حق النقض – الفيتو veto – هو حق أخذته خمس دول عند إنشاء مجلس الأمن، يسمح لأي من تلك الدول منع إقرار مجلس الأمن لأي قرار غير إجرائي في حالة استخدام إحدى هذه الدول لذلك الحق مهما كانت نتيجة التصويت على القرار. ويعد الفيتو – وفق مراقبين – أحد الإجراءات الهادمة للشرعية الدولية لحساب بعض الدول ومصالحها الشخصية، ويعتبر البعض أن الفيتو هو أشد الصور غير الديموقراطية في الأمم المتحدة والأنظمة المختلفة. وعادة ما يشار له من قبل مناهضيه بالمسئولية عن معظم حالات عدم ملاحقة جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. وفي بعض الأحيان كان التهديد بالفيتو – بدون استخدامه رسميا – كافيا لمنع مجلس الأمن من اتخاذ قرارات حاسمة.

تاريخ الفيتو

تم إنشاء مجلس الأمن عام ١٩٤٦ عقب نهاية الحرب العالمية الثانية، وهو أحد مؤسسات وملامح نظام ما بعد الحرب التي تزامنت مع سقوط عصبة الأمم وإنشاء مؤسسات النظام الجديد. ويملك حق النقض في مجلس الأمن خمس دول وهي (الولايات المتحدة الأمريكية، والاتحاد السوفيتي ومن بعده وريثته روسيا، وجمهورية الصين الشعبية، وفرنسا والمملكة المتحدة)، وكما نلاحظ فتلك الدول هي الدول المنتصرة في الحرب، وهذا مؤشر أن المنتصر هو من يحدد قواعد اللعبة.

المصدر: https://www.un.org/en/sc/img/photos/scnyc1952.jpg

صورة من أول اجتماع لمجلس الأمن، ويظهر في منتصفها بدوي باشا ممثل مصر، المصدر: https://www.un.org/en/sc/img/photos/scnyc1952.jpg

فكرة الفيتو لم تنشأ مع مجلس الأمن، بل كانت موجودة في عصبة الأمم، وإن كانت متاحة لجميع الأعضاء. بالطبع لم تكن فكرة عملية لذا تم التفكير في تغيير شكلها مع إنشاء مجلس الأمن. مباحثات التوافق على فكرة الفيتو أخذت بعض الوقت حتى تبلورت بهذه الصورة، في البداية طلبت البعثة الروسية أن يكون حق الفيتو متاحًا لكل الدول، ويمكن أن يمنع فيتو حتى فتح موضوع للنقاش. وطلبت البعثة البريطانية ألا يسمح لدولة بالاعتراض على الموضوعات الشائكة التي هي جزء منها. بعد نقاشات اتفق الأمريكان والروس والبريطانيون على منح حق الفيتو للخمسة الكبار للحفاظ على مصالحهم كدول عظمى ومؤسِسة لمجلس الأمن. وقد تم فرض الفيتو بتهديدات من الخمس الكبار بأنه لن تكون هناك منظمة الأمم المتحدة بدون الفيتو، وقتها أعلن أحد ممثلي البعثة الأمريكية موجها كلامه لباقي البعثات: “يمكنكم رفض الفيتو إذا أردتم، لكن ماذا ستردون عندما يتم سؤالكم عن عدم إقرار ميثاق الأمم المتحدة”!

 

“صورة من اجتماع في أبريل 1946”

على الرغم من أن ميثاق الأمم المتحدة ينص على موافقة الأعضاء الخمسة الدائمين (أصحاب الفيتو) على أي قرار غير إجرائي، لكن في عام ١٩٥٠ اعترضت روسيا على عدم الاعتراف بجمهورية الصين الشعبية كممثل للصين وامتنعت عن حضور جلسات مجلس الأمن مما يؤول ضمنيا لرفض أي قرار بسبب عدم الوجود الروسي، لكن مجلس الأمن لم يعتد بعدم وجود ممثل روسيا ومنذ ذلك الوقت يتبع مجلس الأمن نفس الإستراتيجية في عدم رفض قرار في حالة عدم وجود أحد الخمس الكبار. وقد منح ذلك الأمريكان الفرصة على استصدار قرارات أدت الى تدخلهم في كوريا مع كوريا الجنوبية لهزيمة كوريا الشمالية.

استخدام الفيتو

في خلال فترة الحرب الباردة تسبب حق النقض في تحجيم دور مجلس الأمن في كثير من القضايا، حيث يقوم أحد قطبي الحرب الباردة بنقض أي قرار مؤثر يمسها. وقد شهدت تلك الفترة (١٩٤٧-١٩٩١) نشاطًا في الفيتو الروسي ما يقرب ١٢٠ فيتو وما يقارب ٤٥ فيتو أمريكي. بعد انتهاء الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفيتي قل استخدام الفيتو بنسبة كبيرة حيث تم استخدام الفيتو ما يقارب ٤٠ مرة.

عدد مرات استخدام الفيتو من 1946 حتى 2007 – الصورة من ويكيبيديا.

روسيا هي صاحبة النصيب الأكبر من استخدام الفيتو بعدد ١٤٠ مرة، استخدمته أكثر المرات في العشرين عاما الأولى. واستخدمت الفيتو في رفض انضمام حوالي خمس عشرة دولة للأمم المتحدة، ورفض خروج الفرنسيين من سوريا ولبنان عام ١٩٤٦. منذ سقوط وانفصال الاتحاد السوفيتي استخدمت روسيا الفيتو نادرا وإن كانت عادت لاستخدامه مرة أخرى قي السنوات الثلاث الأخيرة وكان آخرها لرفض قرار يدين النظام السوري في عام ٢٠١٤.

بينما لم تستخدم بريطانيا وفرنسا الفيتو إلا قليلا بمجموع ٤٠ مرة، وكان أحد أهم المناسبات هو استخدامهم له لرفض مشروع قرار لحل أزمة أحداث العدوان الثلاثي على مصر في عام ١٩٥٦. وكان آخر استخدام لهم للفيتو في عام ١٩٨٩.

وتعتبر الصين هي أقل الدول الخمس استخداما للفيتو بعدد ١٠ مرات (منهم ٦ مرات مع روسيا)، وكانت بصورة عامة لمساندة النظام السوري ضد المعارضين في ٢٠١١ – ٢٠١٤، وبخصوص زيمبابوي وميانمار في ٢٠٠٧ – ٢٠٠٨، وعن استمرار قوة الأمم المتحدة في مقدونيا عام ١٩٩٩، وعن الوضع في وسط أمريكا في ١٩٩٧ ورفض انضمام بنجلاديش في ١٩٧٧.

بدأت الولايات المتحدة الأمريكية في استخدام الفيتو عام ١٩٧٠، وكانت معظم المرات لرفض إدانة إسرائيل وأيضا استخدمته للحفاظ على مصالحها في بنما وكوريا. وفي عام ١٩٩٦ استخدمت أمريكا الفيتو وحدها (رغم موافقة باقي الأعضاء الأربعة عشر في الجولة الأولى) لرفض إعادة انتخاب بطرس بطرس غالي لمنصب الأمين العام. منذ عام ١٩٧٢ فإن أمريكا هي الدولة الأكثر استخداما للفيتو، وكان آخرهم في ٢٠١١ بخصوص الوضع في الشرق الأوسط وطلب فلسطيني. وبما أن الولايات المتحدة هي صاحبة النصيب الأكبر في الفترة المعاصرة، فسنحلل ببعض التفاصيل الفيتو الأمريكي.

الفيتو الأمريكي

وهنا سنركز على الفيتو الأمريكي (ومن المثير للانتباه أن في كثير من الأحوال تكون أمريكا هي المعترض الوحيد على مشروع القرار). استخدمت الولايات المتحدة الفيتو ٨٣ مرة؛ منهم ١١ مرة من ٢٠٠١ وهو أكثر من أي دولة أخرى من الخمس الكبار منذ ذلك الوقت، وهي أيضا صاحبة العدد الأكثر من ١٩٧٣ حتى ٢٠٠١ بعدد ٧١ فيتو.

 

“صورة تجمع ممثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة في اجتماع بخصوص الوصغ في الشرق الأوسط في سبتمبر 2012.”

كانت المرة الأولى للفيتو الأمريكي في ١٧ مارس ١٩٧٠ مشاركة مع بريطانيا بخصوص روديسا الجنوبية (الآن زيمبابوي)، ولم تعترض أي دولة أخرى وإن غابت ٤ دول عن التصويت. وبداية من سبتمبر ١٩٧٢ بدأت الولايات المتحدة في استخدام الفيتو لرفض مشروعات القرارات الخاصة بإسرائيل برفضها منفردة مشروع قرار بخصوص كسر قرار وقف إطلاق النار، وبذلك القرار حتى نهاية ١٩٨٧ قامت أمريكا برفض ٣٦ مشروع قرار منفردة رغم موافقة جميع الأعضاء المصوتين. منهم ٢٢ مشروع قرار بخصوص إسرائيل، و٧ بخصوص نيكاراجوا لتحقيق مصالح أمريكية هناك، و٥ مرات ضد انضمام فيتنام للأمم المتحدة، ومرة بخصوص قناة بنما وأخرى لرفض إدانة الغزو الأمريكي لجرينادا. وشاركت مع بريطانيا وفرنسا (أو أحدهما) في رفض ١٩ مشروعًا بخصوص جنوب أفريقيا وناميبيا وزيمبابوي.

واستمرت أمريكا في نفس الطريق، ومن إجمالي ٣٠ فيتو من ١٩٨٨ حتى ٢٠٠٦. كان الفيتو الأمريكي منفردا في ٢٣ مرة منهم ٢٠ مرة بخصوص إسرائيل، ومرتان بخصوص القوات الدولية في مناطق أخرى ومرة بخصوص بنما. وكانت أمريكا في جميع هذه الحالات هي الصوت الوحيد الرافض لتبني مسودة القرار في مجلس الأمن. وشاركتها بريطانيا وفرنسا مرتين أخرتين – مرة بخصوص بنما في ١٩٨٩ ومرة أخرى في نقس العام لرفض شكوى ليبية من القوات الجوية الأمريكية وشاركهم في رفضهما دولة رابعة. وفي ٢٠١١ كان آخر فيتو أمريكي حتى وقتنا الحاضر، وكما ذكرنا كان أيضا للدفاع عن إسرائيل.

ومن هنا نرى أن الولايات المتحدة كانت الرافض الوحيد لتبني ٦١ مشروع قرار في ما يقرب من ٤٠ عاما، رغم موافقة باقي أعضاء مجلس الأمن وشاركت في رفض ٢٢ قرارًا آخر بمشاركة أقلية من الدول الأعضاء في مجلس الأمن.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد