مقتطفات من تقرير «مأساة الجيش الأمريكي» للصحفي «جيمس فالوس» لمجلة «The Atlantic» مع معلومات من مصادر إضافية

إذا كنت أُعيد كتابة تاريخ الجيش الأمريكي الآن فسأُطلق عليه تاريخ «أمة المُقاتلين من منازلهم»؛ فهذا ما نقوله عن الذين يتحمَّسون للحرب طالما كان من سيعرض حياته إلى الخطر أي شخصٍ غيرهم. من قال إن نظرتنا إلى جنود الجيش كأبطالٍ يعني أن نُلقي بهم في أتون حربٍ لا تنتهي، ولا يمكننا أن نفوز فيها؟

«أمة المقاتلين من منازلهم» لا تنفَك عن الدخول في الحروب، وخسارتها.

دخلت الولايات المتحدة الأمريكية – كدولةٍ- في حروب متواصلة في السنوات الـ 13 الأخيرة، لكن المواطنين الأمريكيين لم يفعلوا. أقل من 1% فقط من الأمريكيين هم من شاركوا في القتال في أفغانستان أو العراق منذ بداية «الحرب على الإرهاب». في المقابل، بنهاية الحرب العالمية الثانية، كان حوالي 10% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية يرتدون الزي العسكري في ساحات القتال، لكن الشعب الأمريكي حينها كان يُدرك الحد الفاصل بين احترام المؤسسة العسكرية وأفرادها، وبين تقديس الجيش وجنوده.

يمكن التعبير عن الاتجاه السائد في حديث السياسيين والمواطنين الأمريكيين عن جيش بلادهم بالقول: «نحن نحب قواتنا، لكننا لا نحب الحديث عنهم». قد يعتقد البعض أن هذا الاتجاه هو غريزة أمريكية متأصلة، لكن هذا ليس صحيحًا؛ فحتى في عهد الرئيس الأسبق «أيزنهاور» (1953-1961)، الذي كان يحمل أرفع رتبة عسكرية أمريكية «جنرال بخمس نجوم»، لم يكُن أحدٌ، حتى الرئيس نفسه، ينظر إلى الجيش الأمريكي باعتباره قوةً لا تُقهر، ولا يجب الحديث عن عيوبها.

قال «أيزنهاور» آنذاك:

«كل بندقية نصنعها، وكل قذيفة نطلقها، تُمثل سرقةً من الجوعى، والعرايا، والذين يموتون بردًا… يجب أن نحذر جميعًا من حيازة شبكة العلاقات بين الدوائر العسكرية والمؤسسات الصناعية على نفوذ غير مُبرر… إننا، في كل مدينة، وفي كل مكتب حكومي، وفي كل منزل، نشعر بنفوذ هذه الشبكة في كافة جوانب حياتنا: الاقتصاد، والسياسة، وحتى الدين».

كم ينفق الأمريكيون على الحروب؟

الجيش الأمريكي هو ربما أرفع الجيوش إعدادًا، وتدريبًا، وتسليحًا في التاريخ. كل هذا يكون حقيقًا وواضحًا حتى تأتي الحرب. لقد هُزمنا عدة مرات على يد مجموعات مقاتلة أقل تسليحًا، وتدريبًا، وتمويلاً من الجيش الأمريكي. ربما نكون قد ربحنا معركة هنا أو جولة هناك، لكننا لم نربح حربًا واحدة في العقود الماضية.

لا يوجد اتفاقٌ بشأن تحديد رقم دقيق لتكلفة السنوات التي قضيناها في العراق وأفغانستان، والدول المجاورة لهما، لكن المؤكد هو أن التكلفة لن تقل عن تريليون ونصف التريليون دولار أمريكي (1,500,000,000,000)؛ وتُقدرها «ليندا بيلميز» من جامعة «هارفارد» بثلاثة أو أربعة أضعاف هذا الرقم.

تبلغ ميزانية الجيش الأمريكي في عام 2015 أكثر من 750 مليار دولار أمريكي، لكن حجم الإنفاق عادةً ما يفوق الميزانية المُخصصة في بداية كل عام مالي. في عام 2010، بلغ الإنفاق على الجيش الأمريكي 850 مليار دولار.

في أطول فترة حربٍ قضتها الولايات المتحدة الأمريكية في تاريخها الحديث، لم تُحقق إلا انتصارًا واضحًا واحدًا: المهمة العسكرية التي أدت إلى قتل «بن لادن».

كل الانتصارات التكتيكية والاستراتيجية الأخرى، حتى إسقاط «صدام حسين» والقبض عليه، لم تؤدِ إلى استقرار في البلاد التي دخلتها أمريكا بالحرب، ولم تُعزز من مصالحها في منطقة الشرق الأوسط. حين استولى تنظيم «الدولة الإسلامية في العراق والشام» على مناطق واسعة من العراق في العام الماضي، كانت قوات الجيش العراقي، التي أنفقت أمريكا مئات الملايين على تدريبها وتسليحها لمدة خمسة أعوام، هي من ألقت أسلحتها واستسلمت أمام مجموعة من المقاتلين غير المحترفين.

لكن كل هذه النفقات العسكرية لا تقتصر على الحروب المباشرة فقط. تستمر تكلفة المعدات والأبحاث العسكرية في الصعود بشكل متسارع، دون أي مناقشة مجتمعية، ودون أي محاولة من جانب السياسيين لإيقاف هذا الجنون. سيبلغ مجموع الإنفاق الأمريكي على «الأمن القومي» في العام القادم أكثر من تريليون (ألف مليار) دولار أمريكي. وبحساب التضخم، سيبلغ مجموع الإنفاق أكثر بـ 50% مما كانت تنفقه أمريكا على الدفاع – في المتوسط- خلال سنوات الحرب الباردة وحرب فيتنام.

ارتفاع تكلفة التكنولوجيا العسكرية يتزامن مع انخفاض كبير في تكلفة التكنولوجيا في الأغراض المدنية؛ ولا يبدو أن ثمَّة أحدًا مهتمًا بهذا الأمر.

سنأخذ مثالاً واحدًا فقط: مشروع إنتاج طائرة F-35، الذي كان من المفترض أن يُنتج قاذفة عسكرية هي الأقوى والأكثر تميزًا في التاريخ، لكنه انتهى بمشكلات كبيرة في التصميم، والإطلاق، والتشغيل؛ حمَّلت دافعي الضرائب الأمريكيين خسائر تُقدر بحوالي تريليون ونصف التريليون دولار أمريكي، أي ما يُعدل تكلفة الحرب في العراق بالكامل.

يشرح هذا الفيديو القصير كيف يتصاعد الإنفاق على التكنولوجيا العسكرية، بما لا يتوافق مع قيمة هذه المعدات والخصائص على واقع الحرب.

العلاقات المدنية العسكرية

لكل مؤسسة عيوبها؛ لذا فإن المؤسسة العسكرية كانت تتعرض إلى انتقادات في كافة مراحل التاريخ الأمريكي: انتقدها البعض قائلين إن تمويلها مبالغٌ فيه، وآخرون قالوا إنها غير مُجهزة لخوض الحروب، وإنها تعمل خارج رقابة الشعب، أو إن الفساد قد طالها بشكل أو بآخر. لكن الفرق الآن هو أن الشعب الأمريكي قد ارتضى تقديم دعم غير مشروط – بالكلام فقط– للجيش، واعتبر أن «الحرب من المنازل» هي استراتيجية عسكرية مُناسبة.

يدعم الأمريكيون الآن الجيش الأقوى في العالم، بتكلفة مالية وإنسانية هائلة. لكن كل هذا يقع خارج نطاق الممارسات الديمقراطية المعتادة؛ فليس لأحد أن يدلي بدلوه في الشؤون العسكرية إلا فئة محدودة من الشعب.

لكن غياب الرقابة الشعبية – أو حتى الاهتمام– على ما يحدث داخل الجيش قد أدَّى إلى استفحال الأزمات الاستراتيجية والمؤسسية فيه.

يقول الأدميرال «مايك مولن»، رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية سابقًا في إدارتي «بوش» و«أوباما»:

«المرة القادمة التي نذهب فيها إلى الحرب يجب أن يقول الشعب الأمريكي «نعم». وهذا يعني أن كل فرد من أفراد شعبنا، الذي يقارب عدده نصف مليار إنسان، سيُفرض عليه أن يكون مشتركًا في الحرب بشكل أو بآخر، حتى وإن لم يكن جنديًا في الجيش. هذا هو ما سيجعل أمريكا تدخل الحرب حقًا. لم تدخل أمريكا الحروب السابقة؛ ونحن ندفع ثمن هذا الآن.

أنا قلقٌ بشأن انفصال الجيش عن الشعب الأمريكي. لا أشكك بشأن قدرات الجيش الأمريكي أو مهنيته، لكنني قد أضحي ببعضٍ من هذا في سبيل بناء جسور بين الشعب والجيش بشكل أكبر. لا تجد الكثيرين الآن لديهم أي أحد من معارفهم في الجيش. لقد أصبح من السهل جدًّا الدخول في الحرب».

في عام 2011، طلب الرئيس «باراك أوباما» من أكثر أعضاء الحزب الديمقراطي خبرةً في شؤون إصلاح المؤسسات العسكرية «جاري هارت»، وفريق مُصغر من خبراء الحزبين الديمقراطي والجمهوري، إعداد تقرير سري يُرفع إليه شخصيًّا، يشمل توصيات بشأن ترتيب أوضاع وزارة الدفاع «البنتاغون» وسياساتها. يقول التقرير:

«يجب علينا استعادة العلاقات المدنية العسكرية. يجب أن يقوم الرئيس، باعتباره القائد الأعلى للقوات المسلحة، بمهمته في شرح دور الجندي للمواطن، وشرح دور المواطن للجندي. إن العلاقة التقليدية بين الجيش والمدنيين قد أصبحت متوترة وغير مُحددة بشكل دقيق. تبتعد سياساتنا العسكرية أكثر فأكثر عن المجتمع الذي يُفترض بها حمايته؛ فيجب أن نستعيد التناغم بين المجتمع والقوة التي تحميه».

يقول الجنرال المتقاعد «تشارلز دونلاب»: تتشكَّل في أمريكا الآن «قبيلة عسكرية»؛ فالجنود المنضمون إلى الجيش الأمريكي يأتون من عائلات معروفة، ومجموعات صغيرة مُحددة. يمكنك القول إن الأمر أصبح تقليدًا عائليًّا، على خلاف ما نحب أن نعتقد أن مبادئ الديمقراطية تفرضه على المواطنين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد