محمد صلاح عبد الجواد 11
محمد صلاح عبد الجواد 11

541

في يناير(كانون الثاني ) الماضي أصدرت وزارة الخارجية الأمريكية تقريرها السنوي عن حالة حقوق الإنسان في كافة دول العالم، وجاء في التقرير اتهام صريح لحكومة كوريا الشمالية بممارسة  ما سماه التقرير «عقابًا جماعيًا» لأنها كانت تعتقل عائلة بأكملها وتفصل أفرادها عن بعض إن أجرم أحد أعضائها – طبقًا للقوانين في كوريا الشمالية – بمن فيهم من الأطفال!

واعتبر التقرير الأمريكي أن هذا الفعل هو فعل مضاد لقوانين حماية الأطفال العالمية، ولكن بعد شهور قليلة فقط نسيت حكومة الولايات المتحدة الأمريكية – فيما يبدو – قوانين حماية الأطفال العالمية، وأصبحت تمارس فعلًا في آلياته لا يختلف كثيرًا عن ما تفعله كوريا الشمالية؛ ألا وهو وهي فصل أطفال المهاجرين غير الشرعيين، وطالبي اللجوء بالقوة عن عائلاتهم، وإيداعهم مراكز تحرسها قوات الجيش الأمريكي،

وفي خلال الستة أسابيع الماضية قامت الحكومة الأمريكية باحتجاز ما يقرب من ألفي طفل، أي بمعدل 45 طفلًا يوميًا، وفي البداية كان يتم إيداع هؤلاء الأطفال في دور رعاية الأطفال الحكومية، ولكن مع زيادة العدد طبقًا  للسياسة الجديدة أصبحت الوجهة الجديدة للأطفال هي واحد من مراكز الاعتقال، الذي يكون مكان الاحتجاز في داخلها أقفاصًا حديدية كبيرة تشبه تلك التي كانت تستخدم في احتجاز المعتقلين في  معسكر «جوانتانامو» في بداية إنشائه. ويشير بعض المختصين إلى أن فصل الأطفال – الذين لا يزال بعضهم في مرحلة الرضاعة – عن آبائهم يجعلهم عرضة للإصابة بنوبات هلع، وأمراض نفسية قد تؤثر بالسلب على تكوين شخصيتهم في المستقبل.

احتجاز أطفال المهاجرين.. القشة التي قصمت ظهر البعير

في مؤتمر صحافي أذيع على الهواء مباشرةً، قام كلٌّ من مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي، ونيكي هيلي، سفيرة الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، بإعلان قرار حكومة دونالد ترامب بالانسحاب من مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، وجاء هذا القرار  بعد يوم واحد فقط من تصريح الأمير زيد بن رعد، المفوض السامي لمجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، والذي شجب فيه ما تفعله الحكومة الأمريكية على حدودها من فصل الأطفال القصر عن آبائهم اللاجئين أو المهاجرين غير الشرعيين الذين يحاولون الولوج بشكل غير شرعي إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وبعد هذا القرار انضمت الولايات المتحدة إلى إيران وكوريا الشمالية وإريتريا، وهي الدول التي لا تملك عضوية في المجلس بسبب رفضها لسياساته التي دائمًا ما تضعها في خانة «المعتدي» على حقوق الإنسان.

ولم تكن هذه الطريقة التي تتعامل بها الولايات المتحدة مع المهاجرين غير الشرعيين في الماضي؛ فكان  الكثير مِمَن يفشلون في الدخول إلى الولايات المتحدة من أجل طلب اللجوء عبر المعابر الرسمية يلجأون إلى التسلل إلى الولايات المتحدة  عبر المساحات بين المعابر الرسمية على الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك، ودائمًا ما ينجح أي شخص في التسلل، ولكن بعد التسلل تقوم قوات حرس الحدود الأمريكية بتوقيف من تستطيع القبض عليه، ثم تحولهم للتحقيق.

وخلال التحقيق تسأل المتسلل إن كان يخاف أي إضطهاد أو معاملة غير إنسانية في بلده الأم، وإن كانت الإجابة بنعم – وهي الإجابة المعتادة – يقوم ضابط الحرس باختيار أحد الخيارين: الأول هو أن يسمح للمتسلل وعائلته بالدخول إلى الولايات المتحدة وتحويلهم إلى قاض لكي يفصل في مسألة منحهم اللجوء أم لا. والخيار الثاني هو احتجاز العائلة بأكملها في مكان مخصص للمهاجرين غير الشرعيين لمدة 20 يومًا فقط، وبعدها يتم عرضهم على القاضي الذي يحدد أهليتهم للحصول على اللجوء.

ولكن كل هذا تغير مع سياسة «عدم التسامح» التي تبنتها حكومة دونالد ترامب، وبالأخص المدعي العام جون سيشن، وغيرت هذه السياسة من خيارات حرس الحدود في التعامل مع المتسللين؛ فتحول بعد أن كان يركز تحقيقه مع المتسللين على طلبات اللجوء، إلى التحقيق معهم بسبب ارتكاب – بحسب القانون الفدرالي – جنحة تسلل إلى أراضي الولايات المتحدة بشكل غير شرعي، وبعد انتهاء التحقيق يتم تحويل المتسللين البالغين إلى أحد السجون الفيدرالية الذي لا يسمح لأي معتقل أو مسجون باصطحاب طفله معه داخله، ولهذا السبب اشتغلت أزمة فصل الأطفال.

«هوارد شولتز».. بائع القهوة الذي قد يهدد دونالد ترامب في الانتخابات القادمة

كيف يصبح حال هؤلاء الأطفال بعد عزلهم بعيدًا عن عائلاتهم؟

في أبريل(نيسان) الماضي مع بداية تلك الأزمة قُدم تقرير لإحدى محاكم الولايات المتحدة، يفيد بأن الحكومة الأمريكية تقوم بحقن هؤلاء الأطفال بعقاقير ومخدرات تجعلهم يزيدون في الوزن، وغير قادرين على الحركة الكثيرة، فضلًا عن إيقاظهم أطول فترة ممكنة حتى يتمكنوا من متابعة التحقيق والدروس التأهيلية التي تخصصها لهم الحكومة الأمريكية داخل دور الرعاية أو أماكن الاحتجاز.

ومنذ أيام نشرت مجلة «بيزنس إنسايدر» الأمريكية تقريرًا يتضمن قصصًا مروعة يرويها أطفال عن إجبارهم  على استخدام تلك العقاقير والمخدرات، فإلى جانب أن كل القصص تجمع أن العاملين في أماكن الاحتجاز لم يعطوا للأطفال أسباب تناولهم تلك العقاقير، يشير أحد الأطفال أنه رأى أحد العاملين يستخدم العنف الجسدي لكي  يجبر مراهقًا من المحتجزين على أخذ هذه العقاقير بالقوة، وقال آخر: إن الأطفال في المكان الذي كان يُحتجز فيه في البداية كانت تكبل أيديهم بالأصفاد حين تأتي مواعيد الجرعات لكي لا يقاوم أحدهم، ويرفض تناول العقار.

وفي الأسبوع الماضي نجحت مجموعة من مؤسسات حقوق الإنسان في الولايات المتحدة بإرسال وفد كبير مكون من مجموعة مرموقة من أطباء الأطفال وأطباء الطب النفسي للأطفال، وبعد الزيارة قام هذا الوفد بإصدار بيان يشرح مدى سوء الحالة النفسية للأطفال في أماكن الاحتجاز، ويفيد البيان أنه بعد الكشف على مجموعة من هؤلاء الأطفال تبين إصابتهم بالتخبط النفسي والعاطفي الناتج عن فصلهم عن عائلاتهم، بالإضافة إلى سوء المعاملة التي يلقاها بعضهم في أماكن الاحتجاز، سواء من خلال شكل ظروف الحياة، أو من خلال الإجبار على تناول الوجبات والعقاقير والأدوية الطبية. وقد أصبح الكثير منهم يعاني من اضطراب في إفراز الهرمونات الجسدية، مثل هرمون النمو، الذي قد يؤدي أي اضطراب في إفرازه إلى تأخر في النمو العقلي والجسدي؛ مما لا يدع مجالًا للشك في أن هؤلاء الاطفال سوف يعانون من أمراض نفسية مدى الحياة بسبب احتجازهم بهذه الطريقة.

ما هي الأسباب التي بررت بها الولايات المتحدة قرار الانسحاب؟

«منذ وقت طويل أصبح مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان بالوعة الانحيازات السياسية وحاميًا لدول منتهكة لحقوق الإنسان»، هكذا بدأت نيكي هيلي سفيرة الحكومة الامريكية لدى الأمم المتحدة خطابها الذي أعلنت فيه انسحاب الولايات المتحد من مجلس حقوق الإنسان.

وبررت هيلي أن المجلس لم يعد يخدم الهدف الأساسي التي تم تأسيسه من أجله، وهو حماية حقوق الإنسان في العالم؛ وذلك لأنه لم يتخذ أي ردود أفعال حازمة ضد القمع الذي تمارسه الحكومة الفنزويلية ضد مواطنيها، فضلًا عن ردود الفعل المنافية لحقوق الإنسان – بحسبها – التي صدرت من  السلطات الإيرانية تجاه الاحتجاجات السلمية – كما وصفتها هيلي – وهي الاحتجاجات التي اجتاحت إيران في يناير(كانون الثاني) الماضي، وأضافت نيكي هيلي أن مجلس حقوق الإنسان يتحيز ضد دول أخرى بالأساس هي دول ديمقراطية، وتحترم حقوق الإنسان، بحسبها، في إشارة واضحة لموقف مجلس حقوق الإنسان المندد برد الفعل العنيف الذي بدر من إسرائيل ضد المظاهرات التي خرجت على حدود غزة تطالب بحق عودة الفلسطينيين إلى أراضيهم، والتي راح ضحيتها قرابة 50 شخصًا، وأصيب أكثر من ألف فلسطيني.

وفي الحقيقة أن إسرائيل ليست فقط نقطة خلاف بين حكومة ترامب وبين مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة فقط، بل بينها وبين مجلس الأمن والأمم المتحدة ككل، وذلك منذ أن صوتت الدول بالإجماع ضد قرار دونالد ترامب بنقل سفارة الولايات المتحدة من تل أبيب إلى القدس، وهي الخطوة التي تعني اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة إسرائيل، وليست فلسطين.

اقرأ أيضًا: ثورة أم مجرد مظاهرات عادية؟ 7 أسئلة تشرح لك ما يحدث في إيران

لم يكن هذا الصدام الأول بين أمريكا ومجلس حقوق الإنسان

الخلاف بين الولايات المتحدة الأمريكية لم ينشب مؤخرًا فقط، بل من قبل تأسيس المجلس، عندما كان فقط مجرد لجنة في الأمم المتحدة، كان هناك الكثير من المناوشات والآراء المعارضة بين الطرفين بسبب الكثير من القرارات التي كانت في الكثير من الأحيان تتضاد مع سياسات وقرارات الولايات المتحدة الأمريكية.

وفي عام 2006 قررت الأمم المتحدة تحويل اللجنة التي طالما طالتها الكثير من الانتقادات إلى مجلس رسمي ينعقد في العاصمة السويسرية جنيف، ومع ذلك رفض جورج بوش الرئيس الأمريكي آنذاك الانضمام للمجلس أو الترشح على مقعد ضمن الـ74 مقعدًا الذين يتم انتخابهم كل ثلاث سنوات، ولم تنضم الولايات المتحدة للمجلس، إلا عام 2009 خلال العام الأول لرئاسة باراك أوباما، الرئيس الأمريكي السابق.

وفي عام 2013 عادت الخلافات لتشتغل مرة أخرى بين مجلس حقوق الإنسان وحكومة أوباما؛ بسبب انتخاب السعودية الصين وروسيا والجزائر وفيتنام أعضاءً في البرلمان، وهي الدول التي ترى الولايات المتحدة أنها لا تحقق الحد الأدنى من احترام حقوق الإنسان، سواء على الصعيد الخارجي أو الداخلي.

على جانب آخر منذ أصبح دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، انسحب من الكثير من الاتفاقيات والمنظمات الدولية التي كانت الولايات المتحدة طرفًا أساسيًا فيها، مثل اتفاقية باريس للتغيير المُناخي، والاتفاق النووي الإيراني، واتفاقية الشراكة التجارية مع دول المحيط الهادي الذي وقعها باراك أوباما، فضلًا عن الحرب التجارية التي اندلعت بين الصين والولايات المتحدة بسبب تغيير ترامب للسياسة التجارية بين البلدين بقراره الذي رفع به التعريفات الجمركية على المنتجات الصينية، ولا أحد يدري إن كان يفعل ترامب ما هو في صالح الولايات المتحدة من وجهة نظره – بالفعل – أم هو فقط يفعل كل ما يضاد سياسات الرئيس السابق باراك أوباما!

وصفها بـ«بؤر القذارة».. كيف تنظر أمريكا إلى أفريقيا في عهد ترامب على أرض الواقع؟