تحدثت صحيفة الإندبندنت بتاريخ 29 مارس 2014 عن زيارة الرئيس أوباما إلى المملكة العربية السعودية لرأب الصدع في العلاقات مع الملك عبد الله في أول زيارة له منذ خمس سنوات. فالتحالف بينهما كان قد توتر بسبب غضب السعودية من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران بشأن برنامجها النووي ورفض أوباما للذهاب إلى الحرب في سوريا لإسقاط بشار الأسد العام الماضي. ومن جانبها، تشعر الولايات المتحدة بالغضب من المملكة العربية السعودية بسبب دعمها السري للحركات الشبيهة بتنظيم القاعدة في سوريا وأماكن أخرى.

من وجهة نظر الكاتب تبدو العلاقة بين الولايات المتحدة والسعودية غريبة لأنها قائمة بين ملكية ثيوقراطية رجعية – فهي المكان الوحيد في العالم الذي لا يسمح فيه للمرأة بقيادة السيارة – وجمهورية تدعي أنها الحامي للديمقراطية العلمانية. فالعلاقة وطيدة جدًا بينهما لدرجة أنها بالكاد تأثرت بهجمات سبتمبر، على الرغم من أن تنظيم القاعدة والخاطفين كانت لهم صلات وثيقة بشكل واضح بالمملكة العربية السعودية.

يسعى السعوديون إلى إقناع الولايات المتحدة ببذل جهد أكبر للإطاحة بالأسد في سوريا. فقد صرح ولي العهد السعودي الأمير سلمان بن عبدالعزيز في جامعة الدول العربية في الكويت أنه “تم خيانة المقاومة السورية المشروعة من قبل المجتمع الدولي وتركوا فريسة سهلة لقوات الطاغية”. وهذا كلام غريب قليلاً، فهو صادر عن الحاكم المحتمل للدولة التي يجري فيها سحق كل مظاهر التعبير عن المعارضة، وقد يصل عدد السجناء السياسيين في المملكة إلى نحو ثلاثين ألفًا. وتكفي انتقادات بسيطة للدولة على تويتر ليتم استدعاء السعوديين من قبل الأجهزة الأمنية.

في 3 فبراير، أصدر الملك عبد الله مرسومًا يجعل الجهاديين السعوديين الذين يقاتلون في الخارج عرضة لـ20 عامًا في السجن لدى عودتهم. والغرض من ذلك هو خنق إمدادات المجندين السعوديين المتطوعين للقتال في سوريا البالغ عددهم 2500 في الوقت الحاضر. في السابق، كان السعوديون قادرين على الوصول إلى سوريا بكل سهولة، وهذا يشير إلى أن الحكومة كانت تغض الطرف عنهم، ولكنها الآن تقول إنها سوف تسجنهم حال عودتهم.

هذا التحول قد لا يفلح: فالقتال في سوريا لديه دعم شعبي في المملكة العربية السعودية؛ الوهابية، والتي تمثل منهجية مختلفة للتعصب الإسلامي هي أيديولوجية للدولة السعودية التي تعتبر الشيعة والمسلمين الصوفيين زنادقة يختلفون قليلاً عن المسيحيين واليهود. ولأن المملكة تضمر العداء لإيران والإسلام الشيعي منذ فترة طويلة، فقد لا تجد الحكومة أنه من السهل تشويه صورة السعوديين ومعاقبة الذين خرجوا منهم للقتال في سوريا.

وكان أحد أسباب سن قانون لتجريم الجهاديين هو إقناع الأمريكيين بأن المملكة العربية السعودية لا تشجع جبهة النصرة والدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)، وكلاهما جماعات مشابهة لتنظيم القاعدة، للاستيلاء على الشمال السوري وغرب العراق. بل على العكس من ذلك، يقول السعوديون إنهم يريدون تمويل وتزويد قوة عسكرية لطرف ثالث في سوريا يمكنه محاربة كل من الرئيس الأسد والجماعات الجهادية المناهضة له.

بالنظر إلى أن الجيش السوري يتعرض للهجوم في دمشق وحمص وحلب، فإن أي طرف ثالث مدعوم من السعودية والولايات المتحدة سيعمل انطلاقًا من الأردن لن يقوى على تحويل دفة الأمور في ساحة المعركة في المستقبل المنظور. إذا سار الأميركيون مع هذه الخطة، ثم إذا بهم يقولون، في الواقع، إنهم على استعداد لخوض حرب طويلة بالوكالة في سوريا، خلافا لسيل التصريحات المزيفة الصادرة عن واشنطن والرياض حول إنهاء معاناة الشعب السوري.

من جانبها، لم يدر بخلد أمريكا أبدًا بأنها عندما دعمت المتمردين المناهضين للأسد في سوريا، فقد تسببت بزعزعة استقرار العراق تلقائيًا. ويعزى هذا في بعض الأحيان إلى رحيل القوات الأميركية، ولكن اندلاع انتفاضة من الأغلبية السنية في سوريا، كان حتمًا سيعمل على تنشيط وتطرف الأقلية السنية المجاورة في العراق. بعد ثلاث سنوات من بدء الاحتجاجات في سوريا، فإن وادي الفرات بأسره وصولاً إلى جرابلس على الحدود السورية مع تركيا، يقع تحت سيطرة داعش وجبهة النصرة. وقد تمكن مقاتلو جبهة النصرة للمرة الأولى من اقتحام ساحل البحر الأبيض المتوسط ​​شمال اللاذقية.

ثمة مشكلة لدى الحكومة السعودية هي أنها تستخدم دائما الجهاديين كذراع لسياستها الخارجية، معتقدة أن ذلك يمكن أن يرفع عنها المسؤولية عن أفعالهم. فقد سمحت للمتبرعين والدعاة الجهاديين للعمل دون عوائق. لكن العيب في هذا النهج هو أن الجهاديين في أفغانستان وباكستان وسوريا والعراق لم يكونوا تحت سيطرة الحكومة السعودية بشكل كامل. وهؤلاء المقاتلين في سوريا والعراق اليوم لن يسروا عندما يعلمون بأن الرياض قررت أنهم أصبحوا فجأة منبوذين. في الأشهر الأخيرة، بدأت المواقع الجهادية والمغردون على تويتر الهجوم على العائلة المالكة في السعودية، أظهر أحدها صورة الملك عبد الله يمنح فيها ميدالية لجورج دبليو بوش مع تعليق: “ميدالية لغزو بلدين إسلاميين”. وصورة أخرة تظهر شاحنات محملة بالمسلحين مع تعليق يقول إنها تتجه لشمال المملكة العربية السعودية.

أبدت الحكومة السعودية علامات الامتعاض. فقد دعمت موجة مضادة للثورات في منطقة الشرق الأوسط التي نجحت في كثير من الأماكن. حيث جرى سحق المحتجين الديمقراطيين في البحرين في حملة تدعمها السعودية في عام 2011. وفي مصر، تدعم المملكة ماليًا النظام العسكري الذي أطاح بالرئيس مرسي المنتخب ديمقراطيًا في عام 2013. وفي سوريا، فقد دفعت إلى سيطرة الإسلاميين على المعارضة السياسية وأن يجري تمويلها وتنظيمها بشكل ذاتي.

ولكن وعلى طول الطريق، فإن الأسرة المالكة في السعودية تصنع الكثير من الأعداء. يتراوحون بين أعضاء جماعة الإخوان المسلمين في الخليج الذين يجدون أنفسهم مستهدفين بوصفهم “إرهابيين” على الرغم من كونهم سلميين. وهناك الجهاديون في سوريا الذين يشعرون أنهم شُجِعوا ثم تعرضوا للخيانة. أما الليبراليون السعوديون -الذين أيدوا قوانين جديدة لمكافحة الإرهاب عندما طبقت على الجهاديين- يجدون أن تغريدة مسالمة قد تنتهي بهم في السجون، وتم تحطيم واجهة عرض أحد دور النشر بمعرض الرياض الدولي للكتاب هذا الشهر على الأرجح من قبل الشرطة الدينية.

عادة ما يتصرف الزائرون المتجهون إلى المملكة من الولايات المتحدة وبريطانيا بشكل مفرط في الاحترام تجاه مضيفيهم اعتقادًا منهم بأن ذلك يصب في مصلحتهم الوطنية. في حالة الرئيس أوباما، عرضت وزارة الدفاع الامريكية مقترحًا لصفقة أسلحة تقدر بـ87 مليار دولار (52 مليار جنيه إسترليني)، تشمل طائرات F-15 مقابل 29 مليار دولار وطائرات هليكوبتر مقابل 31 مليار دولار. ولكن زيارة أوباما جمعت تحالفا غريبًا في الكونغرس من الجمهوريين المحافظين المسيحيين والديمقراطيين الليبراليين، قام 52 عضوًا منهم بالتوقيع على رسالة تطالب أوباما بإخبار الملك عبد الله ومسؤولين آخرين حقيقة أن “السلطات السعودية قامت بمضايقة وترهيب وسجن تقريبًا جميع النشطاء المستقلين لحقوق الإنسان في البلاد”. وقد ذكر محمد القحطاني وعبدالله الحامد، الذين يقضون أحكامًا طويلة لإنشاء منظمة محلية لحقوق الإنسان. وتختتم الرسالة بأن “على حكومة المملكة العربية السعودية أن تنهي الحظر على التجمعات العامة، وترفع القيود المفروضة على وسائل الإعلام الاجتماعية، وتتوقف عن استخدام التعذيب، وتصلح ما يسمى قوانين مكافحة الإرهاب الجديدة التي تجرم جميع أشكال العمل السلمي المعارض”.

نجت العائلة المالكة في السعودية من الانتفاضات التي اندلعت عام 2011 دون حدوث اضطرابات داخلية. ومنذ آنذاك قطعت شوطًا طويلاً لاستعادة الوضع الراهن القديم من الأنظمة الاستبدادية في الشرق الأوسط، ولكن المملكة نفسها أصبحت منقسمة أكثر من أي وقت مضى وغير مستقرة.

عرض التعليقات
تحميل المزيد