قرر مجلس الاحتياطي الاتحادي الأمريكي (وهو يعادل البنك المركزي في دول أخرى) يوم الأربعاء الماضي رفع سعر الفائدة بمقدار ما بين ربع إلى نصف في المائة لأول مرة منذ عشر سنوات.

لكن، وعلى الرغم، من أن الزيادة يراها بعض غير المختصين بأنها طفيفة جداً، إلا أن هذه الزيادة لها تأثرات كبيرة اقتصادياً.

 

ما هو مفهوم سعر الفائدة؟

 

 

يقصد بسعر الفائدة هو ذلك السعر الذي يدفعه البنك المركزي على إيداعات البنوك التجارية. فسواء كان هذا الإيداع لمدة يوم واحد أو لمدة سنة كاملة فإن البنك المركزي يقوم بدفع فائدة معينة عليها.

هذا السعر يعد مؤشراً لأسعار الفوائد التي تقدمها البنوك التجارية التي لا يجب أن يقل سعر الفائدة الخاص بها عن سعر الفائدة الخاص بالبنك المركزي، بمعنى آخر فإنك عندما تودع مبلغا ما في حسابك البنكي فإن البنوك تعطيك فائدة عليه أعلى من الفائدة التي يمنحها البنك المركزي لهذه البنوك. في المقابل فإن هذه البنوك تستغل السيولة النقدية لديها في القيام بعمليات إقراض للمستثمرين بنسبة فائدة أعلى بالطبع من نسبة الفائدة التي ستمنحك إياها.

رفع نسبة الفائدة يعني بالتالي تقليص عمليات الاقتراض من البنوك؛ لأن سعر الفائدة على المستثمر يكون مرتفعا، وبالتالي تقل السيولة النقدية في السوق، وهذا يؤدي بالتالي إلى خفض نسبة التضخم وبالتالي خفض الأسعار، ويعد دليلاً على تعافي اقتصاد الدولة. البنوك المركزية تقوم بشكل مستمر بدراسة واقع النمو الاقتصادي في البلاد ودراسة المؤشرات الاقتصادية العالمية، وفي حالة تزايد النمو والانتعاش الاقتصادي فإن هذه البنوك تقوم باتخاذ قرارات (مثل قرار رفع الفائدة)؛ تهدف إلى التحكم والسيطرة على درجة النمو الاقتصادي بحيث يتناسب مع معدلات النمو السنوية.

 

التحكم في التضخم

 

 

عند حدوث أزمات اقتصادية في دولة ما، فإنها تقوم ببعض الإجراءات التنشيطية لإنقاذ الاقتصاد القومي من أزمته، ومن بين أبرز هذه الإجراءات هو قيام البنك المركزي بخفض أسعار الفائدة، حتى تشجع المستثمرين على أخذ قروض من البنوك التجارية والاستثمار في اقتصاد الدولة.

بعد فترة من الزمن يتعافى اقتصاد الدولة من أزمته، لكن تظل هناك كمية سيولة نقدية كبيرة بالأسواق نتيجة عمليات الاقتراض الكبيرة التي تمت، وإذا ما زادت السيولة النقدية في الأسواق عن النسب الطبيعية، فإن هذا يؤدي إلى التقليل من قوتها الشرائية وتسبب ارتفاعا في الأسعار، في هذه الحالة تتحول السيولة النقدية الزائدة إلى سبب مباشر في التأثير بالسلب على الاقتصاد.

هنا، تقوم البنوك المركزية بالتدخل لإعادة رفع أسعار الفائدة، وهو ما يؤدي إلى تقليل عمليات الاقتراض من قبل المستثمرين لارتفاع نسبة الفائدة على القرض، لكن في المقابل يشجع هذا القرار أصحاب السيولة النقدية لوضع أموالهم بالبنوك حتى يحصلوا على فوائد عالية على مدخراتهم.

القاعدة الاقتصادية التي تحدد نسبة الفائدة التي تقوم البنوك والمؤسسات المالية بالإقراض بموجبها تقول: إنه كلما كانت المخاطر التي ينطوي عليها الوضع المالي للمستدين عالية كلما كانت نسبة الفائدة كبيرة، والعكس صحيح.

ومن بين الآثار الرئيسة لرفع معدلات الفوائد البنكية هو تقليل مستوى الاستهلاك كنتيجة طبيعية لقلة الاقتراض فيؤدي لتقليص حجم الإنفاق الاستهلاكي. أيضاً فإن رفع نسبة الفائدة يقلص من حجم الاستثمار في الدولة كنتيجة طبيعية لارتفاع قيمة القروض.

 

لماذا تم رفع الفائدة؟

بدأ الاقتصاد الأمريكي في العامين الأخيرين التعافي بشكل جيد وملحوظ من آثار الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم عام 2008. وبالتالي فإن البنك المركزي الأمريكي يسعى من خلال الإقدام على هذه الخطوة إلى التأكيد على تعافي الاقتصاد الأمريكي من الأزمة المالية السابقة، وتعزيز ثقة المستثمرين في قوة أكبر اقتصادات العالم.

 

مشاكل للاقتصادات النامية

 

مع ارتفاع الفائدة الأمريكية فإن جميع الأصول التي تم تقييمها باستخدام الدولار الأمريكي تصبح أكثر جذباً للمستثمرين في جميع أنحاء العالم، هذا الأمر يؤدي بالتالي إلى ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي على حساب العملات الأخرى.

هذا الأمر ينعكس بالسلب على الاقتصادات الخاصة بالدول النامية مثل روسيا والبرازيل وتركيا. لماذا؟

ببساطة، لأن اختلاف نسب الفائدة سيصب في صالح الولايات المتحدة مما يؤدي إلى تدفق رؤوس الأموال من اقتصادات هذه الدول باتجاه الولايات المتحدة طمعاً في الفوائد الأعلى.

أمر آخر سينتج عنه متاعب للاقتصادات النامية، يتمثل في أن ارتفاع الفائدة الأمريكية سيؤدي إلى تراكم في أعباء الديون الدولارية على الدول التي أخذت قروضاً بالدولار الأمريكي، ما يعد ثقلاً جديداً على الأعباء التي يتحملها اقتصاد هذه الدول.

 

والذهب سيتأثر

 

نتيجة ارتفاع سعر الفائدة الأمريكية فإن أسعار الذهب تميل للانخفاض، ويرجع هذا الأمر إلى أن الاحتفاظ بالذهب سيكون أكثر تكلفة على المستثمر، كما أن ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي سيجعل الذهب (المقوم بالعملة الأمريكية) أكثر كلفة على أصحاب العملات الأخرى. كل هذه الأمور تجعل عمليات بيع الذهب أكثر من عمليات الشراء، فيزداد المعروض عن الطلب وتنخفض قيمة الذهب.

وقد كان من المتوقع منذ فترة طويلة إقدام البنك المركزي الأمريكي على خطوة رفع نسبة الفائدة، وهو ما أدى لانخفاض قيمة الذهب منذ شهور عديدة، وتشير التوقعات إلى عدم انخفاض سعر الذهب في الفترة القادمة بنسبة كبيرة خصوصاً وأن رفع الفائدة كان بنسبة ضئيلة.

 

البنوك المركزية الأخرى

 

في الوقت الذي يتجه في البنك المركزي الأمريكي إلى رفع الفائدة، تقوم غالبية البنوك المركزية حول العالم بخفض أسعار الفائدة في خطوة معاكسة، خصوصاً البنك المركزي الأوروبي والبنك المركزي الصيني. هذا الاختلاف يحمل الكثير من المخاطر ويحذر الاقتصاديون من آثاره السلبية على الاقتصاد العالمي.

رفع الفائدة يؤدي إلى رفع قيمة الدولار الأمريكي. هذا الأمر يجعل من قيام بعض البنوك المركزية حول العالم ببناء احتياطات من العملات الأجنبية شيئاً صعب التحقيق؛ وذلك لارتباط غالبية العملات الأجنبية الكبرى بالدولار. روسيا ستكون أحد هذه الدول بالتأكيد.

 

النفط

من المعروف اقتصادياً أن ارتفاع سعر الدولار يؤدي لانخفاض سعر النفط؛ لأن النفط هو إحدى السلع الأولية المقومة بالدولار، وعند ارتفاع سعر الفائدة فإن قيمة الدولار سترتفع مما يجعل قيمة النفط أغلى ثمناً، وهو ما يقوض الطلب فتهبط أسعاره.

بالطبع أضف إلى هذا سبب الانخفاض الرئيس المتعلق بزيادة المعروض من النفط نتيجة عدم اتفاق دولة أوبك على تخفيض الانتاج خصوصاً مع الإصرار الإيراني على ضخ كميات كبيرة من النفط في الأسواق بعدما تم رفع العقوبات التي كانت تقيد من صادراتها النفطية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد