لا يبدو أن الإدارة الأمريكية جادة في اتخاذ أي إجراءات عقابية، بما يتسق مع القانون الأمريكي، ضد قمع النظام المصري لمعارضيه، رغم تصاعد الأصوات المطالبة بذلك في الصحف الأمريكية، ومراكز دعم القرار، على اعتبار أن القمع قد يُمهد لـ«الإرهاب»، ويهدد مستقبل الاستقرار.

يعدم الجدية الأمريكية في عدد من الوقائع، من أبرزها فض قوات الأمن المصرية لاعتصامي رابع العدوية والنهضة، وكذا قضية الباحث الإيطالي «جوليو ريجيني». ولكن إذا أظهرت الولايات المتحدة جدية أكثر ضد النظام المصري، فلا يبدو ذلك كفيلًا لإسقاطه أو نذيرًا قويًا لسقوطه؛ لقوة علاقة مصر مع روسيا، الحليف الدولي الأكبر لنظام بشار الأسد.

تعليق «هش» للمعونات الأمريكية عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة

عقب فض قوات الأمن المصرية، اعتصامي رابعة العدوية والنهضة، في 14 أغسطس (آب) 2013، ومقتل أكثر من ألف شخص في يومٍ واحد، بحسب منظمة العفو الدولية، التي وصفت عملية الفض بـ«أسوأ واقعة قتل جماعي في التاريخ الحديث»؛ قال الرئيس الأمريكي باراك أوباما إن «التعاون مع مصر، لا يمكن أن يستمر في الوقت الذي يُقتل فيه مدنيون».

ولكن قرارات أوباما حينها، لم تتسق مع الكلمات التي قالها، والتي توحي بقطع التعاون مع مصر: إذ اكتفت الولايات المتحدة آنذاك، بإلغاء مناورات «النجم الساطع» العسكرية المشتركة مع مصر، دون تعليق المساعدات العسكرية السنوية لمصر والتي تبلغ قيمتها 1.3 مليار دولار.
وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2013، اتخذت الحكومة الأمريكية قرارات أكثر تشددًا، من خلال تعليق واشنطن لمساعدات عسكرية واقتصادية، تتمثل في تعليق تسليم مصر مروحيات «أباتشي» ومقاتلات «إف 16»، إنتاج شركة «لوكهيد مارتن»، وصواريخ «هاربون»، إنتاج شركة «بوينج»، ودبابات «إبرامز إم1 إيه1»، وأطقم دبابات تنتجها شركة «جنرال ديناميكس».

بالإضافة إلى تعليق 250 مليون دولار. ورهنت أمريكا ذلك «التعليق» بحدوث تقدم في الديمقراطية وحقوق الإنسان، واعتباره ليس تعليقًا دائمًا، مع استمرار الدعم  العسكري الأمريكي للجهود العسكرية المصرية لمكافحة الإرهاب في سيناء، ودعمها في مجالات أخرى: كالتعليم والصحة.
«إن قضية المعونة الأمريكية هي قضية صغيرة جدًا»، هكذا صرح وزير الخارجية الأمريكي في وقت سابق، وهو ما لفت إليه «شادي حميد»،الباحث في العلاقات الأمريكية بالعالم الإسلامي والشرق الأوسط، في دراسة له، أجراها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لمركز «بروكينجز» للدراسات والأبحاث، جاءت بعنوان «إعادة تفكير  في العلاقات الثنائية بين مصر وأمريكا: كيف يهدد القمع الاستقرار المصري وما تستطيع أمريكا فعله».

 

واعتبر الباحث، أن قرار التعطيل المعلن من الإدارة الأمريكية، لم يكن له أثر كبير على أرض الواقع، كاشفًا أنه بعد توقف تعليق المعونة في أبريل  (نيسان) 2015، بعد 18 شهرًامن التعليق، وصل لمصر 1.8 مليار دولار ، وهو ما يمثل  92% من حجم المعونة الأمريكية لمصر التي تبلغ 1.3 مليار دولار سنويًا، وعادت مناورات النجم الساطع، و في أغسطس (آب) 2015 عادت آخر طائرة إف 16 لمصر لتستأنف أمريكا من حوارها الاستراتيجي مع مصر.

القمع والعنف المضاد يضربان استقرار مصر في غياب «ليهي»

رأى الباحث، أن هذا القرار لم يأتِ لأن «السيسي أبدى بوادر حسن نية وتحسين المعاملة بالداخل المصري»، مشيرًا إلى قانون «ليهي»، الذي يشترط على الإدارة الأمريكية، بألا تقدم برامج عسكرية للتدريب والتسليح مع دول تستغل تلك البرامج بشكل ينتهك حقوق الإنسان.

وهو ما يتطلب، بحسب الباحث، مراقبة أمريكية لكيفية استخدام مصر للمعونة المصرية، وبالأخص بعدما أفادت وزارة الخارجية الأمريكية، بأن هناك قتلًا «تعسفيًا، أو خارج نطاق القانون، نتيجة للعمليات العسكرية بشبه جزيرة سيناء، في الوقت الذي رفضت فيه السلطات المصرية طلبات تواجد مسئولين أمريكيين بسيناء، لمراقبة استخدام السلاح، لأسباب أمنية لمدة استمرت عام». وقد تحدث تقرير لنيويورك تايمز،عن أن الجيش المصري،يريد إخفاء أدلة انتهاج سياسة «الأرض المحروقة»، بُغية محاربة من يصفهم بـ«الإرهابيين».

الباحث أوصى الولايات المتحدة بفرض الرقابة على قوات الأمن المصرية في سيناء، عبر استخدام قانون «ليهي»،وتعليق جاد للإمدادات العسكرية لفترة طويلة ومتقطعة، إذا رفضت مصر تلك المراقبة. وأوصى أيضًا باشتراط أمريكا على مصر، عدم استئناف الحوار الاستراتيجي بين البلدين، حتى تتجه مصر لإصلاحات في مجال حقوق الإنسان خلال السنة المقبلة.

ولفت الباحث إلى تصاعد انتهاكات قوات الأمن في مصر، بقتل الآلاف واعتقال  وإصابة عشرات الآلاف، مُشيرًا إلى مئات حالات الاختفاء القسري والتعذيب، واصفًا استقرار مصر بـ«الأسطورة»، لافتًا إلى دراسة أجراها معهد «التحرير» للشرق الأوسط، تُظهر تصاعد العنف في مصر  ضد قوات الأمن، وبالأخص تلك الهجمات التي يتبناها تنظيم «ولاية سيناء» (أنصار بيت المقدس سابقًا).

الإحصاءات أظهرت أن عدد الهجمات خلال 23 شهرًا، بعد الثالث من يوليو (تموز) 2013، وحتى مايو (أيار) 2015، بلغ 1223 هجمة، بمتوسط 53.2 هجمة شهريًا ، بينما بلغ عدد الهجمات في الـ23 شهرًا السابقين ليوليو (تموز) 2013،  78 هجمة، بمتوسط 3.4 هجمات في المتوسط شهريًا.

في هذا الصدد أجرى مركز «كارنيجي» الأمريكي للدراسات والأبحاث، دراسة نُشرت في نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، جاءت تحت عنوان «تصاعد التمرد الإسلامي في مصر».تحدثت الدراسة عن تصاعد العنف ضد قوات الأمن في سيناء وفي بر مصر،  ليشمل جماعات جديدة ومتنوعة، غير قاصرة على ولاية سيناء.

ومؤخرًا، كتبت «لورين كوسا»، التي عملت بالخارجية الأمريكية من 2008 وحتى يناير (كانون الثاني) من العام الجاري،  مقالًا نشرته صحيفة واشنطن بوست الأمريكية، في 13 أبريل (نيسان) الجاري، تحت عنوان «الطغاة لا يصنعون الاستقرار في الشرق الأوسط.. بل يخلقون الإرهابيين جدد»، وكانت الصورة الرئيسة للمقال لمؤيدين للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، يرفعون صورته في ميدان التحرير.

قالت «لورين»- التي غطت ملف حقوق الإنسان في مصر، من 2010 إلى 2012- إن «تحالف أمريكا مع رجال منطقة الشرق الأوسط الأقوياء، سيجعل الأمور مستقرة على المدى القصير، ولكن ذلك سيضرنا (أمريكا) على المدى الطويل»، موضحة أن ما أسمته «الإرهاب»، إنما يظهر في المناطق المهمشة، وأن حقوق الإنسان، لها دورٌ بالغ في «المعادلة».

أوباما يُكافئ السيسي على «سجن الأبرياء» بعد مقتل ريجيني!

على أعقاب قضية مقتل الباحث الإيطالي جوليو ريجيني، توجهت أنظار العالم إلى قمع النظام المصري لمعارضيه،ليتصاعَد الحديث الغربي ضد انتهاكات النظام، شاملًا قرارات برلمانية وتصريحات رسمية، وتقارير صحافية ضد القمع المصري.

في 10 مارس (آذار) العام الجاري، أصدر البرلمان الأوروبي بموافقة أغلبيته، قرارًا يوصي فيه بوقف المساعدات العسكرية، وتصدير الأسلحة لمصر، وعلى الرغم من أن القرار جاء ارتباطًا بقضية الشاب الإيطالي جوليو ريجيني، إلا أن نصه لم يخلُ من الحديث عن انتهاكات حقوق الإنسان في مصر، عندما أكد القرار على «القلق البالغ من أن قضية جوليو ريجيني ليست بالحادث  المنعزل، لكنه يأتي في سياق من حالات التعذيب والموت في السجون، والاختفاءات القسرية، عبر أنحاء مصر في السنوات الأخيرة».

أما عن الولايات المتحدة، فلم تعلق بشكل رسمي على قضية ريجيني،مُتجاهلة الحديث عنها، مع ما أثارته من جدل عالمي. لكن في 18 مارس (آذار) الماضي، أصدرت الخارجية الأمريكية، بيانًا، أعربت في عن «قلقها العميق، إزاء التدهور في وضع حقوق الإنسان في مصر»، واصفةً قرار الحكومة المصرية، بالتحقيق مع منظمات المجتمع المدني الحقوقية، بالقرار الذي «يأتي في سياق أوسع من الاعتقالات وترهيب المُعارضة السياسية، والصحافيين والناشطين وآخرين».

على الرغم من الانتقاد الأمريكي للقمع المصري، وإن كان في نطاق ضيق، فإن هذا الانتقاد لم يتخطى كونه كلام، دون فرض عقوبات رسمية، على العكس من القرار الرسمي الصادر من البرلمان الأوروبي. وبدلًا عن امتثال الإدارة الأمريكية، لبعض توصيات مراكز دعم القرار، ومراكز الأبحاث والدراسات والصحف الأمريكية.

كان من اللافت تقديم أوباما خلال الشهور الماضية، طلبًا للكونجرس، بإزالة شرط يربط 15% من المساعدة، بسجل الحكومة في مجال حقوق الإنسان، وذلك في سياق طلب الإدارة الأمريكية، منح مُساعدة عسكرية أخرى للقاهرة، بقيمة 1.3 مليار دولار، في ميزانية العام المقبل، وهو ما انتقدته صحيفة واشنطن بوست، ووصفته بأنه بمثابة «رسالة حصانة للانتهاكات»، التي يُمارسها النظام المصري بحق مُعارضيه، أو من يُشتبه بمعارضته.

 

جاء تقرير الصحيفة، الذي نُشر في 17 مارس (آذار)، تحت عنوان «لا تُكافئ مصر على سجن الأبرياء»، في رسالة واضحة إلى الرئيس الأمريكي باراك أوباما. ونقلت الصحيفة عن مركز النديم لحقوق الإنسان المصري، عددًا من الإحصاءات المرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان في مصر، مثل وجود 464 حالةً موثقةً لعمليات خطفٍ من جانب قوات الأمن، العام الماضي، بالإضافة إلى 676 حالة تعذيب على الأقل، ونحو 500 حالة وفاة لمعتقلين.

ولفتت الصحيفة، إلى أن من أسمتهم الحلفاء الغربيين لمصر، تجاهلوا تلك الانتهاكات إلى حد كبير. وأن حادثة الطالب الإيطالي أدت إلى بعض التدقيق، الذي اعتبرته متأخرًا، في «السجل المروع لنظام السيسي في مجال حقوق الإنسان».

ماذا لو قررت أمريكا التخلي عن السيسي؟

يبدو أن قرار الولايات المتحدة، التخلي عن السيسي صعبًا؛ فمع أقصى الأيام دموية في تاريخ مصر الحديث كما وُصف، أي يوم فض اعتصامي رابعة العدوية والنهصة، جاء تعليق المساعدات الأمريكية هشًا؛ لتعود مرة أخرى دون إحداث النظام المصري تغييرًا حقيقيًا في ملف حقوق الإنسان، لذلك لا يبدو سقف العقوبات الأمريكية رادعًا لوقف انتهاكات النظام المصري،مع وضع احتمال لإمكانية تخفيف القمع أحيانًا، حال زادت الضغوط الأمريكية، ووصلت لمراحل غير مسبوقة منذ الثالث من يوليو (تموز) 2013.

كما أنه من الصعب على الولايات المتحدة، أن تتخلى عن حليف قوي لإسرائيل كالسيسي. تلك العلاقة القوية بين البلدين والثقة المتبادلة بينهما، جعلت إسرائيل- وفقًا لصحف إسرائيلية – تسمح بوجود عدد من قوات الجيش المصري في سيناء، أكثر مما هو مسموح به في معاهدة «كامب ديفيد».

لكن إذا أقدمت أمريكا، على تلك الخطوة، فيبدو أن السيسي لن يكون مثل الرئيس المخلوع محمد حسني مبارك، الذي تنحى في 11 فبراير (شباط) 2011، بعد ستة أيام فقط من طلب أوباما رحيله فورًا، في الخامس من فبراير شباط 2011، فمن جهة بإمكان السيسي أن يُعوّض المساعدات الأمريكية الاقتصادية، عبر دول الخليج العربي، التي بدت أكثر حرصًا من أي وقتٍ مضى، في دعم نظام ما بعد الثالث من يوليو (تموز) 2013. وعلى مُستوى عسكري، فإن العلاقات بين مصر وروسيا الاتحادية، تشهد فترة ازدهار، قد تجعل من روسيا، في أي طارئ، بديلًا مُناسبًا من وجهة نظر السيسي.

وخلال الآونة الأخيرة، بدت روسيا أكثر انغماسًا وتأثير، من الولايات المتحدة، في عدة قضايا مرتبطة بالشرق الأوسط، وبخاصة القضية السورية؛ فعندما طالبت أمريكا رحيل بشار الأسد «فورًا»، مع بدايات الأزمة السورية. عززت روسيا بقائه بالدعم العسكري، الذي بدأ بإمداده بالسلاح، حتى وصل إلى المشاركة في الحرب معه على أرض المعركة، ولا تزال تدعمه وتساعده في تحقيق انتصارات مشهودة، في الأشهر الأخيرة، كان أبرزها في «حلب» و«تدمر».

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد