في دراسة مطولة أقيمت من قبل معهد الدراسات الاستراتيجية الأمريكية لصاحبها الدكتور محمد الكثيري وهو عضو منتدب في منتدى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حول المصالح والعلاقات التي تجمع الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي في شكل تحالف قوي، نستعرض في هذا المقال ملخصًا لتلك الدراسة فيما يلي.

لطالما حازت منطقة الخليج العربي أهمية لدى الولايات المتحدة الأمريكية، نظرًا لموقعها الاستراتيجي المحوري – الواقع في المنتصف بين أوروبا وشرق آسيا – وامتلاكها لما يقرب من نصف نسبة احتياطي النفط في العالم، الأمر الذي أتاح للاستعمار البريطاني وقتها حرية حركة السفن الحربية والتجارة في موانئ إمارات “الساحل المتصالح” والتي أصبحت فيما بعد “دول مجلس التعاون الخليجي”. وقد جمعت دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة علاقة شراكة، اقتضت بأن تكون الولايات المتحدة هي الداعم العسكري القوي والمدافع عن دول الخليج ضد أية تهديدات عسكرية إقليمية في المنطقة، والشريك الرئيسي الخارجي لأية ترتيبات أمنية إقليمية في الخليج العربي.

ولاشك أنه ليس في مصلحة الولايات المتحدة أن تحدث أية ثورات أو اضطرابات في منطقة الخليج العربي؛ من شأنها أن تؤثر على سياساتها الخارجية وعلاقتها مع دول الخليج، لذلك كان لبداية ثورات الربيع العربي في بعض الدول العربية أثرًا سلبيًا ملحوظًا على دول الخليج والولايات المتحدة الأمريكية، والذي وضع الأخيرة في معضلة سياسية كبيرة، وتفكيرها في كيفية الحد من تلك الاضطرابات سواء بالتدخل العسكري أو التعاون الثنائي مع دول الخليج.

وفي نفس السياق، فقد أدى النمو المطرد لإنتاج النفط في دول الخليج، إلى ازدياد الأهمية الاستراتيجية للأخيرة بالنسبة للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، رافقه نمو مماثل له في كل من إيران والعراق.

سياسة الأقطاب المزدوجة: السعودية وإيران

173291622

يبدو أن رغبة الولايات المتحدة في تكوين حلفاء لها في منطقة الخليج لم تكن من فراغ، فالأهمية الاستراتيجية لدولتي إيران والعراق، وحفاظهما على أمن المنطقة لفترة طويلة، كانت سببًا وجيهًا لها ضمن الأسباب الأخرى، لتسعى في تشكيل علاقات مع دول الخليج المجاورة للدولتين، فظهرت في الخمسينيات ثلاث قوىً متنافسة في المنطقة (إيران والعراق والسعودية)، تسعى كل منها للهيمنة السياسية الإقليمية.

خدم النظام الملكي الوراثي – في كل من السعودية وإيران – مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا، الأمر الذي حافظ على استقرار العلاقات مع كلا البلدين، وأصبحت سياسة الأقطاب المزدوجة هي الاستراتيجية الرئيسية للولايات المتحدة نحو ضمان الاستقرار الأمني في المنطقة خلال الستينيات، حيث فرضت كلتا الدولتين سيطرتهما على المنطقة ككل، فيما حرصت المنافسة الإيرانية – السعودية العربية على ضمان عدم تفوق أية دولة منهما على الأخرى في القوة، حفظت تلك السياسة الإقليمية استقرار المنطقة لفترة طويلة، وحوّلت الخليج العربي إلى حصن ضد توغل الشيوعية والمصالح الروسية السوفييتية آنذاك.

سياسة الاحتواء المزدوج

أظهرت التطورات السياسية في المنطقة خلال السبعينيات وما بعدها، أوجه القصور في سياسة الأقطاب المزدوجة، حيث وقعت العراق فريسة للاضطرابات السياسية الداخلية بها، بينما ظلت إيران والمملكة العربية السعودية محتفظتان بقوتهما اقتصاديًا وسياسيًا، إلا أن الثورة الإيرانية عام 1979، قد جعلت من إيران عدوًا شرسًا للولايات المتحدة بعد أن كانت حليفًا قويًا لها. وأثّرت حرب إيران – العراق على مدار ثمان سنوات، على المنطقة عامة، وعلى السعودية والكويت خاصة، مما جعل دول الخليج تتجه نحو اتخاذ أولى خطواتها في الدفاع عن المنطقة، بهدف تأمينها بدلًا من بناء معارضة عسكرية أخرى ضد الجارتين الشماليّتين (العراق وإيران).

في حين تسبب غزو العراق للكويت في بداية التسعينيات في تصعيد واسع النطاق للصراع العسكري الإقليمي، وبالتالي لم تعد العراق وإيران تصلحان كضامن للاستقرار في المنطقة، أو كحلفاء سياسيين للقوى الغربية، وكنتيجة لذلك تغيّرت السياسة في المنطقة من سياسة الأقطاب المزدوجة إلى سياسة الاحتواء المزدوج لكل من العراق وإيران، حيث ضعفت قوتهما اقتصاديًا وعسكريًا بسبب الحرب المتبادلة، على الجانب الآخر تم توقيع اتفاقيات دفاع مشترك بين دول الخليج والولايات المتحدة، تسمح بإنشاء القوات الأمريكية قواعد عسكرية لها في الخليج وشراء دول الخليج أسلحة أمريكية.

تغير المشهد الجيوسياسي لمنطقة الخليج خلال الألفينيات

العراق وازدياد خطر الصراعات الداخلية

كان لغزو الولايات المتحدة للعراق عام 2003 أثر كبير في تغيير المشهد الجيوسياسي لمنطقة الخليج، عانت العراق خلاله من نزاعات وانقسامات سياسية ضخمة بين السنة والشيعة، خاصة بعد تعيين حكومة نوري المالكي من قبل الولايات المتحدة، مما جعلها معتمدة بصورة كلية على عائدات تصدير النفط لتغطية احتياجاتها، وترتب على ضعف الدولة العراقية، والغلبة السياسية للفصائل الشيعية فيها، أن حُرمت الأنظمة العربية – الخليجية من شريك سُنّي مهم في المنافسة الاستراتيجية والجغرافية مع إيران.

إيران وسياسة التسلح النووي

خاضت إيران تاريخًا من الجدل النووي لعدة عقود، بسبب سعيها وراء الطاقة النووية لأكثر من 40 عامًا، كانت الولايات المتحدة تؤدي فيه دور الواقف بالمرصاد لأي توسع نووي لإيران، وسط شكوكها – القائمة على تقارير مخابراتها الأمريكية – بنية إيران في امتلاك برنامج سرّي للأسلحة النووية، إلا أن الأخيرة قد صرّحت بأن استخدامها للبرنامج النووي يعود لأغراض مدنية فقط، في حين استمر الجدل في التصاعد منذ عام 2002، باكتشاف قيام إيران ببناء منشآت نووية سريّة، من قبَل المعارضة الإيرانية في المنفى وذلك دون عِلم أو موافقة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما عدته الولايات المتحدة انتهاكًا من جانب إيران لمعاهدة منع الانتشار النووي.

وقد تدهورت العلاقات منذ ذلك الحين بين إيران والولايات المتحدة والهيئات الدولية الأخرى كهيئة الطاقة الذرية، تلا ذلك سلسلة من العقوبات المشددة التي فرضتها الولايات المتحدة على إيران، كان من أهم نتائجها أن تم فرض “القانون الشامل لمعاقبة ومحاسبة وسحب الاستثمارات من إيران” عام 2010 من قبل الكونجرس، أعقبه فرض عقوبات من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي تستهدف صادرات النفط الإيرانية والحد من أنشطة تخصيب اليورانيوم؛ لتدخل إيران بعدها في عزلة سياسية واقتصادية، لكن اطّراد الأحداث بين إيران والولايات المتحدة من ناحية، وبينها وبين دول الخليج من ناحية أخرى، قد ساعد في بروز وجود إيراني في دول الخليج، والذي تغاضى عن الاضطرابات السياسية، إلى التعاملات الاقتصادية وإمكانية وجود علاقة تجارية متبادلة في شكل برنامج للتسليح النووي في دول مجلس التعاون الخليجي، إلا أن هذا السباق بين دول الخليج في التسلح النووي قد لا يترك أية خيارات سياسية جيدة أمام الولايات المتحدة.

العصر الذهبي لدول الخليج كمركز للقوة الاقتصادية

أثرت الاضطرابات السياسية الموهنة على الجارتين الشماليتين (العراق وإيران) وأضعفتهما سياسيًا واقتصاديًا مما أتاح الفرصة لدول مجلس التعاون الخليجي بالظهور كمركز للقوة الاقتصادية، ليس فقط في الخليج الفارسي ولكن أيضا في الشرق الأوسط الكبير. يرجع ذلك إلى إيرادات النفط الضخمة فيها والتي جعلت منها الحليف الوحيد المستقر لدى الولايات المتحدة، وبالتالي تحول ميزان القوى من إيران والعراق إلى دول الخليج.

حدثت تغيرات ديناميكية في علاقات دول الخليج ببعضها، أدت إلى تعاون اقتصادي وسياسي بعيدًا عن الاختلافات الجوهرية بين تلك الدول، بالإضافة إلى التنوع الاقتصادي الذي حدث في عدة مجالات غير القطاع النفطي، كالسياحة، والثقافة، والعقار، والموارد المالية، لتصبح دول مجلس التعاون من أكثر الدول ثراءً في المنطقة بل امتد أثرها الاقتصادي إلى دعم أسواق المال الأمريكية، إلى جانب توسيع نشاطها السياسي في المنطقة، ومشاركتها في الأحداث المفصلية التي وقعت في الدول الشقيقة كمصر وسوريا وليبيا.

تزايد النفوذ الآسيوي

لم تعد دول مجلس التعاون الخليجي هي الشريك الاقتصادي والاستثماري الأوحد لدى الولايات المتحدة في المنطقة، بل كان لدخول الأسواق الآسيوية في المشهد أثره الكبير في جذب نظر الولايات المتحدة للأخيرة كشريك محتمل لها، وذلك بارتفاع حصة الاقتصادات الآسيوية في التجارة الخليجية، يرجع هذا الاهتمام الآسيوي إلى اعتماد كثير من اقتصادات شرق آسيا على صادرات النفط والغاز من دول الخليج، يأتي هذا الاهتمام في رغبة المستثمرين الآسيويين باقتحام الأسواق الخليجية ببضائع مختلفة من الغذاء والسلع المنزلية، وصولًا إلى التكنولوجيا الفائقة، وتعزيز الاتفاقيات التجارية الخليجية – الآسيوية، وبرغم نشوء تلك العلاقات في إطار تجاري اقتصادي فقط إلا أنها قد تمتد إلى علاقات واتفاقيات أمنية على المدى البعيد لتصبح منافسًا للولايات المتحدة في علاقتها مع دول الخليج، خاصة أن هناك رغبة واضحة من كلا الطرفين في الحفاظ على علاقات وثيقة.

العلاقات الأمريكية – الخليجية والربيع العربي

كان مجيء الربيع العربي – وإسقاطه للعديد من الأنظمة الديكتاتورية – اختبارًا غير متوقع للعلاقات الأمريكية – الخليجية، وتحولًا دراماتيكيًا للسلطة السياسية في العالم العربي، ويمكن القول إن دول الخليج قد نجت من تلك الثورات وضجتها السياسية نتيجة لثرواتها الاقتصادية الهائلة، وسياساتها الموجهة نحو النمو الاقتصادي والتوظيف، إلا أن تركها في وضع متناقض كونها الحصن الأخير المتبقي – بما في ذلك الأردن والمغرب – الذي لم يشهد ثورات شعبية. وعلى الرغم من ذلك، فإن الإطاحة بعدد من مراكز القوى السياسية والاقتصادية في المنطقة – أهمها مصر وسوريا – كان في صالح دول الخليج ونماء ثروتها النفطية.

في نفس الوقت، فقد أرسل أمر تخلي الولايات المتحدة عن نظام مبارك إشارات مهمة لدول الخليج، حول الدعم الأمريكي القوي لدول الخليج عسكريًا وسياسيًا في حال بروز مطلب شعبي لمزيد من الحقوق الديمقراطية في البلاد.

دروس وخيارات للسياسة الأمريكية تجاه دول مجلس التعاون الخليجي

من السياسة الأحادية المتشددة إلى السياسة التعددية الصريحة

لم تعد الولايات المتحدة الشريك الوحيد في المنطقة، بل أصبح هناك شركاء أوروبيون يرغبون في تعزيز العلاقات مع دول الخليج، فمع التدخل الفرنسي في المنطقة بإنشاء قاعدة لها في إمارة أبوظبي 2009، ورغبة المملكة المتحدة في تعزيز وجودها هي الأخرى بتشكيل تحالفات مع دول الخليج، بالتزامن مع تنامي المصالح الآسيوية في المنطقة بالتماشي مع استيرادها للنفط الخليجي، جعل منها شريكًا اقتصاديًا وسياسيًا لدول الخليج، لذا يرى الكاتب أنه على الولايات المتحدة أن تحاول التصالح مع هذا الواقع بشكل بنّاء، خاصة وأن دول الخليج خرجت من دور المتلقي فقط للمساعدات العسكرية الأمريكية، بعد أن ارتفعت باقتصاداتها وصادراتها النفطية وازدادت ثقتها بنفسها.

وضع حدود لاستراتيجية موحدة

بصرف النظر عن النزاعات المحلية التي قامت في بعض دول الخليج (كالبحرين 2011)، يرى الكاتب أنه ينبغي أن يستمر التعاون الأمريكي الأمني في دعمه غير المشروط لدول مجلس التعاون الخليجي. لكن يبقى السؤال في ماهية الشكل الذي سيتخذه هذا الدعم، هل ستدعم الولايات المتحدة الحكومة البحرينية أو الحكومات الخليجية في حال وجود نزاعات شبيهة على المدى الطويل؟ هل تدعم الحركات الديمقراطية الأمريكية المحتجين؟ يطرح الكاتب عدة إجابات محتملة لهذا التساؤل؛ فقد ينطوي دعم الولايات المتحدة على سياسة أمريكية تعددية بين دول الخليج، أو أحادية بحيث تسمح لتلك الدول حل نزاعاتها المحلية المتبادلة، بينما قد تنطوي الاستجابة المعقولة من قبل السياسة الأمريكية على تدريب السلطات المحلية على الاستراتيجيات العسكرية الناعمة للاستماع والرد على العناصر المحلية الساخطة.

التعاون الأمني واستخدام أدوات مبتكرة

يشير الكاتب إلى أن الحركات السياسية المؤيدة للديمقراطية داخل دول الخليج توضح أن الاستراتيجية العسكرية التقليدية وحدها لن تكون قادرة على احتواء الموقف. فكل تلك التحديات تستلزم سياسة مختلفة في الرد عليها، بعيدًا عن التعامل بالمدفعية الثقيلة والصواريخ مع الأزمات الداخلية.

وعلاوة على ذلك، فإن أي استراتيجية أمنية أمريكية في منطقة الخليج ينبغي أن تولي اهتمامها نحو الجهود التي تركز على المجالات الأخرى لاستقرار الاقتصاد الخليجي، عن طريق مساعدة دول الخليج في التخطيط وتنفيذ الإصلاحات الاقتصادية الضرورية، والحفاظ على تجارة مواتية للمناخ المحلي المفتوح، لتعزيز نموها الذاتي وخلق فرص عمل تساعد على استقرار محلي.

هل حان الوقت لترتيبات أمنية إقليمية جديدة؟

هناك جدل بأن وجود منتدى أمني إقليمي داخل منطقة الخليج أو منتدى خليجي إقليمي أوسع يشمل دولًا غير الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي – على غرار منتدى هلسنكي الأمني – من شأنه أن يساهم في تطوير آليات حل النزاعات الإقليمية والحد منها.

في حين يمكن أن يشمل منتدى كهذا دول مجلس التعاون الخليجي فضلًا عن العراق وإيران واليمن، تحت مظلة تنظيمية لا تختلف كثيرًا عن رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)، ولكن بتركيز أكبر على الجيش والتعاون الأمني بخلاف آسيان، إلا أنه قد يكون اقتراحًا غير واقعي إذا أخذنا في الاعتبار العداوات القائمة بين إيران ودول الخليج، أما ما يمكن اعتباره اقتراحًا واقعيًا هو خلق كيان أمني إقليمي يجمع بين دول الخليج وشركائها الغربيين (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا)، والذي سيساعد في ترتيب اجتماعات منتظمة لمناقشة المسائل الأمنية الإقليمية، وتعزيز الجهود التعاونية بينهم.

لمحة عن معهد الدراسات الاستراتيجية الأمريكية

معهد الدراسات الاستراتيجية هو معهد الجيش الأمريكي لأبحاث الأمن القومي والجغرافي الاستراتيجي والتحليل، يقوم بإجراء عدد من الأبحاث والدراسات لدعم مناهج كلية الحرب في الجيش الأمريكي الاستراتيجي، ويقدم تحليلًا مباشرًا للجيش ووزارة الدفاع، ويعتبر بمثابة جسر للمجتمع الاستراتيجي الأكبر.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد