انتهى مساء الجمعة اجتماع أمريكي روسي مطول دون الوصول لاتفاق نهائي بشأن الأزمة السورية، «مع تحقيق وضوح في المضي نحو المستقبل»، في ظل صعوبة جهود الفصل بين المعارضة و«الإرهابيين» بسوريا، قبل أن تتعقد تلك الجهود مع اشتداد الحرب التركية الكُردية شمالي سوريا.

انتهى مساء الجمعة الماضية، الاجتماعٌ الأمريكي الروسي مطول، دون الوصول إلى اتفاق نهائي بشأن الأزمة السورية، «مع تحقيق وضوح في المضي نحو المستقبل»، في ظل صعوبة جهود الفصل بين المعارضة والجماعات «الإرهابية» في سوريا، قبل أن تتعقد تلك الجهود مع اشتداد الحرب التركية الكُردية شمالي سوريا.

أجندة الاجتماع الأمريكي الروسي وخلفياته

اجتمع وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، يوم الجمعة الماضية، مع نظيره الروسي سيرجي لافروف، والمبعوث الأممي لسوريا ستيفان دي ميستورا، بالمدينة السويسرية جينيف، في اجتماع مطول استمر حوالي 10 ساعات.

واعتمدت أجندة الاجتماع على مناقشة العديد من القضايا في سوريا، ومحاولة التوافق على حلول بشأنها، كما تطرقت المباحثات إلى الأوضاع الإنسانية في حلب، إضافة إلى دعم نظام الهدنة، ووقف إطلاق النار، وتنظيم العملية السياسية في سوريا، والعملية التركية في جرابلس.

وأفادت ماريا زاخاروفا، المتحدثة الرسمية باسم الخارجية الروسية، بأن «آفاق تنظيم التنسيق المكثف بين موسكو وواشنطن في محاربة الجماعات الإرهابية في سوريا تتصدر أجندة مباحثات الوزيرين»، مُعتبرة أن العمل الخاص لاتخاذ موقف مشترك بين البلدين من التسوية السورية دخل «مرحلة مصيرية».

يأتي هذا الاجتماع بعد يوم واحد من إعلان السفير الروسي لدى الأمم المتحدة، فيتالي تشوركين، أن بلاده ستتعاون مع الولايات المتحدة، بعدما خَلُص تحقيقٌ للأمم المتحدة إلى أن «النظام السوري شن هجومين كيميائيين في سوريا عامي 2014 و2015»، قائلًا للصحافيين إنّ «لدينا مصلحة مشتركة في منع حصول أمور كهذه وتجنب حصولها حتى وسط الحرب».

وجاء الاجتماع بين كيري ولافروف، عقب أسابيع من الاجتماعات والمباحثات بين مسؤولين من الجانبين، بدأت منذ 15 يوليو (تموز) الماضي؛ للتعاون العسكري، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، ذلك بالإضافة إلى محاولة الوصول إلى اتفاق روسي أمريكي في الشأن السوري. وقد أبدى كيري تفاؤلًا في هذا الصدد، عندما قال الأسبوع الماضي إن المباحثات بين الجانبين «تقترب من نهايتها».

ما لم يصل إليه الاجتماع

لم يصل الاجتماع إلى اتفاق نهائي بين البلدين، كان من المنتظر الإعلان عنه، مساء الجمعة، بعد نحو 10 ساعات من المباحثات، وتعقيبًا على ذلك، قال كيري في المؤتمر الصحافي الذي أعقب الاجتماع، إن الجانبين حققا «بعض الوضوح في ما يتعلق بالطريق أمامنا نحو المستقبل»، مُوضحًا أن ممثلين عن البلدين سيستمرون في اجتماعات بجنيف، لبحث بعض القضايا العالقة، دون أن يحدد ماهية هذه القضايا.


وقال كيري: «لقد استكملنا الغالبية العظمى من تلك المباحثات الفنية، التي ركزت بشكل أساسي على جعل هذه الهدنة حقيقة وتحسين المساعدات الإنسانية، ومن ثم جعل الأطراف تجلس على الطاولة حتى نستطيع أن نجري مفاوضات جادة بشأن كيفية إنهاء هذه الحرب»، مُشيرًا إلى أن دي ميستورا سيدفع الأطراف المختلفة لطاولة المفاوضات مجددًا، على اعتبار أن الحل السياسي السلمي هو الأفضل للأزمة السورية.

ورغم تصريحات كيري الإيجابية عن روسيا، إلا أنها لم تخلُ من اتهامات من انتهاك هدنة وقف الأعمال القتالية، وتحديدًا عندما قال: «حلب لا تزال محاصرة، وتتعرض لقصف عنيف من قبل القوات الحكومية وحلفائها، ومن بينهم روسيا وإيران وحزب الله اللبناني، واليوم أجبرت القوات الحكومية مدينة داريا على الاستسلام بعد حصارها لأكثر من أربع سنوات».

وهو ما يُعد انتهاكًا واضحًا لاتفاق وقف الأعمال القتالية، الذي عُقد في فبراير (شباط) الماضي، واعتبر محللون إجلاء المدنيين من داريا وانسحاب مسلحي المعارضة منها إلى إدلب، بموجب اتفاق بين المعارضة السورية والنظام؛ انتصارًا للأخير الذي حاصر المدينة ومنع وصول المساعدات الإنسانية منها مع استمرار قصف المدينة السورية.

في المقابل قال لافروف: «إننا على بعد خطوة من بلورة نص اتفاق بشأن سوريا»، مُشيرًا إلى استمرار المحادثات بين خبراء البلدين لحسم هذا الأمر. وأوضح لافروف أنه ليس ثمة أي خلافات بين البلدين، حول تحليق مقاتلاتهما فوق السماء السورية من عدمه، وأن الصفقة بينهما لا تتضمن حظرًا لذلك.

«الحديث يدور عن ضرورة أن يحارب الطيران الذي يعمل في أجواء سوريا كلًّا من تنظيم الدولة وجبهة النصرة، بصورة فعالة»، وأكد لافروف أن واشنطن ضمت مجموعات ولأول مرة ضمن نظام وقف الأعمال القتالية.

ويمكن إجمال أهم النقاط التي اتفق عليها الطرفان في:

  • استمرار المباحثات بين الطرفين للوصول إلى اتفاق بشأن الأزمة السورية.
  • ضرورة إيجاد حل سلمي سياسي وليس حلًا عسكريًا للأزمة السورية.
  • إيصال المساعدات الإنسانية للمدن المُحاصرة.
  • ضرورة تفعيل اتفاق وقف الأعمال القتالية.
  • ضرورة الوصول إلى آلية لمحاسبة من ينتهك اتفاق وقف الأعمال القتالية.
  • اعتبار جبهة النصرة جماعة إرهابية، تستمر العمليات ضدها بالرغم من إعلانها فك ارتباطها بتنظيم القاعدة.
  • ضرورة الفصل بين الجماعات المعارضة والفصائل «الإرهابية».

التدخل التركي

تُمثل النقطة الأخيرة إحدى أبرز النقاط صعوبة من حيث التحقيق على أرض الواقع، وفي هذا الصدد أكد لافروف على ضرورة الفصل بين المعارضين ومَن وصفهم بـ«الإرهابيين»، وهو ما اعتبره كيري ممكنًا، مُقرًا بتعقيده: «بسبب المحاولات التي تبذلها جبهة النصرة للتخفي بين الجماعات الأخرى»، بحسب كيري، الذي لفت إلى إمكانية الفصل «بإشراك دول أخرى تدعم هذه المجموعة أو تلك، وتمارس نفوذها على هذه المجموعات ولديها إمكانية المساعدة في عملية الفصل».

وفي سياق متصل، جاء التدخل العسكري التركي الرسمي في سوريا صباح الأربعاء الماضي، في إطار عملية «درع الفرات»، ليُعقد من مسألة الفصل. وكانت العملية في البداية تستهدف «تنظيم الدولة» بشكل أساسي في جرابلس، شمالي سوريا بالقرب من الحدود التركية، وأعلنت أمريكا دعمها والمشاركة فيها بعدد من الغارات الموجهة ضد مواقع التنظيم.

لكن القصف التركي امتد لوحدات حماية الشعب الكردية، الذراع العسكري لحزب الاتحاد الديمقراطي، بعد رفض الأخيرة الامتثال للاتفاق التركي الأمريكي، بعودة الوحدات الكردية المنضوية تحت تحالف سوريا الديمقراطية، من غرب نهر الفرات إلى شرقه، بعد تحرير منبج من «تنظيم الدولة»، بالرغم من تأكيد أمريكا عودتهم، وتحذيرهم بوقف دعمهم ما لم يعودوا إلى شرق الفرات.

خريطة لسيطرة أطراف الصراع في سوريا (نقلًا عن الأناضول)

وتستمر المعارك على الأرض بين القوات التركية والمعارضة السورية الموالية لها من جهة، والوحدات الكردية من جهة أخرى، وقُتل أمس السبت أول مجند تركي في الأراضي السورية وأصيب ثلاثة آخرون على يد الوحدات الكردية بالقرب من جرابلس، في نفس اليوم الذي أدخلت فيه تركيا ست دبابات جدد إلى سوريا، ليصل عدد الدبابات التركية المتواجدة شمالي سوريا إلى 50 دبابة ،بالإضافة إلى 380 مجندًا بعد ثلاثة أيام فقط منذ انطلاق عملية «درع الفرات»، بحسب صحيفة حرييت التركية.

وتضع الحرب التركية الكردية شمالي سوريا، أمريكا – على ما يبدو – في موقف حرج، بين الوحدات الكردية التي كانت تعتبرها واشنطن صديقها المفضل بالداخل السوري، ولم تلتزم بعودتها إلى شرقي الفرات؛ وبين تركيا حليف أمريكا الإستراتيجي التي تعتبر الوحدات الكردية جماعة «إرهابية» تابعة لحزب العمل الكردستاني، وبدأت في محاربتها بالفعل عسكريًا غرب الفرات شمالي سوريا.

ويزداد الوضع تعقيدًا مع تأكيد لافرورف «ضرورة مشاركة الأكراد في العملية السياسية بشكل كامل. ليكونوا جزءًا من الحل وليس عاملًا لتقسيم سوريا»، وهو اتجاه يتسق مع طلبات سابقة لموسكو ودمشق بضم الوحدات الكردية في المحادثات السياسية بجنيف 3، وهو ما رفضته تركيا سلفًا بشكل قاطع، وبذلك تزداد عملية الفصل بين المعارضة المسلحة و«الإرهابيين» صعوبةً، مع الإصرار التركي على اعتبار الوحدات الكردية جماعة «إرهابية».

عرض التعليقات
تحميل المزيد