في 25 أبريل (نيسان) 2016، أعلن الرئيس الأمريكي باراك أوباما، إرسال 250 مجندًا أمريكيًّا إلى سوريا، لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»، بقرار نال تأييد مرشحين للرئاسة الأمريكية، والمعارضة السورية، في حين صمتت أطراف دولية، من أبرزها تركيا، الدولة الأكثر قلقًا كما يبدو من هذا القرار.

وتُعد زيادة عدد القوات البرية الأمريكية الخاصة، على الأراضي السورية بهذا الكم، هي الزيادة الأكبر مُنذ بدء الحرب السورية. لكن إرسال عسكريين أمريكيين إلى سوريا، لم يكن الأول؛ إذ أرسلت أمريكا مطلع نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، 50 مُجندًا، وبذلك يصل عدد المجندين الأمريكيين داخل سوريا إلى 300 مجند. وتجدر الإشارة إلى أن أوباما أكد في وقت سابق من عام 2013، أن «الأحذية الأمريكية لن تطأ الأرض السورية». لكن إدارته تبرر الإجراءات الأخيرة، باعتبار أن الأمريكيين لن يُشاركوا في أعمال قتالية.

اقرأ أيضًا: أوباما والقوات المسلحة الأمريكية.. «ليسوا على قلب رجل واحد»

وأعلن أوباما، في كلمة ألقاها بمدينة هانوفر، شمالي ألمانيا، عن هدف إرسال القوات إلى سوريا، عندما قال إنها لن تقوم بدور «قتالي» على الأرض، و إنما لـ«دعم وتدريب قوات حليفة محلية، حققت مكاسب على حساب تنظيم الدولة». واستهدف أوباما إدامة الزخم التي تحققه القوات الخاصة المنتشرة حاليًا في سوريا، لطرد «تنظيم الدولة» من المناطق الرئيسية في البلاد. ولفت أوباما إلى أن أوروبا والتحالف الأطلسي، يُمكنهما تقديم المزيد لقتال «تنظيم الدولة».

وبحسب مسؤولين أمريكيين، فإن الدعم الأمريكي للقوات الأمريكية في سوريا، سيأتي من شمال العراق، كما ستشمل القوات الإضافية مُسعفين وأفراد دعم لوجيستي، وستكون أحد أهداف القوات الإضافية، المساعدة في فحص وتسليح المقاتلين العرب، الراغبين في الانضمام للقتال مع تحالف قوات سوريا الديمقراطية، ذلك التحالف الذي تكون في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، وتدعمه الولايات المتحدة، ويضم بعض العرب، ويخضع لسيطرة  الأكراد (وبالأخص وحدات حماية الشعب الكُردية). ولفت مسؤولون أمريكيون إلى أن المقاتلين العرب سيلعبون «دورًا محوريًّا» في العمليات المستقبلية ضد تنظيم الدولة الإسلامية، في المناطق التي يسكنها العرب في سوريا.

 

ومن المتوقع أن تنتشر القوات الإضافية شمال شرق سوريا، مع القوات الأمريكية الأصلية هناك، حيث السيطرة الكُردية لوحدات حماية الشعب الكردية. وهو ما لفت إليه تيم ريبلي، المحلل العسكري، والكاتب في مجلة جينز ديفنس ويكلي، عندما قال، إنه من المفترض أن تُساعد القوات الأمريكية الإضافية «أصدقاءنا في وحدات حماية الشعب الكردية لتوسيع وتكثيف هجومهم على الدولة الإسلامية في شمال شرق سوريا».

ترحيب ديمقراطي.. وجمهوريون: «خطوة متأخرة وغير كافية»

تباينت ردود الأفعال في الولايات المتحدة على القرار الأخير، ما بين مُرحب بها ومن يصفها بـ«المتأخرة»، إذ أعلن السيناتور الأمريكي بيرني ساندرز، المرشح المحتمل عن الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية، عن تأييده ذلك القرار، بقوله: «أنا أدعم ذلك المسعى».

ولم يختلف موقف ساندرز عن منافسته في نفس الحزب هيلاري كلينتون، التي أشادت بالقرار، في بيان قالت فيه: «هذه  القوات الخاصة، ستواصل تقديم دعم ضروري للقوات المحلية على الأرض، التي سيكون عليها في النهاية حسم هذه المعركة». ولم يكن دعم كلينتون مُستغربًا، لأنها دعت الإدارة الأمريكية قبل عدة أشهر، لاتخاذ خطوات أشد في محاربة «تنظيم الدولة»، بتكثيف الغارات الجوية ضده، وإرسال مزيد من القوات الخاصة الأمريكية في مناطق النزاع.

في المُقابل، لم يُعلق المرشح الجمهوري الأوفر حظًّا دولاند ترامب، على القرار. ومن المتوقع أن يتحدث عنه اليوم الأربعاء 27 أبريل (نيسان)، في خطابه بواشنطن، الذي سيتحدث فيه بشكل أساسي عن السياسة الخارجية.  وفي نفس السياق وصف قال السناتور الجمهوري جون مكين، رئيس لجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ، القرار بـ«المتأخر وغير الكافي». مُضيفًا: «خطوة مترددة أخرى، على طريق التصعيد التدريجي المحفوف بالمخاطر، لن تمنع الضرر في سوريا».

النظام السوري يصمت.. والمعارضة والأكراد يُرحبان في تحفُظ

لم يُعلق النظام السوري رسميًّا على القرار الأمريكي الأخير، في الوقت الذي أيدته كلٌّ من الهيئة العليا للمفاوضات المُنبثقة عن المعارضة السورية، وقوات سوريا الديمقراطية ذات الأغلبية الكُردية، تأييدًا كان مُذيلًا ببعض الملاحظات.

ورحّب طلال سيلو، المتحدث باسم قوات سوريا الديمقراطية، بالقرار، واصفًا أي دعم تقدمه الولايات المتحدة بـ«الإيجابي»، آملًا في تحقيق المزيد من الدعم، ولافتًا إلى أن كل ما يحصلون عليه حتى الآن هو الذخيرة فقط. الهيئة العليا للمفاوضات، المنبثقة عن المعارضة السورية، دون تمثيل لوحدات الشعب الكردية، رحبت هي الأخرى بالقرار الأمريكي لدعم الحرب على «تنظيم الدولة»، مُطالبة الولايات المتحدة بتقديم المزيد لمحاربة الأسد.

وتجدر الإشارة إلى أن الهيئة العليا للمفاوضات تُعادي الوحدات الكُردية، وتعتبرها داعمةً لنظام الأسد، كما أنها اعتبرت في وقت سابق، أن انتصاراتها، تأتي في مصلحة النظام السوري. وفي الأشهر الأخيرة، اشتد الخلاف بينهما، عندما هاجمت الوحدات، مناطق كانت خاضعة لسيطرة المعارضة، بخاصة في حلب، لتهدد طريق الإمدادات بين تركيا، وحلفائها في فصائل المعارضة.

اقرأ أيضًا: الأكراد.. كلمة السر في تغيّر خارطة التحالفات الإقليمية.

في المُقابل، تتمتع الوحدات الكُردية بعلاقات متباينة ومُتغيرة مع الأطراف الدولية؛ فأمريكا تعتبرها صديقها المُفضل بالداخل السوري، والقوات الأقدر على مواجهة «تنظيم الدولة» بعدما أظهرت كفاءة ملحوظة في معركة عين العرب كوباني. بينما أظهرت روسيا دعمًا عسكريًّا كبيرًا للوحدات في قتالها ضد فصائل المعارضة، على الحدود السورية- التركية. وطالبت روسيا النظام السوري، بضرورة تمثيل الوحدات سياسيًّا في محادثات جنيف، فضلًا عن افتتاح ممثلية لأكراد سوريا في موسكو.

من جهة أُخرى، لدى إيران قلق مُشترك مع تركيا، من الوحدات الكردية، نظرًا لمطامع الاستقلال. أما بالنسبة إلى تركيا، فقد تحول القلق إلى قصف موجه ضد الوحدات الكردية، في أكثر من مناسبة.

المجتمع الدولي يُخيم عليه الصمت.. وتركيا الأكثر قلقًا

خيم الصمت على ردود أفعال أبرز الأطراف الدولية المعنية بالحرب السورية، فيما بدا الصمت التركي حذرًا، ويشوبه القلق، وبالأخص مع الوضع في الاعتبار أن القوات الإضافية، ستدعم بشكل أساسي الوحدات الكُردية؛ التي تعتبرها تركيا امتدادًا لحزب العمل الكردستاني.

وتنزعج تركيا كثيرًا من توطد العلاقات بين أمريكا والأكراد، ما دفع الرئيس التركي رجب الطيب أردوغان إلى القول: «على الولايات المتحدة أن تختار، إذا ما كنت أنا شريكها، أم أن إرهابيي كوباني هم شركاؤها»، في الإشارة إلى الوحدات الكردية. ولكن الخطوة الأخيرة قد تؤكد أن الإجابة الأمريكية أقرب لاختيار الوحدات الكردية!

 

من جانبها، وفي محاولة لإرضاء الطرفين، اتفقت الولايات المتحدة مع تركيا، يوم 26 أبريل (نيسان)، أي في اليوم التالي لإعلانها إرسال القوات الإضافية للأكراد، نشر مُضادات أمريكية للصواريخ، على حدودها مع سوريا، يصل مداها إلى 90 كيلومترًا، «بالإضافة إلى المضادات التركية الحالية التي يصل مداها إلى 40 كيلومترًا فقط»، وذلك مطلع مايو (آيار) القادم.

ويستهدف هذا الاتفاق «تطهير الشريط البالغ طوله 98 كيلومترًا من داعش»، بحسب وزير الخارجية التركي مولود أوغلو، في إشارة إلى ما يعرف بهوة «منبج»، وهو الطريق الخلفي الموجود على الحدود التركية- السورية، ويستخدمه التنظيم في تهريب مُقاتليه من، وإلى سوريا.

ويتخذ مقاتلو التنظيم من منبج مركزًا لإطلاق صواريخهم من سوريا على مدينة كيليس التركية، تلك المدينة التي تستقبل أعدادًا كبيرةً من المهاجرين السوريين، واستقبلت أيضًا حوالي 40 قذيفةً من «تنظيم الدولة»، أدت إلى مقتل ما لا يقل عن 17 مدنيًّا. ووقعت آخر تلك القذائف الأحد الماضي، ما أدى لمقتل شخصين وإصابة 25 آخرين.

وتجدر الإشارة إلى أن منبج لا تُشكل خطرًا على تركيا فقط، وإنما يُنظر إليها على أنها بوابة التنظيم لغزو أوروبا وأمريكا، بعدما ثبت انتقال مُنفذي هجمات باريس إلى أوروبا عبر منبج  مرورًا بتركيا. وتُفيد تقارير صحافية أن أمريكا أصبحت الهدف القادم للتنظيم.

أمريكا تُظهر جدية أكثر في محاربة «تنظيم الدولة»

قد يكون أحد أسباب القرار الأمريكي الأخير إظهار جدية أكبر في محاربة تنظيم الدولة، وإظهار قدرة أكبر على التأثير في الأرض السورية، وبالأخص بعدما اكتسبت موسكو ودمشق سُمعةً دوليةً طيبةً في هذا الصدد، عقب انتصار الجيش السوري بدعم جوي روسي على «تنظيم الدولة»، واستعادة مدينة تدمر ذات المكانة الإستراتيجية العالية، والقيمة التاريخية الكبيرة، نهاية مارس (آذار) الماضي، وهو ما استقبله الرئيس السوري بشار الأسد والرئيس الروسي فلاديمر بوتين بحفاوةٍ كبيرة.

ويظهر في الأفق أن الرقة -معقل «تنظيم الدولة» في سوريا- هي الوجهة المُقبلة لأعداء التنظيم في الداخل والخارج. وإن سيطر عليها الأكراد بدعم أمريكي، أو الجيش النظامي بدعم روسي؛ فإن أحد أبرز الخاسرين بعد التنظيم، هم الفصائل المعارضة، لأن تلك السيطرة قد تحول دون الإمداد التركي لهم.

ومع الدعم الذي تُقدمه أمريكا للأكراد، يظل هناك مخاوف كُردية من أن تتخلى أمريكا عنهم، بعد الانتصار على «تنظيم الدولة»، وهو ما عبّر عنه بارزان إيسو، المحلل السوري الكردي، عندما  قال إن «الرفض الأمريكي المتواصل للاعتراف بنا سياسيًّا، وعدم دعمنا في جنيف، ورفضهم قيامنا ببناء ممر لعفرين، كل هذه الأمور تجعلنا نعتقد أنه بمجرد أن تحقق الولايات المتحدة الانتصار على تنظيم داعش، فسوف يتخلون عنا».

عرض التعليقات
تحميل المزيد