«الخزانة الأمريكية»، هذا الكيان الذي عادة ما يرتبط اسمه بتوقيع العقوبات على الكيانات الاقتصادية التي تهدد مصالح الولايات المتحدة الأمريكية، ويعمل على حماية اقتصادها، ربما يعرف البعض منا هذه المعلومات بحكم ذكر اسم الخزانة الأمريكية دائما في نشرات الأخبار مقترنًا بفرض عقوبات على كيانات أخرى أجنبية؛ إلا أننا لا نعرف معلومات بهذا القدر عن منصب «وزير الخزانة الأمريكية»، كيف يجري اختياره؟ وما هي طبيعة وظيفته ومسؤولياتها والصلاحيات الواسعة الممنوحة له.

في السطور التالية، نقدم لك عزيزي، شرحًا مفصلًا لكل ما تريد معرفته عن منصب وزير الخزانة الأمريكية، والأشخاص الذين يتولونه، بما فيهم وزير الخزانة الحالي، ستيفن منوتشين، وزيارته الأخيرة على رأس وفد أمريكي-إسرائيلي لدعم التعاون الاقتصادي بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة.

ماذا تعرف عن مسؤوليات «وزير الخزانة الأمريكية»؟

تولى ألكسندر هاملتون منصب أول وزير خزانة أمريكي بين عامي (1789-1795)، وقد كان له دور بارز في سداد الديون التي تكبدتها الولايات المتحدة إبان حرب الاستقلال الأمريكية؛ إذ عمل على إصدار أول سندات للخزانة الأمريكية، وفرض لأول مرة ضرائب على الخمور.

أنشأ هاملتون أول دار لسك العملة في الولايات المتحدة من أجل إصدار عملة وطنية محلية، كما نجح في حجز مقعد للخزانة الأمريكية بالبنك المركزي الأول في الولايات المتحدة، ليجد مكانًا آمنًا لتخزين أموال الحكومة الفيدرالية، وقد سعى بشكلٍ حثيث من أجل هيمنة الحكومة الفيدرالية سياسيًّا على شؤون الولايات. إنه مثال بسيط من التاريخ عن بعض مسؤوليات وصلاحيات وزير الخزانة الأمريكية الواسعة.

(مبنى وزارة الخزانة الأمريكية)

تتلخص المهمة الأولى لوزارة الخزانة الأمريكية في الحفاظ على الاقتصاد وتعزيز الظروف المناسبة للنمو الاقتصادي والاستقرار سواء داخل البلاد أو خارجها، وهو ما يعني حماية النظام الاقتصادي والشؤون المالية للحكومة الأمريكية ومواردها من التهديدات المحيطة؛ إذ تعد الوزارة هي الكيان المسؤول عن حماية الأنظمة الاقتصادية والمالية الأمريكية، كما أن لها دورًا فعالًا باعتبارها شريكًا مؤثرًا في الاقتصاد العالمي.

وزارة الخزانة الأمريكية هي وكالة تابعة للحكومة الفيدرالية، وهي المسؤولة عن تسيير الأمور بما يساعد على استمرار عمل الحكومة، بما في ذلك دفع الفواتير الأمريكية وتحصيل الضرائب وفرض القوانين الضريبية، وملاحقة المتهمين في جرائم مالية والمتهربين من الضرائب، كما تقوم بالإشراف على البنوك الوطنية وعمليات طباعة وصك العملات المعدنية والورقية المتداولة.

وتقدم الوزارة المشورة الاقتصادية للرئيس الأمريكي فيما يخص القضايا الاقتصادية والمالية، كما أن عملهم يتضمن التنبؤ بالأزمات الاقتصادية والعمل على حلها، لكن إلى جانب كل هذا، تقوم الوزارة بدورٍ آخر بالغ الأهمية، وهو توقيع العقوبات الاقتصادية ضد الكيانات الخارجية التي تمثل تهديدًا للولايات المتحدة، وهو الدور الذي يوصف بأنه على المدى البعيد يعمل على «تعزيز الأمن القومي»، وذلك من خلال مكتب العقوبات بوزارة الخارجية الأمريكية والذي يعمل على فرض العقوبات وتنفيذها للتقليل من التأثير الاقتصادي للأهداف الأمريكية -التي تمثل تهديدًا للولايات المتحدة، بما يخدم مصالح البلاد.

سياسة

منذ سنتين
تسمع دائمًا أن وزارة الخزانة الأمريكية ستعاقب فلانًا.. ما هي قصتها؟

لكن إذا كان ذلك هو دور وزارة الخزانة الأمريكية، فماذا عن منصب وزير الخزانة؟ كيف يعمل؟ وما هي صلاحياته؟ وهل منها أن يرأس الوفود الدولية؟ يجيبك عن ذلك وزير الخزانة الأمريكية الحالي، ستيفن منوتشين، الذي أدى اليمين الدستورية في فبراير (شباط) من عام 2017، ليتولى بعدها مسؤوليات وزارة الخزانة، والتي تتمثل في كل ما سبق.

إليك صلاحيات «وزير الخزانة»

يعمل وزير الخزانة الأمريكية بصفته المسؤول المالي الأول للحكومة الفيدرالية، وبالتالي المسؤول عن حماية النظام الاقتصادي للبلاد والشؤون المالية للحكومة الأمريكية، بما في ذلك مهمة تعزيز الأمن القومي، كما ينظر رئيس الولايات المتحدة الأمريكية لوزير الخزانة باعتباره مستشارًا للشؤون الاقتصادية، وبالتالي يعمل الوزير على نصح الرئيس وتقديم المشورة السياسية له بما يخدم المصالح الاقتصادية، سواء على المستوى المحلي أو العالمي.

يشارك الوزير في صياغة السياسات المالية العامة والمتعلقة بالميزانية، والتي عادةً ما تؤثر في الاقتصاد بشكلٍ ملحوظ، كما يعمل ممثلًا ماليًا لحكومة الولايات المتحدة الأمريكية، هذا إلى جانب ما نشره تقرير موقع «Investopedia» لشؤون المال؛ إذ أشار إلى أن وزير الخزانة قد يتكلف بواجبات إضافية غير منصوص عليها بشكل محدد في الوصف الوظيفي، وذلك لما لهذا المنصب من مسؤوليات كبيرة، أحدها يتمثل في إدارة الدين العام، على سبيل المثال، وما قد يتبع ذلك من آثار اقتصادية عميقة في حالة التخلف عن سداد الديون. في الحقيقة، تنبع أهمية منصب وزير الخزانة من أن كل القرارات والإجراءات التي يتخذها الوزير قد يكون لها تأثيرات مدمرة طويلة المدى على الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي يجب اختيار من يشغل هذا المنصب بعناية.

كيف يجري اختيار شخصية الوزير؟

يشغل عادةً وزير الخزانة مقعدًا في عدة مجالس ومنصات تابعة للحكومة الفيدرالية، فهو عضو في المجلس الاقتصادي الوطني الأمريكي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير وعدة بنوك تنموية، مثل: بنك التنمية الآسيوي وبنك التنمية الأفريقي وبنك التنمية لأمريكا الشمالية، فكيف يجري اختيار شخص يحوز منصبًا بهذا الأهمية؟

يجري اختيار وزير الخزانة الأمريكية من قبل رئيس الولايات المتحدة، ويخضع بعد ذلك المرشح إلى جلسات استماع في مجلس الشيوخ الأمريكي، ولا يؤدي اليمين الدستورية إلا بعد انتخابه بأغلبية الأصوات في المجلس، أما عن مؤهلاته، فيحق للرئيس أن يختار المرشح المناسب من أية مسيرة مهنية داخل الدولة، سواء شغل المرشح مناصب اقتصادية أم لا، إذ يمكن أن يكون المرشح ذا منصب حكومي سابق، أو ذا خبرة عسكرية في الجيش، أو ممن شغلوا الوظائف العليا في القانون أو الاقتصاد.

في الحقيقة، هناك قاعدة وحيدة منصوص عليها في «دستور الولايات المتحدة الأمريكية» فيما يتعلق بعملية اختيار المرشح لشغل منصب «وزير الخزانة»، وهي: «ألا يكون المرشح عضوًا في مجلسي النواب والشيوخ»؛ إذ لا يسمح لأعضاء هذه المجالس بشغلِ أية مناصب وزارية، بينما يشغلون مناصبهم في هذه المجالس، وبالتالي على العضو أن يستقيل أولًا من منصبه بالمجلس ليشغل منصب «وزير الخزانة».

يحق لرئيس الولايات المتحدة أن يختار المرشح لشغل منصب وزير الخزانة، ويمكنه أيضًا أن يقيله أو يستبدله في أي وقت يشاء؛ وعادة ما يقدم «وزير الخزانة» على الاستقالة بعد انتهاء فترة ولاية الرئيس، وبالتالي تعد الفترة التي يقضيها وزير الخزانة في منصبه خاضعة لتقدير «الرئيس الأمريكي».

«ستيفن منوتشين».. رئيس خزانة الرئيس ترامب

بنقرة واحدة على الموقع الرسمي لوزارة الخزانة الأمريكية تستطيع أن تجد معلومات عن وزير الخزانة الأمريكية الحالي، ستيفن منوتشين، الذي يشغل أيضًا عدة مناصب منها، رئيس لجنة الاستثمار الأجنبي (CFIUS)، والمسؤول الاقتصادي لمكافحة التمويلات الإرهابية، وهو عضو في مجلس الأمن القومي، كما يشير الموقع إلى دوره الحاسم في قيادة جهود الإصلاح بوزارة الخزانة بحسب الموقع، رغم ذلك، أدلى موقع الأخبار الأمريكي «Vox» بتصريح مثير للاهتمام عام 2016، عندما كان منوتشين ما يزال مرشحًا للمنصب، إذ أشاروا إلى أن مرشح «وزارة الخزانة الأمريكية»، لا يملك أية مؤهلات سوى أنه جمع ملايين الدولارات لحملة دونالد ترامب الانتخابية.

عمل منوتشين في حملة ترامب الانتخابية قبل أن يفوز بمنصب وزير الخزانة؛ إذ تمكن هذا المصرفي من أن يجمع خبرة في سوق المال مكنته من العمل مع الرئيس الأمريكي مسؤولًا ماليًا لحملته الانتخابية، وقد تمكن خلال ذلك من جمع ملايين الدولارات. أما عن مؤهلاته يشير تقرير «Vox» إلى أن وزير الخزانة الحالي لا يملك من المؤهلات سوى ولائه الشخصي للرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب، هذا الولاء الذي أكسبه منصبه.

(من هو ستيفن منوتشين؟)

على الرغم من أن بداية السيد منوتشين كانت شائكة، خاصةً وأنه لم يلق قبولًا لدى المسؤولين الأمريكيين الذين اعتقدوا أنه ليس «جمهوريًا» كفاية، تمامًا مثل المجتمع الأمريكي الذي ظن أنه ليس أهلًا لمنصبه، إلا أن «النيويورك تايمز» قد نشرت تقريرًا عن وزير الخزانة في أغسطس (آب) الماضي، مصورة إياه في صورة البطل القومي الذي أنقذ الاقتصاد الأمريكي من الاخفاقات التي لاحقته عقب الانتشار المفزع للفيروس التاجي للمتلازمة التنفسية «كوفيد -19».

تشير النيويورك تايمز إلى أنه على الرغم من خبرة منوتشين السياسية المحدودة، إلا أن خطة الإنقاذ الحكومية التي أعدها قد تمكنت من توفير 2.2 تريليون دولار، وإيصالهم للأفراد والشركات العملاقة وحتى أصحاب الأعمال الصغيرة، وهو النجاح الذي رفع منوتشين من مجرد وزير للخزانة، إلى بطل قومي بحسب الصحيفة، إذ ساعدت حزمة التحفيز الاقتصادي تلك على استقرار الاقتصاد الأمريكي، بعدما فقد الملايين وظائفهم في الولايات المتحدة بفعل الوباء.

على جانب آخر فقد سمعنا عن الوزير في العالم العربي كثيرًا في نشرات الأخبار الأيام الماضية، إذ ترأس وفدًا أمريكيًا إسرائيليًا لزيارة كل من دولة البحرين ودولة الإمارات العربية المتحدة، وذلك للمضي قدمًا في الاتفاقيات الخاصة بالتطبيع، والتي أبرمتها البلدان مؤخرًا مع دولة إسرائيل، وهو الوفد الذي أنهى عمله أمس الثلاثاء 20 أكتوبر (تشرين الأول)، بالعودة مرةً أخرى إلى إسرائيل، بعدما زار العاصمة البحرينية المنامة، ومن بعدها عاصمة الإمارات، أبو ظبي. وقد انضم إلى الوفد المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، وديفيد فريدمان، السفير الأمريكي في إسرائيل، إلى جانب بعض مسؤولي وزارة الخزانة الأمريكية ومبعوثي السفارة.

سياسة

منذ 3 سنوات
ما الذي يدفع الإمارات للتطبيع مع إسرائيل بهذه السرعة؟

كان بيان «وزارة الخزانة الأمريكية» يفيد بأن الوفد قد بدأ رحلته لدعم «التعاون الاقتصادي» بين البلدان الثلاث، بموجب اتفاقيات إبراهام التي أبرموها، على أن تكون رحلة العودة هي الرحلة التجارية الأولى المباشرة بين أبوظبي وتل أبيب، وذلك بحسب صحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، وهو الأمر الذي يدخل في نطاق عمل وزير الخزانة، المسؤول الأول عن النظام المالي الأمريكي، والممثل المالي للحكومة الأمريكية، والعضو المؤثر في الاقتصاد العالمي.

المصادر

تحميل المزيد