قبل يومين، وبينما كان الرئيس الأمريكي المنتخب، دونالد ترامب، يُنصب لفترته الأولى، كان هناك من ينتظر إعلان ترامب نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من مدينة تل أبيب، إلى القدس المحتلة.

ورغم الأصوات التي تستبعد اتخاذ هذا القرار، لوعود رؤساء سابقين لم يتم الإيفاء بها، تُرجح كفة، ميل ترامب لأخذ خطوة متقدمة في هذا المجال، وذلك كونه صاحب الموقف الأكثر وضوحًا وقوة بخصوص موضوع نقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة.

«ساسة بوست» في هذا التقرير يطرح سؤالًا، «ما الذي يعنيه أن تنقل أمريكا سفارتها إلى القدس، وما الذي يعنيه ذلك في الوقت الحالي تحديدًا»؟

تحقيق مشروع «القدس الكبرى 2020»

في الوقت الذي تُروّج فيه إسرائيل ساعية بكل جهد، إلى إعلان القدس المحتلة عاصمةً لها، يبدو أن الولايات المتحدة الأمريكية لا ترى غضاضةً في ذلك، عبر مواقف رؤساءٍ سابقين لها، وعبر الموقف المُعلن بقوة من ترامب، وهو ما يُؤكد عليه أستاذ العلوم السياسية والإعلام بجامعة فلسطين التقنية (خضوري)، محمد اشتيوي.

ويعني تحقيق ترامب الوعد الأمريكي بنقل سفارة بلاده إلى القدس المحتلة، بداية إضفاء الشرعية الدولية للمشروع الإسرائيلي، وإسقاط الحق الفلسطيني في المدينة المُحتلة، كما أنه يُعطي الفرصة للإسرائيليين لضم مساحات واسعة من أراضي المدينة المحتلة لسلطتها، وصولًا إلى مشروع «القدس الكبرى 2020».

ولكن، هل من الممكن فعلًا تنفيذ هذا الوعد؟ يرى اشتيوي أن ثمة العديد من العوامل التي تجعل من تنفيذ القرار «أمرًا سهلًا»، من بين هذه العوامل، بحسب اشتيوي، ضعف التأثير الدولي، وكذا الوضع العربي، مع حالة الانقسام الفلسطيني، بالإضافة إلى ما وصفه بـ«التوافق والتغازل» بين ترامب والرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ومنذ عام 1995، أصدر الكونجرس الأمريكي قرارًا بنقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس المحتلة، لكن منذ ذلك الوقت وإلى الآن، كان الرؤساء الأمريكيون يلجأون إلى توقيع قرارات كل ستة أشهر بتأجيل نقل السفارة، وكان آخر تلك التأجيلات، من قبل أوباما، في الأول من يناير (كانون الثاني) 2017، مما يعني أنه حال نُفّذ القرار، فإن ذلك لن يكون قبل الأول من يونيو (حزيران) 2017، وهو ما يعتقد فيه اشتيوي.

الاعتراف بضم القدس العربية

ويرى البعض في قرار نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل، من تل أبيب إلى القدس المحتلة، «استفزازًا للفلسطينيين والعرب، ولمن يحترم القانون الدولية»، من هؤلاء مصطفى البرغوثي، الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية.

على هذا يُمكن وصف قرار نقل السفارة بأنه مشاركة أمريكية لإسرائيل في خرق القانون الدولي بل وربما أكثر، وهو ما يراه البرغوثي، الذي يرى أن الولايات المتحدة بذلك القرار تشارك إسرائيل «جريمة حرب، وخرقًا لمبدأ أساسي من مبادئ العلاقات بين الدول منذ الحرب العالمية الثانية، وهو مبدأ عدم جواز ضم أراضي الآخرين بالقوة العسكرية».

بالإضافة إلى ذلك، يُعد القرار حال تنفيذه بمثابة مشاركة أمريكية في مخططات إسرائيل بالتوسع في الاستيطان غير الشرعي على حساب الأراضي الفلسطينية، وهو ما قد يعني تخلي الولايات المتحدة عن حل الدولتين، وفكرة السلام القائم على أساس إقامة دولة فلسطينية مُستقلة.

ولكن مرة أُخرى، ما مدى إمكانية تنفيذ القرار بالفعل؟ يعتقد البرغوثي في حديثه لـ«ساسة بوست»، أن الأمر يعتمد على شدة ردود الفعل. «كان البعض يعتقد أن ترامب سيعلن عن نقل السفارة في خطاب تنصيبه، لكنه لم يفعل ذلك، وهذا يدل على أن الضغوطات تؤثر»، يقول البرغوثي، الذي أمل أن تتخذ الدول العربية «الموقف المطلوب منها، وأن تُرسل رسالة واضحة للولايات المتحدة، أن نقل سفارتها له عواقب وخيمة».

الوضع العربي و«العربدة» الإسرائيلية

واحدة من أهم الأسباب التي ترجح احتمال نقل السفارة الأمريكية للقدس، هي أن الفريق السياسي الذي اختاره ترامب يتبنى في معظمه قرار النقل، فعلى سبيل المثال، يَعتبر وزير خارجيته ريكس تيليرسون، إسرائيل «الحليف الأكثر أهمية» للولايات المتحدة، أما السفير المقترح ديفيد فريدمان، فهو من أكثر الشخصيات الأمريكية المساندة لنقل السفارة، وقد قال في إحدى تصريحاته، بعد ترشيحه للسفارة، إن ترامب «سينفذ النقل»، وإنه يأمل أن يُنفّذ مهمته «من سفارة الولايات المتحدة في عاصمة إسرائيل الأبدية«.

أما فيما يتعلق بالوضع العربي، فثمة قراءات واضحة في كونه مشجعًا لاتخاذ مثل هذا القرار، بسبب انغماس الدول العربية في اضطرابات داخلية سياسية واقتصادية، وهو ما يعتقد فيه الكاتب السياسي الفلسطيني، برهوم جرايسي، الذي قال لـ«ساسة بوست»، إن وضع العالم العربي مُشجّع للعربدة الإسرائيلية، ويحول دون ارتداعها قليلًا عن عربدتها».

مزيد من الانحياز والتأييد لإسرائيل

في عام 1995، أصدرت الولايات المتحدة، قانونًا عُرف باسم «قانون سفارة القدس لسنة 1995»، وينص بأغلبية كبيرة من قبل أعضاء الكونجرس آنذاك، بالشروع في تمويل عملية نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل من تل أبيب إلى القدس، على أن يحدث ذلك بحد أقصى في الآخر من مايو (أيار) 1999، وأن يقع ذلك ضمن صلاحيات الرئيس الأمريكي كأعلى سلطة تنفيذية.

ومع تأجيل تنفيذ القرار حتى الآن، يستبعد البعض أن يُنفذ قريبًا، حتى لو رغب ترامب في تنفيذه، وذلك بسبب أن الولايات المتحدة «دولة مؤسسات»، كما قال رئيس اتحاد الجاليات والفعاليات الفلسطينية في أوروبا، أحمد محيسن، الذي يرى أن ثمة مؤسسات أمريكية لن تقبل بتنفيذ القرار، كما يرى أن وعد ترامب ليس إلا مزيدًا من «الانحياز والتأييد لإسرائيل».

وقد يُرى في وعد ترامب مجرد شعار سياسي لحملته الانتخابية، وليس بالضرورة أن شعارات الحملات الانتخابية تكون صادقة، أو قابلة للتحقيق، كما أشار محيسن، الذي لفت إلى أن نفس وعد ترامب كان قد تكرر بالفعل على ألسنة معظم من ترشح للرئاسة الأمريكية، بما في ذلك هيلاري كلينتون.

سيناريوهات نقل السفارة

تستعرض دراسة أعدها مركز «الزيتونة للدراسات والاستشارات» في بيروت، عدة سيناريوهات خاصة بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس، من بينها أن ينقل ترامب السفارة إلى القدس المحتلة، سواء في بداية ولايته أو خلال أي وقتها منها، أو أن يُحوّل إحدى مكاتب خدمات السفارة الواقعة في غربي القدس لسفارة، أو أن تبقى السفارة في تل أبيب كما هي، وينتقل السفر للإقامة في القدس المحتلة، أو ربما ينقل السفارة إلى القدس، بالتوازي مع إعلانه الاعتراف بدولة فلسطين، «امتصاصًا لردود الفعل».

وفيما يخص سيناريو نقل السفارة خلال أي وقت من ولايته، مع التأكيد على تنفيذ النقل، يُشار إلى تصريح الناطق باسم ترامب، جاسون ميللر، الذي قال فيه، إن «تحديد موعد تنفيذ النقل لهو أمرٌ سابق لأوانه». أما فيما يتعلق بنقل السفارة إلى القدس الغربية، أو تحويل أحد مكاتبها هناك إلى سفارة، فقد يلجأ إليه ترامب، مُدعيًا اعتراف العرب والعالم بأن القدس الغربية جزء غير متنازع عليه.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد