ربَّما منذ عام 1889 وحتى الآن، لم يخلُ العالم من هتلر أو من شبيهه الحالي –على الأقل في عنصريته- دونالد ترامب، إلا في أقل من أربعة عشر شهرًا فقط، وهي الفترة التي تُوفي فيها هتلر، وولد فيها ترامب. وبرغم عدم التأكد من روايات موت هتلر، سواء بوفاةٍ طبيعية، أو بالانتحار، أو تاريخها الدقيق، إلا أن هناك شبه إجماع بناءً على الأدلة الموجودة أنه توفِّي في الثلاثين من أبريل (نيسان) عام 1945. ولم يعلم أحدٌ حينها أنه بعد أقل من 14 شهرًا فقط من وفاة هتلر، سيولد شخص يُدعى دونالد جون ترامب، وتحديدًا في 14 يونيو (حزيران) 1946، أو أنه سيحكم إحدى أكبر وأهم القوى العظمى في العالم بعد حوالي 70 عامًا من ولادته، وأنه سيأخذ بعضًا من صفات هتلر، وإن اختلف السياق. يبدو الأمر غريبًا، كما لو كان فيلمًا كارتونيًّا، تموت فيه الساحرة الشريرة، لتُبعث من جديد، ولكن في روح مختلفة هذه المرَّة.

الآن، المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل تحكم ألمانيا، والرئيس دونالد ترامب يحكم الولايات المتحدة الأمريكية. بينما تحلّ علينا، هذا العام، الذكرى الـ72 لانتهاء الحرب العالمية الثانية، والتي راح ضحيتها ما يزيد على 73 مليون شخص، بين مدنيين وعسكريين، من حوالي 30 دولة مختلفة، والتي شهدت عداءً بين الولايات المتحدة وألمانيا حينها، إلى أن انتهت الحرب، ومرَّت السنوات لتشهد تحسين العلاقات بين الطرفين تارةً، وسوءها تارةً أخرى، ومحاولات من أمريكا للسيطرة على ألمانيا أيضًا، إلى أن وصل دونالد ترامب إلى حكم الولايات المتحدة الأمريكية، ليحيي هذا العداء مرةً أخرى بين الولايات المتحدة وألمانيا، بعد التقارب الظاهر في عهد سابقه، باراك أوباما.

(1) مؤيدو ترامب لا يؤيدون هتلر.. ولكن يؤيدون أفعاله!

في أحد الأيام الأولى من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، وتحديدًا في الأول من مارس (آذار) 2016، قام أحد الأشخاص من صحفة SoFlo الساخرة، والمختصة في إنتاج المقاطع الكوميدية المُصوَّرة، بإجراء تجربة اجتماعية واقعية مع عدد من مؤيدي الرئيس الحالي دونالد ترامب، وقتما كان مرشحًا للانتخابات الأمريكية في بدايتها. تمثلت التجربة في نزول هذا الشخص إلى الشارع، حاملًا ملصقًا دعائيًّا للمرشح الجمهوري حينها، دونالد ترامب، بينما كتب عليه عددًا من المقولات العنصرية والمتطرفة، والتي تشير إلى خطاب كراهية، والتي قالها أدولف هتلر من قبل.

أوقف الشاب عددًا من مؤيدي دونالد ترامب وسألهم عن آرائهم، وردود فعلهم، وتوقعاتهم حول هذه المقولات. وأجمع المؤيدون على أن قائل هذه العبارات هو ترامب، وأنهم يدعمونها تمامًا، بل زاد دعمهم له بسبب قوله لهذه المقولات الواقعية من وجهة نظرهم.

مقولات هتلر التي كانت معروضة على مؤيدي ترامب تُنسب إلى الديكتاتورية، والكذب، وفساد الأنظمة، والتحكم في الشعوب. وبدأت هذه المقولات بتلك التي تتحدث عن وقف ومنع الخيال، ومنع الأشخاص من التغيير، ونبذ أولئك الذين يفكرون خارج الصندوق؛ لأنهم يسببون إزعاجًا للسلطة، وهي «أي شخص يرى أو يرسم سماءً خضراء، أو حقولًا زراعية زرقاء، فيجب تعقيمه».

أمَّا عن المقولات الأخرى، فهناك تلك التي تقول: «كم هي محظوظة هذه الحكومات التي تحكم شعوبًا لا تفكر»، وهي أيضًا تعود بنفس المعنى إلى المقولة الأولى، والتي تتمثل في احتكار المعرفة والتفكير على السُلطة الحاكمة وحدها، مما يسهِّل عليها التحكم في الشعوب الجاهلة، كما يستطيعون خداعهم كما يشاؤون. وأيضًا، هناك تلك التي استخدم فيها «هتلر» الدين لإضفاء مشروعية وتأييد على قراراته التي اتخذها في عصر النازية، إذ تساءل مستنكرًا: «من قال إنني لست تحت حماية خاصة من الله؟!»، وغيرها من المقولات.

ودافع مؤيدو ترامب عن هذه المقولات، وعن مرشحهم الانتخابي حينها، مبررين ذلك بأنها مقولات تعبر عنهم، أو أن ترامب سيستخدمها في عمل الأفضل لصالح الولايات المتحدة الأمريكية، أو أنه يجب عليه الالتزام بها لإصلاح الأضرار التي أحدثها الحزب الديمقراطي في المجتمع الأمريكي، من وجهة نظرهم.

ولكن فوجئ أولئك المؤيدون في النهاية، بعدما أكدوا أنهم يؤيدون هذه المقولات، عندما أكد لهم الشاب الذي أجرى معهم الحوار (التجربة) أن هذه المقولات منسوبة لأدولف هتلر، وليست لدونالد ترامب. تلعثم معظمهم وأكدوا أنهم لا يدعمون هتلر، ولكنهم يدعمون دونالد ترامب!

(2) لقاء.. من نوعٍ آخر

رغم إشارتهما بأن الاجتماع كان مثمرًا، ظلت الخلافات بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، واضحةً، وذلك في اللقاء الأول الذي جمع بينهما يوم الجمعة الماضية 17 مارس (آذار) 2017، في البيت الأبيض. وتمثَّل الاختلاف بين الطرفين حول ثلاثة ملفات رئيسية، هي: ملف الهجرة واللاجئين، وملف الإنفاق على حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وملف التجارة الحرة، أو التبادل التجاري الحر.

وبرغم ذلك، أبدى كل طرف وجهة نظره المعروفة لدى الطرف الآخر، ولم يطرأ أي جديد. ويبدو أن الاجتماع فشل في حلّ ومناقشة الأزمات الموضوعة على أجندته، كما فشل في تحقيق أهدافه، والتي تمثلت في «بناء الثقة، وتوضيح أن الاختلافات في الرأي يمكن تناولها من خلال الشراكة، وليس المواجهة»، وذلك بحسب ما أوردته تصريحات إعلامية من الحكومة الألمانية.

الهجرة واللاجئون

بخصوص القضية الأولى والمتعلقة باللاجئين والهجرة، ومع حرص ترامب وميركل على تفادي الانتقادات المباشرة في اللقاء، فإن الاختلاف بينهما بدا صارخًا؛ إذ أكد ترامب أن «الهجرة امتياز، وليست حقًّا»، مشيرًا إلى أنّ أمن المواطنين الأمريكيين له الأولوية دائمًا.

الجدير بالذكر أن ترامب كان قد وصف المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، في يوم 16 يناير (كانون الثاني) الماضي، بأنها ارتكبت خطأ كارثيًّا، وذلك بعد فتح بلادها لاستقبال الملايين من طالبي اللجوء بين عامي 2015، 2016. غير أنه في المقابل، انتقدت ميركل القرار التنفيذي الذي أصدره ترامب في أواخر الشهر نفسه، يناير (كانون الثاني)، والمتعلِّق بحظر دخول مواطني سبع دول ذات أغلبية مسلمة إلى الولايات المتحدة الأمريكية؛ إذ وصفته ميركل بأنه قرار غير مُبرَّر.

وفي وقتٍ سابق، وتحديدًا في المكالمة التليفونية الأولى بين ترامب وميركل، شرحت الأخيرة للأول أن معاهدة جينيف الخاصة باللاجئين من مناطق الحرب، والتي صدرت عام 1951، تُلزم موقعيها –ومنهم الولايات المتحدة- باستقبال اللاجئين.

حلف الناتو

حلف شمال الأطلسي (الناتو) كان موجودًا بشكلٍ أساسيّ في لقاء ترامب وميركل في البيت الأبيض؛ ويتمثل الخلاف بين الطرفين، الشريكين في الحلف، في رغبة ترامب سابقًا الانسحاب منه؛ فقد كان من ضمن وعوده لأول 100 يوم له في البيت الأبيض، إعادة النظر في جميع الاتفاقات والمعاهدات الدولية التي وقعت عليها الولايات المتحدة الأمريكية، والتي من ضمنها اتفاق حلف الناتو، الذي أعلن أنه سيعيد التفاوض على شروطه، وربما تنسحب الولايات المتحدة منه، لافتًا إلى أن محاربتها جنبًا إلى جنب مع قوات حلف شمال الأطلسي قد كلَّفتها الكثير، اقتصاديًّا وعسكريًّا، ولذلك فإنه يرى أن الحلف عليه أن يدفع المزيد من التعويضات للجيش الأمريكي، وإلا فسوف ينسحب من التعاون معهم.

وأراد ترامب أن يعادل حجم الإنفاق من كل دولة مشاركة في الحلف 2% من إجمالي الناتج المحلي لها، وهي أقل من النسبة التي تنفقها أمريكا في الحلف. وخلال اللقاء، أعلن ترامب دعمه القوي للحلف، ولكنه ما زال مُلحَّا على ضرورة دفع الحلفاء الأوروبيين لحصتهم «العادلة» في الدفاع.

كما كتب ترامب عقب اللقاء تغريدتين على حسابه الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي، تويتر، تتضمنان أن ألمانيا تدين لحلف الناتو، وللولايات المتحدة الأمريكية بمبالغ مالية هائلة مقابل الدفاع عنها. من جانبها، أعلنت المستشارة الألمانية ميركل التزامها بالوصول إلى نسبة 2% للناتو من إجمالي الناتج المحلي لألمانيا، وذلك بحلول عام 2024، وذلك طبقًا لاتفاق أعضاء الحلف عام 2014؛ إذ وافقوا على بلوغ هذه النسبة في غضون 10 سنوات، أي عام 2024.

التجارة الحرة

أمَّا فيما يخص ملف التجارة الحرة، فقط شدَّد ترامب على قناعته بأن بلاده كانت الخاسر الأكبر خلال عدد من الاتفاقيات التجارية التي أجرتها خلال العقود السابقة، مؤكدًا قوله: «لست انعزاليًّا»، واهتمامه بالتبادل الحر، ولكنه أشار في الوقت ذاته أن هذا التبادل الحر أدى إلى كثير من الأمور السيئة. ولطالما انتقدت المستشارة الألمانية النزعة الانعزالية في خطاب ترامب في عدد من المرات.

ودعت ميركل الولايات المتحدة إلى استئناف المفاوضات حول اتفاق الشراكة عبر المحيط الأطلسي، والمتعلق بالتجارة الحرة بين عدد من الدول عبر المحيط، والذي أعلن ترامب انسحابه منه في اليوم الثالث من توليه السلطة، وتحديدًا في 23 يناير (كانون الثاني) 2017.

وقالت ميركل خلال الاجتماع: «أعتقد أنه يجب أن تُصاغ العولمة بروح منفتحة»، وذلك في إشارة منها إلى الشعار الذي يتخذه ترامب دائمًا، وهو «أمريكا أولًا». وناقش الطرفان قضية العجز التجاري بين الولايات المتحدة وألمانيا، والذي يبلغ 65 مليار دولار. واهتم ترامب بتقليصه عن طريق فرض زيادة في الضرائب على الواردات الألمانية إلى الولايات المتحدة؛ إذ حذَّر ترامب من فرض 35% من الضرائب الجمركية على السيارات الألمانية التي تنوي إنشاء مصانع جديدة لها في المكسيك، وتبيع منتجاتها بأمريكا.

وتعتبر الولايات المتحدة أكبر وجهة للصادرات الألمانية، ولذلك فقد اصطحبت ميركل معها إلى الولايات المتحدة الأمريكية كلًّا من رئيس شركة سيمنز الألمانية، جوزيف كيسر، والرئيس التنفيذي لشركة السيارات الألمانية BMW، هارالد كروجر.

(3) ألمانيا وأمريكا: الرقص على جميع الحبال

اتسمت فترة ما بعد الحرب باتخاذ الولايات المتحدة لما يُعرف باسم سياسة الاحتواء، ونظرية الردع، تجاه ألمانيا. تمثِّل سياسة الاحتواء باختصار التحالف مع أصدقاء الآخر (العدو)، والذين يعملون بدورهم على تخفيف وطأة النزاع واحتواء الآخر حتى لا يشنّ أي أعمال عسكرية، بينما تتمثل نظرية الردع باختصار في أنها تفترض أن القوة هي أفضل علاج للقوة، أي أن هناك قوة واحدة رادعة (وغالبًا مُكونة من تحالفات) تستطيع فرض سيطرتها على القوة الأخرى، وغالبًا ما تستخدم هذه الاستراتيجيات لتجنب الصراع.

وبرغم تباين العلاقات الاقتصادية، والسياسية، والاستراتيجية، بين أمريكا وألمانيا، إلا أنهما لم يتنازعا عسكريًّا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945.

وخلال الخمسينيات، والستينيات من القرن الماضي، رأى العديد من الألمان أن تقسيم ألمانيا يبدو كما لو كان عنصرًا من عناصر الاستقرار في أوروبا؛ إذ إن عدم اتخاذ الولايات المتحدة لأيّ موقف عدائي تجاه جدار برلين الذي تم بناؤه عام 1961 أثبت أن الولايات المتحدة غير مهتمة بتوحيد ألمانيا حقًّا، إلى أن جاءت زيارة الرئيس الأمريكي كيندي إلى برلين عام 1963؛ عندما قال جملته الشهيرة: «كل الرجال الأحرار، أينما عاشوا، هم مواطنون من برلين. وأنا، بصفتي رجل حر، فأنا أيضًا من برلين».

جاءت حرب فيتنام لتؤثر في علاقة البلدين أيضًا، والتي عارضتها ألمانيا، كما عارضها أيضًا عدد من الشباب الأمريكي إلى جانب الشباب الألماني. غير أنه في منتصف الثمانينيات، نشبت خلافات أخرى بين البلدين بسبب الخلافات بين الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة في جولة أوروجواي من اتفاقية تعريف التجارة والجمارك (الجات).

وبعد انهيار جدار برلين والاتحاد السوفيتي في نهاية الثمانينيات، واجهت ألمانيا الموحدة بعض الصعوبات تجاه التأقلم مع الولايات المتحدة، والتي كانت شريكة لها في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، إلى أن غادر آخر جندي أمريكي من برلين بعد حوالي 50 عامًا من انتهاء الحرب، وذلك عام 1994.

وتميزت التسعينات ببداية جديدة بين الولايات المتحدة وألمانيا، وذلك في سياق جديد يشمل أوروبا موحدة، والعمل المشترك في السلام والديمقراطية، إلى جانب العمل في حلف الناتو، ومنظمة الأمن والتعاون، وأيضًا التعاون مع الاتحاد الأوروبي. وتشارك البلدان في التحديات الدولية التي تواجههما مثل العولمة، والإنترنت، وتحرير سوق الاتصالات، وأبحاث الفضاء، والتعليم العالي وغيره؛ مما أدى إلى مزيد من التعاون.

(4) الألفية الجديدة: «ميركل».. والولايات المتحدة

عاشرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، التي تولت هذا المنصب منذ عام 2005، والتي تقضي فترة ولايتها الثالثة، ثلاثة رؤساء أمريكيين، هم: جورج بوش الابن، وباراك أوباما، ودونالد ترامب. خلال حوالي 12 عامًا قضتها ميركل تعمل جنبًا إلى جانب مع كلٍّ من جورج بوش، وباراك أوباما، فإن العلاقات الأمريكية الألمانية ظلت في أفضل حالاتها خلال هذه الفترة، وذلك برغم الاختلافات العديدة بين بوش، وأوباما.

وتقاربت العلاقات السياسية، والاقتصادية، والاستراتيجية والعسكرية، بين البلدين، وظلَّت قائمة على التشاور والتنسيق بين المستويات العليا في كل دولة. ومن قبل تولي ميركل الحكم، تعاونت ألمانيا مع الولايات المتحدة في أعقاب هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 على مركز التجارة العالمي والبنتاجون، حيث عملا سويًا لمكافحة «الإرهاب الدولي»، وفي مجالات التعاون القضائي، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتجميد الأصول الإرهابية لعدد من المشتبه في تورطهم بالحادث، وقد أظهر هذا التعاون نتائج ملموسة لاحقًا.

فمع بوش، وإلى جانب «مكافحة الإرهاب»، تقاربت المواقف السياسية لميركل، والتي دعمت بوش معظم الوقت، ودعمت مواقفه تجاه المشروع النووي الإيراني، على الرغم من وجود علاقات تجارية قوية بين برلين، وطهران. كما دعمته في قضية الأسلحة النووية في العراق أيضًا، كما دعمت التدخُّل العسكري الأمريكي في العراق، وذلك عكس المستشار الألماني السابق لها، جيرهارد شرودر.

أمَّا علاقة ميركل بأوباما فكانت هي الأفضل بين البلدين على مدار التاريخ، إذ ظلت علاقتهما ببعضهما البعض وثيقة، وذلك برغم الأزمة التي أثيرت عام 2013، عندما كشف إدوارد سنودن فضيحة تصنُّت واشنطن على الهاتف الخاص بالمستشارة الألمانية.

ألمانيا هي الحليف الدولي الأقرب إلى الولايات المتحدة الأمريكية خلال السنوات الثمانية الماضية. *باراك أوباما

التقارب بين ميركل، وأوباما يظهر في جعل الرئيس الأمريكي السابق، باراك أوباما، زيارته الأخيرة لدولة أجنبية قبل تسليمه المنصب لترامب، إلى ألمانيا، إذ أهدى المستشارة الألمانية شُعلة، عُرفت بأنها «شارة قيادة العالم الحر»، وذلك في الوقت التي وصفت فيه وسائل الإعلام المختلفة، ميركل، بأنها حاملة لواء القيم الديمقراطية من بعد أوباما، وذلك في ظل دعمه لها فيما يخص قضية اللاجئين.

وأمَّا ترامب، فيختلف وضعه كثيرًا عن سابقيه، ليعود التوتر على أشدّه بعد عقود بين البلدين: ألمانيا التي تمثل «العالم الحرّ» وأوروبا، و«الولايات المتحدة الشعبوية» التي تمثِّل القوى العظمى في العالم. من أيام الحملة الانتخابية للرئيس الأمريكي ترامب، والتصريحات المثيرة بين الطرفين لم تهدأ، وذلك تعليقًا على قرارات يتخذها كل طرف، فضلًا عن انتقاد ميركل لآراء ترامب تجاه قضايا متعددة.

ومما يدلل على هذه العلاقة المتوترة بين الطرفين، أن أحد الصحافيين طالب خلال لقاء ترامب وميركل بأن يتصافحا، إلا أن ترامب تظاهر بعدم السماع، ولم يبدِ أي رد فعل.

اقرأ أيضًا: كيف نهضت ألمانيا بعد الحرب؟ الحقائق التي لا تُحكى عادةً!

(5) لعبة التاريخ: كيف تبدَّلت الآية من هتلر إلى ترامب؟

حاول فقط أن تفكِّر، منذ سبعين عامًا من الآن، كان هناك هتلر، الذي هجَّر الملايين والملايين، الذين تم تشريدهم في البلاد المختلفة، أو هلاكهم من الجوع والعطش، أو من الغارات الجوية التي شنها هتلر وجيشه.

والآن، يوجد ترامب، الذي أيضًا أصدر قرارًا يُهجِّر مئات الآلاف من الأفراد، والذي يمنع استقبال عشرات الآلاف من اللاجئين القادمين من مناطق حروب أيضًا، مثل سوريا، والذين يموتون يومًا وراء الآخر من الجوع، أو يموتون غرقًا، في محاولةٍ منهم للوصول إلى سواحل دول أخرى بعد رفض استقبالهم في بعض الدول، أو بسبب سوء المعيشة فيها، أو قد تصيبهم غارات جوية، ربما من نظام الأسد، أو ربما غارات جوية روسيَّة، أو غارات إسرائيلية في التطوير الحديث.

هتلر كان يحتقر اليهود، وارتكب محارق ضدهم، والآن يوجد ترامب، واحتقاره للمسلمين، وحديثه المتسم بالكراهية، والعنصرية تجاههم أيضًا. هتلر كان يحتقر الأقليات، والمرأة أيضًا طوال عصره ووقت توليه الحكم؛ إذ أخرجهن من المدارس، ووقف تعليهمن، ومنع زينتهن (المكياج) في الشوارع، وذلك خلال بداية عهد ألمانيا النازية، والتي نشأت عام 1933.

ترامب أيضًا يحتقر المرأة والأقليات، فهو لطالما سخر من السيدات، وخاصةً من المرشحة الجمهورية السابقة هيلاري كلينتون، وأيضًا من المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فضلًا عن التسريب الخاص به وهو يتحدث بطريقةٍ غير لائقة عن النساء منذ أيام الحملة الانتخابية العام الماضي. ولكن المفارقة هنا تكمن في استخدام هتلر للنساء وقت الحرب العالمية الثانية، وذلك نظرًا لحاجته لهن.

وفي الوقت الذي كان يشتهر فيه هتلر بخطابه الشعبوي، والبروباجندا الإعلامية التي يقودها من أجل تحقيق أهدافه الشخصية، نجد الآن ترامب بخطابه الشعبوي أيضًا، والذي يكرر من جمل كثيرة غير حقيقية حتى بدأ يصدقها مؤيدوه، مثل جملة «أخبار مفبركة» على سبيل المثال.

وفي النهاية، يبدو أن سبعين عامًا كانت كافية لكي يتبدل الوضع، ليصبح قائد الولايات المتحدة الحالي حاملًا لصفات قائد ألمانيا حينها، وفاعلًا لبعض أفعاله، مع اختلاف نسبة العنصريَّة، والأفعال المترتبة عليها بالطبع.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد