يُضرَب رجل صيني في الـ84 من عمره؛ لأنه خالف قوانين المشاة. يُقتل رجل آخر؛ لأنه كان يمسك بيده مضرب جولف، اشتبه في كونه سلاحًا. آخر قُتل؛ للاشتباه في بيعه سجائر غير مُرخصة. كل ذلك وأكثر، حدث في الولايات المتحدة الأمريكية، على يد عناصر شُرطتها.

الأمريكان، الذي يُتغنى بحقوق الإنسان لديهم، لا يستطيع كثير منهم التنفس! هكذا كان الشعار الاحتجاجي الذي صاغه «يبرون جيمس»، لاعب السلّة، على قميصه الرياضي. كتب تحديدًا: «لا أستطيع التنفس»، في إشارةٍ إلى العنف الممارس من قبل الشرطة الأمريكية. لقد اعتاد الأمريكان على رؤية ضباط الشرطة في أزيائهم العسكرية، راكبين عرباتهم المُدرعة، وحاملين أسلحتهم الأوتوماتيكية، يشنون عمليات مداهمة ذات طابع عسكري؛ يُحطمون الأبواب، ويُلقون القنابل على أَسرّة الرُضّع أثناء بحثهم عن مُشتبهين.

عسكرة الشرطة الأمريكية.. هكذا كانت البدايات

«إذا ما ألبست رجلًا لباس جندي، وأعطيتَه سلاحًا، ودرّبتَه كما تُدرب جنديًا، ودفعته إلى الشوارع، وقلت له إنه يخوض حربًا، فإن ذلك سيؤثر في عقليته«، اختزل هذا التعقيب،المختصر للصحافي الأمريكي «رادليبولكو»، حقيقة الواقع الذي يُمارس على كل شرطي أمريكي، يُطلق للعمل على أرض الولايات المتحدة الأمريكية.

جهاز الشرطة

فعناصر الشرطة الأمريكية،اليوم تطلق نيران أسلحة جيش على مواطنين بشكل متكرر، وخطير، وعشوائي. مواطنون لا يشكلون أي خطرٍ مباشرٍ،بل كانوا أبرياء لدرجة أن حجة الخطر ظهرت سخيفة للغاية، كما تؤكد الوقائع المتعددة التي أصبحت تلتقطها الكاميرات، والتي تظهر أن عنف عناصر الشرطة الأمريكية،بات معتادًا أمام عيون المواطنين.

رصد تقرير، لمنظمة العفو الدولي، استخدام الشرطة الأمريكية لقنابل غازٍ مُحرمة دوليًا؛ في مواجهة الاحتجاجات الشعبية. المبالغة في المداهمات، سمة أصيلة أيضًا، ففي عام 2011، شهدت ولاية أريزونا، مداهمة وحدة شرطية، لرجل أعزل، بدبابة عسكرية. وفي إحدى المرات، تدخلت فرقة «سواتSWAT» المميزة، في إحدى عمليات المداهمة بولاية أتلانتا؛ لتلقي، دون إدراكٍ لأي عواقب، قنبلة يدوية، على منزل، فتصيب سرير طفل في الثانية من عمره.

يقول الصحافي الأمريكي، ومُؤسس موقع «إنترسبت» الأمريكي، جلين جرينوالد إن «العسكرة المكثفة لقوات الشرطة الأمريكية، هي التهديد الأكبر الذي طالما حاولت المنظومة الإعلامية في أمريكا، التعتيم عليه والتقليل من شأنه؛ فعسكرة الشرطة المدنية تزيد من مخاطر تبني أفراد الشرطة للعقيدة العسكرية، واعتبار الأشخاص الذين هم في خدمتهم، أعداءً للوطن، يجب التعامل معهم بالقوة».

لم تأت تصرفات الشرطة الأمريكية السابقة، إلا بكل ما وفره لها القانون والسياسة الأمريكية؛ فهي تتملك معدات وأسلحة على قدر من الشبه بما يمتلكه الجيش، لذا تعد المروحيات، والعربات المدرعة، والمتفجرات، والرشاشات، ونظارات الرؤية الليلية، وكواتم الصوت، معدات مسموحًا بها للشرطة الأمريكية. وتتكفل وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، بتوفير 35 بليون دولار للشرطة المحلية، وعلى وزارة الدفاع الأمريكية توفير المركبات المدرعة، والبنادق، وكل المعدات المتبقية من الحروب التي تخوضها الولايات المتحدة خارج حدودها.

وقُدّر ثمن تلك الأسلحة والمعدات، منذ أن أقر الكونجرس برنامج لنقل المعدات العسكرية الثقيلة من الجيش إلى الشرطة، بحوالي 4.2 مليار دولار، فوزارة الدفاع الأمريكية «البنتاجون»، أطلقت في 1997 برنامج «1033»، كوسيلة لإمداد الشرطة المحلية بمخزونها الفائض من المعدات العسكرية مجانًا. هذه الوزارة هي أيضًا من سلمت أسلحةً لقمع محتجي «فرجسون»، للشرطة الأمريكية.

وتعد المفارقة الأهم، أن كل هذا العنف، من قبل الشرطة الأمريكية، يأتي في وقت بطُلت فيه حجة أن العنف يأتي في سبيل مواجهة المخاطر المحدقة بعناصر الشرطة الأمريكية. يُفنّد ذلك مؤلف كتاب «صعود الشرطي المحارب: عسكرة قوات الشرطة الأمريكية»، الكاتب «راديلي بالكو»، بقوله: إنّ «هذه المقولة، تمثل نقيض الحقائق التي تظهرها إحصاءات مكتب التحقيقات الفيدرالي». ويدلل الرجل على ذلك بالأرقام؛ إذ سجل عام 2013 – على سبيل المثال – أدنى معدل للقتلى من الضباط العاملين في الخدمة خلال 50 عامًا الماضية، قتل نحو 27 ضابطًا، وهذا يعني حسب بالكو، أن «عدد القتلى من رجال الشرطة، أخذ يتناقص منذ منتصف 1990، وهو ما يتفق مع الانخفاض العام لمعدل جرائم العنف في أمريكا».

أرقام قد لا تُصدق!

«قُتل 1152 شخصًا على الأقل، العام الماضي في الولايات المتحدة»، هذا العدد الضخم من القتلى، لم يكن نتيجة لحوادث الطرق، ولم يسقط القتلى أيضًا نتيجة لحوادث الطبيعة الغاضبة في الولايات الأمريكية، كما أنهم لم يسقطوا في حوادث «إرهابية». لقد قُتل هؤلاء في حالات متفرقة على أيدي الشرطة الأمريكية.

كان أمر إحصاء حوادث قتلهم، سهل على صحيفة «الجارديان» البريطانية، التي تمكنت من رصد عدد وأسماء القتلى على يد قوات الشرطة الأمريكية، بين شهر يناير (كانون ثاني) 2015، حتى يونيو (حزيران) 2015، فقد كان عددهم 467 حالة. المفاجأة أيضًا أن الغالبية من هؤلاء القتلى، ليسوا من ذوي الأصول الإفريقية، الذين اعتيد على سماع قصص قتلهم لاعتبارات عنصرية؛ إذ جاء الأمريكيون البيض في المرتبة الأولى، بقائمة حالات القتل التي أعدتها الجارديان. كانوا  236 حالة، من أصل 467، أما الأمريكيون من ذوي الأصول الإفريقية، فكانوا في المرتبة الثانية؛ إذ قتل منهم 135 شخصًا.

التقارير الحقوقية تعتبر أن وتيرة العنف الشرطي بالولايات المتحدة الأمريكية، تصاعدت في عام 2015؛ لأن حالات القتل في هذا العام، فاقت أكثر من مرتين ما سُجل في السنوات العشر الأخيرة، فسجلات مكتب التحقيقات الفيدرالي ترصد مقتل 400 سنويًا برصاص الشرطة، وإذا ما تم الحديث بتفصيل أكثر عن بعض شهور هذا العام، يمكنا القول إن يناير(كانون الثاني) 2015، سجلت 90 حالة قتل لمواطن أمريكي، على يد الشرطة الأمريكية. أما شهر مارس (آذار)، فوصلت أعداد جرائم القتل التي ارتكبت على يد عناصر الشرطة الأمريكية، إلى أعلى مستوياتها، مُسجلةً 114 حالة؛ وذلك بسبب الاحتجاجات، التي فضتّها قوات الشرطة.

وفيما يتعلق بتوزيع حالات القتل تلك على الولايات الأمريكية، فقد احتلت ولاية كاليفورنيا المرتبة الأولي في عدد جرائم القتل، التي ارتكبتها الشرطة، بواقع 74 حالة، جاءت بعدها ولاية تكساس، بعدد 46 حالة، ثم ولاية فلوريدا بعدد 29 حالة، بينما سجلت واشنطن العاصمة عدد 11 حالة.

ما هي فِرَق الشرطة الأمريكية؟

يسمح النظام السياسي الفيدرالي في الولايات المتحدة الأمريكية، لكل ولاية من الولايات الـ50 بسَن أنظمة مستقلة، لذلك فلكل ولاية قسم شرطة خاص بها، ولكل مدينة داخل الولاية قسم شرطة خاصة بها، لا يستطيع التدخل في أمور خارج المدينة؛ إذ يقع على عاتق القوة التابعة للولاية ككل فقط القيام بمهمات داخل المدن، حتى بوجود الشرطة المحلية. وتتميز القوة التابعة للولاية بأنها ذات تدريب وتجهيز أضخم وأقوى من فرق التدخل السريع، الموجودة داخل المدن؛ فهي تتملك الدبابات والأبراج الدوارة، والأسلحة الأوتوماتيكية.

إن أهم ما يميز الشرطة الأمريكية، هو وجود فرق تدخل سريع لها امتيازات خاصة. أنشئت أول تلك الفرق عام 1967، وتحديدًا في قسم شرطة لوس أنجلوس. وحُددت مهامها في البداية، للعمل على حالات الطوارئ، كمواجهة أعمال الشغب، وحالات احتجاز الرهائن، لكن سرعان ما تغير الأمر كليًا، وأصبحت هذه الفرق تستخدم لمواجهة تجار المخدرات والمروجين. وبعد أن كانت فرق الصفوة تُشكِّل في أوائل الثمانينيات، حوالي خُمْس دوائر الشرطة، ارتفعت بحلول عام 1998، إلى 80%، وزادت عمليات المداهمة التي تقوم بها إلى ما نسبته 1400% منذ الثمانينيات، أي أن هذه الفِرَق أدت 50 ألف عملية مداهمة سنويًا. وبعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، عكفت إدارات الشرطة في المدن الأمريكية الصغيرة، على إنشاء وحدات خاصة مجهزة ومدربة.

وأنفقت خمس وكالات فيدرالية أمريكية، 18 مليار دولار على برامج تتضمن تزويدها بـ92442 سلاحًا صغيرًا، و44275 جهاز للرؤية الليلية، و5235 سيارة «همفي»، و617 مركبة مقاومة للألغام، و616 طائرة. ويمكن لهذه الفرق، في حالة معاناتها من ضائقة مالية، الحصول على الأسلحة مجانًا؛ وكل ما عليها القيام به هو دفع تكلفة الشحن فقط.

ومن أقوى فرق التدخل السريع في الولايات المتحدة، بل على مستوى العالم، هي فرقة «سواتSWAT»، التابعة لمكتب التحقيقات الفيدرالي  (FBI)من بين 56 مكتبًا فيدراليًا تتبع له هذه الفرق؛ إذ يخضع عناصرها لتدريب عالي الكفاءة، من حيث الإمكانيات اللوجيستية المتوفرة. هذه الفرقة تشن يوميًّا حوالي 124 غارة شبه عسكرية في الولايات المتحدة؛ وفقًا لتقرير جديد، صادر عن الاتحاد الأمريكي للحريات المدنية، ويتم اختيار نخبة من أفراد فرقة التدخل السريع من كل ولاية، يتم إخضاعهم لتدريبات قاسية؛ ليكونوا نخبة النخبة.

تبرئة القضاء الأمريكي

تتغنى وسائل الإعلام، بعدالة القضاء الأمريكي؛ لأنه أنصف رجلًا تعرض للفظ عُنصري، وقضى بعقاب شخصٍ؛ لأنه عامل قطّة بعنف، وعوّض آخر بملايين الدولارات؛ لأنه أكل طعامًا غير جيد، أو لأن خصوصيته انتُهكت.

https://www.youtube.com/watch?v=iL9zQ-tssRg

نفس القضاء، برّأ أربعة رجال شرطة أمريكيين، بولاية كاليفورنيا، بعد عام واحدٍ من محاكمتهم. الرجال الأربعة، قاموا عام 1991، بضرب رجل من أصول إفريقية، يُدعى رودني كينج (توفي مُؤخرًا)، وذلك بسبب قيادته السيارة بسرعة. في البداية صعقوه بالكهرباء عدة مرات، كما يظهر التسجيل المصور، ثُمّ تعرضوا له بألفاظ عنصرية.

على كُل حال، يُمكننا الاستشهاد بالعديد من الحوادث التي تعج بها وسائل الإعلام الأمريكية، ففي 17 يوليو (تموز) 2014، قُتل «إيرك كارنر»، في مدينة نيويورك، لمجرد الاشتباه في كونه يبيع سجائر غير مدفوعة الضرائب، ومع ذلك، بُرّئ الضابط «دانيل بانتيلو»، الذي قتله خنقًا على الرصيف. بُرّئ رغم أن الحادثة مُسجلة صوتًا وصورةً، والقتيل يستنجد: «لا أستطيع التنفس»، ورغم ذلك اعتبرته لجنة محلفي محكمة نيويورك العليا غير مُذنب.

القضاء الأمريكي الذي خرج بهذه الأحكام، وغيرها، مدعوم بقانون يُسوّغ ويبيح تلك الأعمال. وقد أقرت وزارة العدل الأمريكية بأنه «ليست هناك عواقب واضحة لسوء السلوك بين الضباط، ولذلك يقل الالتزام بينهم فيما يخص قوانين استخدام العنف». ويستشهد تقرير صدر عن الوزارة، بما يحدث في قسم شرطة كليفلاند؛ إذ يظهر التقرير أنه خلال ثلاث سنوات ونصف، تم التحقيق مع 51 شرطيًا أمريكيًا فقط، لتجاوزاتهم، من أصل 1500 آخرين. بل إن التقرير يأتي بما يمكن وصفه بالاستخفاف بتعامل القضاء الأمريكي مع عنف الشرطة؛ إذ عوقب معظم هؤلاء لـ«عدم التزامهم بإجراءات محددة، مثل كتابة التقارير، أو عدم إدانة من قبضوا عليهم، وليس لأجل العنف المفرط، والذي يندر بشدة أن يتم تحقيق مع ضابط بسببه«، حسب تقرير وزارة العدل الأمريكية.

ويؤكد تقرير وزارة العدل الأمريكية أن «ضباط الشرطة (في كليفلاند) يعملون وفق هواهم تمامًا، وكثيرًا ما يستخدمون درجة غير ضرورية من العنف، بشكل منافٍ للدستور، وهو أمر تُجيزه قياداتهم، بل تشجعه في بعض الأحيان». ويوضح التقرير أن«الضباط قليلًا ما يخضعون للإشراف والإرشاد والدعم، من قبل قسم كليفلاند، والذي يتركهم ليحددوا بأنفسهم كيفية الاضطلاع بمهام صعبة وخطيرة أحيانًا. كما فشل قسم كليفلاند في التحقيق مع الضباط المتجاوزين بشكل كامل ومحايد، وتوفير التدريب والمعدات اللازمة للضباط ليقوموا بعملهم بشكل أكفأ وأكثر أمانًا، وتبني سياسات أمنية أفضل تجاه المجتمع المحلي».

عنف ولكن..

وبينما لا تكف مراكز حقوق الإنسان الأمريكية عن التنديد بما ترتكب الحكومات العربية ضد شعوبها، يتضح أن  الحكومة الأمريكية التي تساعد بقوانينها وقراراتها الشرطة الأمريكية على العنف تقف أيضًا وراء وحشية الشرطة في الدول الحليفة.

إذ ترسل لمصر، على سبيل المثال، أكثر من مليار دولار سنويًا تحت بند مساعدات أمنية. هذه المساعدات تُستخدم بشكل واضح لقمع المعارضين السياسيين، الذين تحوي السجون الأمريكية أمثالهم من الأمريكيين. السجون الأمريكية، تحتوي أيضًا مُحتجزين لأسباب دينية وعرقية، فقد استخدمت الأجهزة الأمريكية قانون مكافحة الإرهاب، الصادر بعد هجمات سبتمبر (أيلول) 2001؛ لتسويغ اعتقال عدد من الناشطين السياسيين. ووصل الأمر إلى مهاجمة المطالبين بنزع سلاح الشرطة الأمريكية، ومطالبتهم بالعدول عن مطالبهم، في ظل وجود تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، فتسلح الشرطة الأمريكية يؤدي غرضًا ما في مواجهة هذا التنظيم.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد