تزامنًا مع انتهاء محادثات فيينا حول الأزمة السورية، قررت أمريكا إرسال “ما لا يزيد عن 50 مجندًا” من قواتها الخاصة إلى شمال سوريا لتقديم “الدعم والمشورة” لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية دون المشاركة المباشرة في الأعمال “القتالية” الموجهة ضد التنظيم، القرار الأخير أثار الكثير من التداعيات في الداخل الأمريكي، بالإضافة إلى تأثيره المحتمل على طبيعة الصراع بالداخل السوري، وفي هذا التقرير نسلط الضوء بالسرد والتحليل على ما انتهت إليه محدثات فيينا، والأسباب المعلنة للقرار الأمريكي، وتداعياته في الداخل الأمريكي، وكيف استقبلته روسيا التي حذرت من أن يكون بداية للحرب بـ”الوكالة” بينها وبين أمريكا، وإلى أي مدى يمثل هذا القرار دعمًا لجماعات “كردية” تصنفها الولايات المتحدة على أنها “إرهابية”، ونلفت إلى تجارب أمريكا في إرسالها قوات خاصة لعدد من الدول النامية.

(1)محادثات فيينا: عقدة «الأسد» مستمرة نحتاج لوقت إضافي

بدأت 17 دولة محادثات بالعاصمة النمساوية فيينا لبحث الأزمة السورية في غياب الممثلين الحقيقيين لأطراف الصراع الذين يحاربون بالداخل السوري وهم: (النظام السوري، والمعارضة السورية السياسية، والمسلحة بمختلف طوائفها)، وتباينت مواقف أهم الدول المعنية بالصراع تجاه قضية “رحيل الأسد”.

فخفتت لهجة أمريكا نسبيًّا تجاه “الأسد”، فبعدما كانت تطالب “برحيل الأسد في أسرع وقت ممكن” أصبحت تطالب برحيله خلال فترة انتقالية تتضمن جدولًا زمنيًّا دقيقًا. وهو موقف اتسق مع الموقف السعودي الذي جاء على لسان وزير خارجيتها: “لا بد من رحيل الأسد في إطار جدول زمني محدد”.

من ناحية أخرى تمسكت كل من إيران وروسيا ببقاء الأسد كونه -في رأيهما- رئيسًا “منتخبًا” يحدد مصيره الشعب السوري وليست الأطراف الخارجية، كما أنه يلعب دورًا هامًا في مواجهة “الجماعات الإرهابية”؛ إذ رفض الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ما سماه بـ”الإطاحة بالرؤساء المنتخبين”، وطالبت إيران باستمرار الأسد رئيسًا حتى انتهاء فترته في عام 2021.

واتفق كل من وزير الخارجية الأمريكي جون كيري، ونظيره الروسي سيرغي لافروف على “ضرورة أن تخرج سوريا من الحرب كدولة علمانية موحدة”.

وسيتم استئناف المحادثات الدولية حول الأزمة السورية بعد قرابة أسبوعين؛ أملًا في تحقيق نتائج أفضل.


(2) التدخل البري الأمريكي ضد «تنظيم الدولة» لا «الأسد»


“لن تطأ الأحذية الأمريكية الأراضي السورية”.

هكذا صرح الرئيس الأمريكي باراك أوباما في وقت سابق في عام 2013، نافيًا فكرة الدخول البري الأمريكي بالداخل السوري، وبعد الإعلان الأخير الذي يمثل أول إعلان “رسمي” بدخول قوات خاصة برية أمريكية في الداخل السوري، أثارت تصريحات أوباما القديمة جدلًا بعد القرار الأخير.

وهو ما سارع المتحدث باسم البيت الأبيض، إرنست جوش، بالرد عليه: “لقد تم اقتطاع هذا النص من سياقه، فأوباما قال (لن تطأ الأحذية الأمريكية الأراضي السورية للإطاحة بالأسد حتى لا نكرر خطأ الإدارة القديمة في الإطاحة بصدام حسين)”.

وأوضح إرنست سبب القرار الذي اتخذه أوباما: “كان لدعم المعارضة المسلحة التي حققت نجاحًا في مواجهة تنظيم الدولة الإسلامية”، وهو معنى أكد عليه وزير الخارجية الأمريكي جون كيري عندما قال: “هذا القرار لا يعني الدخول في الحرب الأهلية التي تشهدها سوريا، كما لا يعني أنه إجراء عسكري يستهدف (الرئيس السوري بشار) الأسد، ولكنه يركز بشكل حصري على تنظيم الدولة وتعزيز قدراتنا على محاربته بسرعة”.

من جانبه اعتبر وزير الدفاع الأمريكي آشتون كارتر أن القرار قد يعرض الجنود للخطر عندما قال: “دورنا وإستراتيجيتنا بالأساس دعم القوات المحلية ضد داعش لكن هل يعرض ذلك القوات الأمريكية للخطر؟ نعم.. لا شك في ذلك”.

ولم يحدد المسئولون الأمريكيون المدة التي ستقضيها القوات الخاصة الأمريكية بالداخل السوري، ولم يستبعدوا نشر مزيد من القوات بسوريا في وقت لاحق إذا ما حققت الدفعة الأولى نجاحًا في مواجهة “تنظيم الدولة”.

وسبق أن نفذت قوات أمريكية خاصة غارتين على الأقل في سوريا. ففي مايو الماضي، قالت وزارة الدفاع الأمريكية إن قوات خاصة قتلت مسؤولًا بارزًا في تنظيم “الدولة الإسلامية” يدعى أبو سياف، واعتقلت زوجته شرقي سوريا.

وخلال الصيف الماضي، فشلت عملية لقوات خاصة في إنقاذ رهائن أمريكيين من بينهم الصحفي جيمس فولي الذي أعدمه تنظيم الدولة في وقت لاحق بقطع رأسه.

(3) القرار غير كافٍ للتخلص من «تنظيم الدولة»

بعيدًا عن تعليقات المسؤولين الرسمية، انتقد برلمانيون القرار الأمريكي مُعتبرين إياه “غير كافٍ للقضاء على تنظيم داعش”؛ إذ قال “الجمهوري”  بول ريان، الرئيس الجديد لمجلس النواب الأمريكي: “هذا الالتزام بخصوص القوات الأمريكية يجب أن يأتي بإستراتيجية متماسكة لهزيمة “داعش” وإلا فسنرى على الأرجح نفس النتائج في المنطقة”.

وفي سياق متصل قال السيناتور الجمهوري جون ماكين رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ: “إن قرار إدارة الرئيس باراك أوباما إرسال قوات خاصة إلى سوريا لا يكفي لإضعاف وتدمير تنظيم “داعش”… إن هذه السياسة التدريجية غير كافية بشكل مؤسف لحجم التحدي الذي نواجهه”.

وقال رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الجمهوري ماك ثورنبيري: “إن هذه الخطوة متأخرة جدًّا وليست إستراتيجية للنجاح، إنها مجرد محاولة من أوباما لتفادي كارثة في وقت سعى فيه لكسب الوقت”.

(4) هل يُنذر القرار الأمريكي باندلاع «حرب بالوكالة» ضد روسيا؟


حذرت روسيا من احتمالية اندلاع حرب بالوكالة في الشرق الأوسط بعد القرار الأمريكي الأخير، وقال وزير الخارجية الروسي سيرجي لافرورف: “الولايات المتحدة اتخذت قرارها بصورة أحادية وبدون الرجوع إلى القيادة السورية.. أنا مقتنع أن أيًّا من الولايات المتحدة وروسيا لا تريد أي نوع من الانزلاق إلى ما يُطلق عليه حرب بالوكالة. لكن بالنسبة لي من الواضح أن هذا الوضع يجعل مهمة التعاون بين الجيشين أمرًا أكثر صلة”.

اقتناع لافروف يدعمه تصريحات أوباما السابقة التي نفت تلك الاحتمالات، ويدعمه أيضًا عدد من الشواهد والأدلة من أبرزها تأكيد الإدارة الأمريكية بمختلف مسؤوليها الرسميين أن القرار لمواجهة “تنظيم الدولة” وليس موجهًا ضد “الأسد”، وبذلك تختار أمريكا الخيار الأسهل “دبلوماسيًّا” فلا توجد دولة تُعارض أي شكل من أشكال التدخل العسكري طالما أنه موجه ضد “تنظيم الدولة”، كما أن ذلك الخيار الأمريكي قد يكون أسهل “عسكريًّا” أيضًا، وخصوصًا أن الضربات الجوية الروسية الموجهة ضد “معارضي الأسد” تُعقد من الجهود الأمريكية في الضغط على الأسد من خلال مساعدة معارضيه.

وتفيد تقارير صحفية(أمريكية) أن أمريكا تخشى من أن يشغلها دعمها للمعارضة السورية -الذي يعيقه الضربات الروسية- في مواجهة الأسد عن دورها في مواجهة تنظيم الدولة.

وقد يلبي القرار الأخير رغبات أمريكية لإثبات تواجد ميداني أكبر و”جدية” أكثر ودقة أكبر في مواجهة تنظيم الدولة عن روسيا التي سحبت بساط “الجدية” من أسفل أمريكا بغاراتها الجوية التي تعتبرها أمريكا تُثبت أركان الأسد، ولا تفرق بين الفصائل المعارضة، و”أن 80% منها لا تستهدف تنظيم الدولة” بحسب ويليام ستيفنس المتحدث باسم السفارة الأمريكية بروسيا، وتعتبر تلك النقطة نقطة مصيرية في الخلاف بين أمريكا وروسيا، ومثلما تثير غضب “واشنطن” فدائمًا ما تزعج الدب الروسي أيضًا؛ إذ استنكر وزير الدفاع الروسي إيجور كوناشينيكوف تلك التصريحات متسائلًا: “هل ينبغي لنا أن نعتبر أن إرهابيي تنظيم داعش وجبهة النصرة وجيش الفتح، الذين يطيب لهم أن يقطعوا رؤوس الأسرى هم أيضًا من المعارضة المعتدلة؟ ننتظر أن يجيب ستيفينس عن هذا السؤال”.

وحول حصيلة الغارات الروسية بسوريا منذ بداياتها في 30 سبتمبر الماضي، أعلنت روسيا على لسان قائد العملية العسكرية في سوريا الجنرال أندريه كارتابولوف: “خلال الشهر المنصرم، نفذت الطائرات الروسية 1391 طلعة جوية ودمرت 1623 هدفًا إرهابيًّا بينها 51 معسكر تدريب و131 مخزن أسلحة”.


ومن جانبها أعلنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان أن الطيران الروسي قتل 254 مدنيًّا بينهم 83 طفلًا و42 سيدة، ولفتت في أحدث تقرير لها: “القوات الروسية تقتل في شهر أكثر مما قتلته قوات التحالف الدولي في عام”.

واستكمالًا للتنافس الروسي الأمريكي لاستعراض قوتهما في مواجهة تنظيم الدولة بالمنطقة أكد مسؤول رفيع بالإدارة الأمريكية أن الرئيس أوباما أقر تعزيز المساعدات العسكرية للأردن ولبنان لمواجهة تنظيم الدولة، وتحدثت تقارير صحفية عن مشاورات أمريكية من قبل وزارة الدفاع الأمريكية مع رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي –الذي أعلن ترحيبه سلفًا بدخول روسيا العراق لمواجهة تنظيم الدولة- لإنشاء فرق عمليات خاصة أمريكية على الحدود السورية العراقية بداخل العراق لمكافحة قادة وشبكات تنظيم الدولة.

(5) هل تدعم أمريكا جماعات كردية مصنفة ضمن التنظيمات الإرهابية»؟

المصدر: معهد دراسات الحرب


جاء في تفاصيل القرار الأمريكي أن القوات الخاصة ستتمركز في شمال سوريا حيث السيطرة الكردية البرية، وأعلنت دعمها لوحدات حماية الشعب الكردية، وهو أمر لم يمر مرور الكرام على روبرت فورد -السفير الأمريكي السابق بسوريا (2010-2014) والذي يعمل حاليًا بمعهد واشنطن بالشرق الأوسط- عندما حذر من: “توطيد علاقة أمريكا بميليشيا الشعب الكردية التي تقف خلف جماعة “بي كا كا” والتي تُصنف كجماعة إرهابية بأمريكا، كما أنها متهمة بانتهاكات لحقوق الإنسان ضد المواطنين السنة في شمال سوريا بحسب تقرير منظمة العفو الدولية”.

وأشار: “لا بد أن نكون حريصين جدًّا في التعامل مع تلك الجماعة.. ولا يجب أن تنجر أمريكا عن طريق الخطأ للمشاركة في الحرب الدائرة بين الأسد و من يحاولون إسقاطه”.

وتجدر الإشارة إلى أن إقليم كردستان الواقع على الحدود السورية التركية والذي يضم عددًا من الجماعات الكردية من أبرزها “بي كا كا” تُمثل مصدر إزعاج دائم للحكومة التركية بـ”هجماتها الإرهابية” على حد وصف الإدارة التركية التي تحاول القضاء عليها أمنيًّا.

(6) هل تتواجد القوات الخاصة الأمريكية في سوريا فقط؟


لا يقتصر تواجد القوات الخاصة الأمريكية بسوريا فقط؛ إذ تسعى الولايات المتحدة للانتشار “العسكري” في معظم دول العالم لتمكن محليًّا أنظمة –بالأخص في دول العالم الثالث– توجه لها الاتهامات بأنها قمعية و”تنتهك حقوق الإنسان” عبر تدريبات تشرف عليها قوات العمليات الخاصة الأمريكية، وهي بذلك قد تمثل حروبًا “سرية” تخوضها أمريكا في مناطق مختلفة حول العالم.

وتشير تقديرات إلى أن قوات العمليات الخاصة أخذت في الانتشار حول العالم منذ 11 سبتمبر عام 2001، وكثرت العمليات الخاصة من حيث العدد والميزانية المدفوعة من أجلها.

ففي نهاية فترة رئاسة جورج بوش الابن، تشير تقديرات إلى انتشار قوات العمليات الخاصة الأمريكية في حوالي 60 دولة حول العالم، وفي عام 2010، زاد هذا العدد ليصل إلى حوالي 75 دولة، وفي 2011، وصل عدد البلدان التي يتواجد فيها قوات خاصة أمريكية إلى 120 دولة في العالم بحسب الكلونيل “تيم ني” المتحدث باسم قيادة العمليات الخاصة.

وللمزيد من المعلومات والتفاصيل حول هذا الموضوع اقرأ أيضًا:

ماذا تعرف عن حروب أمريكا «السرية» في عشرات الدول في العالم؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد