو 2013 وقبل فض اعتصامي معارضي البيان في ميداني رابعة والنهضة، أفردت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تحقيقًا صحفيًا يرصد تلك الفترة والمفاوضات التي تمت فيها، وكشف التحقيق عن مساع غربية وأمريكية للضغط على النظام المصري بإطلاق سراح كل من محمد سعد الكتاتني رئيس البرلمان المصري المنحل ورئيس حزب الحرية والعدالة، والمهندس أبو العلا ماضي”-رئيس حزب الوسط- كجزء من تسوية يعقبها تقليص أعداد المعتصمين في ميداني رابعة والنهضة وإمكانية اجراء حل سياسي بعد ذلك، ولكن أصر النظام المصري على استخدام الحلول الأمنية وأعلن عن نيته فض الاعتصامين بالقوة على أنهما اعتصامين غير سلميين”، وساعده على عدم قبول الضغط الغربي أموال الخليج التي خففت من وطأة العقوبات المحتملة لتجاهل مصر للمطالبات الأمريكية والغربية.

(3) بعد الفض

EGYPT-POLITICS-UNREST

“التعاون مع مصر لا يمكن أن يستمر في الوقت الذي يُقتل فيه مدنيون”

هكذا قال أوباما عقب فض النظام المصري اعتصامي رابعة والنهضة بالقوة مما أسفر عن مقتل المئات من معارضيه، ولكن قرارات أوباما حينها لم تتسق مع الكلمات التي قالها والتي توحي بقطع التعاون مع مصر، إذ اكتفت أمريكا آنذاك بإلغاء مناورات “النجم الساطع” العسكرية المشتركة بين مصر وأمريكا، دون تعليق المساعدات العسكرية السنوية لمصر والتي تبلغ قيمتها 1.3 مليار دولار.

وفي أكتوبر 2013 اتخذت الحكومة الأمريكية قرارات أكثر تشددًا من خلال تعليق واشنطن لمساعدات عسكرية واقتصادية تتمثل في تعليق تسليم مصر مروحيات “أباتشي” ومقاتلات إف 16 إنتاج شركة لوكهيد مارتن، وصواريخ هاربون إنتاج شركة بوينج، ودبابات إبرامز ام1 إيه1 وأطقم دبابات تنتجها شركة جنرال ديناميكس، بالإضافة إلى تعليق 250 مليون دولار ورهنت أمريكا ذلك “التعليق” بحدوث تقدم في الديموقراطية وحقوق الإنسان وباعتباره ليس تعليقًا دائمًا.

ومع ذلك فقد أكدت أمريكا دعمها العسكري للجهود العسكرية المصرية لمكافحة الإرهاب في سيناء، ودعمها في مجالات أخرى كالتعليم والصحة.

(4) عودة المعونات

US-EGYPT-OBAMA

” إن قضية المعونة الأمريكية هي قضية صغييرة جدا”

هكذا أكد وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ولفت محللون إلى ذلك التصريح بإعتبار أن قرار التعطيل المعلن من الإدارة الأمريكية لم يكن له أثر كبير على أرض الواقع، فبعدما توقف تعليق المعونة في أبريل 2015 بعد (18 شهرا) من التعليق وصل لمصر 1.8 مليار دولار ، وهو ما يمثل  92% من حجم المعونة الأمريكية لمصر التي تبلغ 1.3 مليار دولار سنويًا، وعادت مناورات النجم الساطع، و في أغسطس 2015 عادت آخر طائرة إف 16 لمصر لتستأنف أمريكا من حوارها الاستراتيجي مع مصر.

ورأى معارضون لتلك الخطوة من داخل أمريكا أن هذا القرار لم يأتِ لأن “السيسي أبدى بوادر حسن نية وتحسين المعاملة بالداخل المصري”، واستندوا في هذه المعارضة إلى قانون “ليهي” الذي يشترط على الإدارة الأمريكية بألا تقدم برامج عسكرية للتدريب والتسليح مع دول تستغل تلك البرامج بشكل ينتهك حقوق الإنسان. وهو ما يتطلب مراقبة أمريكية لكيفية استخدام مصر للمعونة المصرية، وبالأخص بعدما أفادت وزارة الخارجية الامريكية بأن هناك قتلا “تعسفي أو خارج نطاق القانون نتيجة للعمليات العسكرية بشبه جزيرة سيناء في الوقت الذي رفضت فيه السلطات المصرية طلبات تواجد مسئولين أمريكيين بسيناء -لمراقبة استخدام السلاح – لأسباب أمنية لمدة استمرت لعام”. وقد لفت تقرير لنيويورك تايمز “أن الجيش يريد أن يُبقي على أدلة انتهاج سياسة الأرض المحروق لمحاربة المتشددين مخفية.

(5) مستقبل التأثير الأمريكي على المشهد المصري

يبدو أن المصالح الأمريكية مع مصر كبلد مجاورة لاسرائيل سوف تبقى نافذة التأثير على القرار المصري، وهذا يظهر في البيانات الأمريكية عن الشأن المصري التي تُشيد بإتمام مراحل خارطة الطريق، لافتة في نطاق ضيق إلى توصيات لتحسين أوضاع حقوق الإنسان والحريات في مصر، خاصة بعد عودة المعونات واستئناف الحوار الاستراتيجي.

ويبدو أن مصر أصبحت تُدرك أن سقف العقوبات الأمريكية مُنخفض بشكل ما ويمكن تجاوزه دون تقديم تنازلات كبيرة، وبالأخص بعدما علقت أمريكا بشكل محدود جزء من معوناتها لمصر عقب تصديقها حوادث فض الاعتصامات، وعادت المعونات الأمريكية لمصر دون تحقيق الجانب المصري تطورًا ملموسا في مجال حقوق الإنسان. ومن المتوقع أن يتم تعزيز”التعاون الأمريكي المصري” في مجال محاربة، خاصة مع تزايد نفوذ تنظيم الدولة إقليميًا وداخليًا في سيناء.

عرض التعليقات
تحميل المزيد