وصف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الدول الأفريقية -إضافة إلى السلفادور وهاييتي- بأنها «بؤر القذارة»، وذلك في اجتماع له مع عدد من المشرعين يوم الخميس الماضي، وقال ترامب: «لماذا يأتي كل هؤلاء الأشخاص إلينا من بُؤر القذارة تلك؟» أثناء مناقشة بعض الاتفاقيات الخاصة بخطة التعامل مع المهاجرين القادمين إلى الولايات المتحدة الأمريكية.

وتساءل ترامب في الاجتماع عن السبب الذي يدفع الولايات المتحدة إلى استقبال المهاجرين من هذه الدول، بدلًا عن المهاجرين القادمين من دول مثل النرويج، ورغم أن هذا الخبر قوبل باستنكار عالميّ، وتصريحات مضادة، وإدانات، واتهامات صريحة لترامب بالعنصرية؛ فإن المتتبع لأحاديث ترامب عن القارة السمراء لن يندهش من جرائه، بل سيجد أنه يتماشى بشكل كبير مع رؤية ترامب للدول الأفريقية، التي تتركز بشكل أساسي على تحقيق أعلى استفادة مادية ممكنة منها، وتهميش أي جهود لتحسين ظروف مواطني تلك الدول، أو تغيير حياتهم للأفضل طالما تعارضت مع أفكاره المصلحية البحتة.

يحاول هذا التقرير إلقاء بعض الضوء على فلسفة ترامب في التعامل مع القارة السمراء، وكيف يُعتبر تصريحه الشهير خيطًا في نسيج أفكار ترامب عن الدول الأفريقية.

أفريقيا.. حلبة صراع بين أمريكا والصين

يرى ترامب أن الدول الأفريقية هي ساحة منافسة شرسة مع الصين، وأن الغلبة في هذه المنافسة يجب أن تؤول مكاسبها الاقتصادية إلى الولايات المتحدة، وذلك بأن تتحول الدول الأفريقية إلى أسواق كبيرة يتم إغراقها بالبضائع الأمريكية، ليتحقق للاقتصاد الأمريكي الاستفادة القصوى بغض النظر عن أية عوامل أخرى. هذه الرؤية النفعية البحتة قد كشفت عنها الأوراق الخاصة بالسياسة الأمريكية في أفريقيا ضمن استراتيجية الأمن القومي الأمريكي، التي نشرت في ديسمبر (كانون الأول) من العام الماضي.

Embed from Getty Images

وجاء في الوثيقة: «تحتوي أفريقيا على الكثير من الاقتصاديات سريعة النمو، والتي تمثل أسواقًا جديدة محتملة للبضائع والخدمات الأمريكية. الطلب على الصادرات الأمريكية ذات الجودة مرتفع بالفعل، ومن المرجح أن يزداد مع الزيادة السكانية للقارة، وارتفاع معدل الرخاء فيها»، وهكذا امتلأت الوثيقة المكونة من 55 صفحة بهذا الحديث عن تحول أفريقيا إلى سوق كبيرة للولايات المتحدة، وكذلك السيطرة على تدفق المهاجرين، بينما غابت مواضيع أساسية تهمّ الشعوب الأفريقية مثل: حقوق الإنسان، والتعليم، والصحة، فقد ذُكر موضوع حقوق الإنسان مرة واحدة فقط في تقرير إدارة ترامب، مقابل 16 مرة ذكر في وثيقة الرئيس السابق باراك أوباما.

القارة السمراء.. آخر اهتمامات ترامب

رصدت العديد من التقارير المتابعة لحملة ترامب الانتخابية غيابًا شبه كامل لأفريقيا عن خريطة اهتماماته، بينما كان هناك اهتمام شديد بتمديد التعاون مع روسيا والصين، وهو النمط المخالف تمامًا للخط السياسي للعلاقات الخارجية الأمريكية في عهود الرؤساء السابقين: كلينتون، وبوش، وأوباما. ففي الفترات السابقة لترامب، كان هناك إجماع كامل على الأهمية الكبيرة لأفريقيا من الناحية الاستراتيجيّة، ما انعكس على الاهتمام المتزايد من قبل الإدارات الأمريكية المتلاحقة بالقارة السمراء.

 

أبرز تجليات هذا الاهتمام العميق كان تصديق الكونجرس الأمريكي على قانون الفرص والنمو في أفريقيا (AGOA) عام 2000، وقد كان الغرض من هذا القانون مساعدة الاقتصاديات في جنوب الصحراء الكبرى، وتحسين العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة، وهذه المنطقة من العالم. وقد شجعت الاتفاقية على التبادل التجاري بين الولايات المتحدة وهذه الدول، لتصل قيمة الصادرات الأفريقية -الخاضعة لهذه الاتفاقية- إلى الولايات المتحدة عام 2013 إلى 26.8 مليار دولار. الآن، كل المؤشرات تقود إلى الشك حول مستقبل هذه الاتفاقية.

Embed from Getty Images

لم يكن ابتعاد ترامب عن الحديث عن أفريقيا في أثناء حملته الانتخابية كافيًا للبعض من أجل الحكم على نيته حول هذه الاتفاقية، فإن حديثه في أحد مؤتمراته الانتخابية عن عدم تفضيله للعلاقات التجارية متعددة الأطراف، قد يعطي مؤشرًا واضحًا عن نواياه تجاه هذه الاتفاقية التي كان إقرارها محل إجماع الرؤساء قبله، لقد كان حديثه عن عدم تفضيله لهذا النوع من الاتفاقيات التجارية، في مقابل الاتفاقيات الثنائية في معرض حديثه عن شعار حملته الشهير «أمريكا أولًا» مؤشرًا على الخطر الذي يهدد معظم الاتفاقيات التجارية مع دول أفريقيا.

من «أمريكا أولًا» إلى «أمريكا فقط»

لم تكن هذه الاتفاقية هي الوحيدة التي من المتوقع أن تعاني في المستقبل، فهناك العديد من الاتفاقيات الخاصة بإيصال مساعدات للدول الأفريقية والبرامج التي تدعم حقوق الإنسان، والتعليم والصحة، والتي تم التصديق عليها من قبل الإدارات السابقة لرئاسة ترامب. على سبيل المثال هناك «برنامج الرئيس الأمريكي للطوارئ للإغاثة من مرض الإيدز»، وكذلك «مؤسسة تحدي الألفية»، اللتين أنشئتَا في عهد الرئيس جورج بوش، عام 2002، كذلك برنامج «Power Africa» الذي يهدف للمساعدة في حل مشكلة الطاقة الكهربائية بدول جنوب الصحراء الكبرى، بالإضافة إلى قانون «الأمن الغذائي» الذي وقعه الرئيس أوباما في يوليو (تموز) 2016. كذلك هناك المساعدات التي تقدمها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، والتي تقدم مساعدات كبرى إلى الدول الأفريقية، وصلت في عام 2014 إلى 10 مليارات دولار.

Embed from Getty Images

يتوقع خبراء اتفاقيات التجارة الدولية خضوعَ هذه الاتفاقيات إلى مراجعات صارمة من قبل إدارة ترامب، وقد يكون السبب الرئيس لمراجعة بنود قانون الفرص النمو في أفريقيا، هو سماحه بدخول الواردات الأفريقية إلى الأسواق الأمريكية، دون أن يضمن في نفس الوقت الاستفادة الاقتصادية على المدى قصير للولايات المتحدة، بينما تتعارض بقية الاتفاقيات والمبادرات الخاصة بتقديم المساعدات بشكل مباشر مع ما وعد به أثناء دعايته الانتخابية بخصوص ضرورة تقليل المساعدات الخارجية الأمريكية، ومع أن من الصعب تحديد الآلية التي سيتم بها الأمر، إلا أن الأمر المؤكد هو أن تقليل هذه البرامج والمساعدات سيكون له تأثير عميق في هذه الدول التي تعتمد بعضها بشكل حرج على هذه المساعدات مثل رواندا.

ترامب الذي يعشق اللون الأبيض

لم يكن الأمر غريبًا أن يصف الكثير من المسئولين والشخصيات العامة ترامب بالعنصري، عقب تصريحه الأخير الذي يصف فيه الدول الأفريقية بـ«بؤر القذارة» التي تصدر مهاجريها إلى الولايات المتحدة، ففي أثناء حملته الرئاسية أعلن ترامب بكلمات واثقة ما يجعل أي يشخص يقضي برفض ترامب للمهاجرين الأفارقة، ونيته بسن قوانين تمنعهم قدر الإمكان.

لا يمكن هنا تجاهل تصريحاته المتكررة بشأن منع المهاجرين المسلمين من دخول الولايات المتحدة، في الوقت الذي يدين فيه الملايين من سكان القارة بالإسلام، فدول شمال أفريقيا مسلمة بالأغلبية، بينما 30% من سكان دول جنوب الصحراء الكبرى مسلمون، بالإضافة إلى قرابة أكثر من 50% من سكان نيجيريا صاحبة العلاقات الاقتصادية المهمة مع الولايات المتحدة.

في الوقت نفسه، تعهد ترامب بتشديد الإجراءات القانونية لقبول اللاجئين وطالبي الهجرة إلى الولايات المتحدة، وبرر توجهه بالجرائم التي يقترفها بعض اللاجئين. كذلك تنوي إدارة ترامب إعادة النظر في برنامج «تأشيرة هجرة التنوع» بعد تصريحاته بشأن رغبته في إنهاء هذا البرنامج أثناء أحد اجتماعات البيت الأبيض في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. هذا البرنامج يقوم بتوزيع 50 ألف تأشيرة على مواطنين من الدول التي لا تمتلك نسبة مهاجرين كبيرة في الولايات المتحدة، وسيكون أكثر المتأثرين بهذا الإجراء حال إتمامه هي الدول الأفريقية.

وكتب ترامب حينها على حسابه الخاص عبر موقع «تويتر»: «جاء الإرهاب إلى وطننا عبر ما يسمى (برنامج تأشيرة التنوع)، أحد جماليات تشاك شومر، أريد للبرنامج أن يكون مبنيًا على الاستحقاق».

لماذا يساهم من تسبب في «الاحتباس الحراري» في إنقاذ الفقراء من عواقبه؟

 

أحد أهم الانعكاسات التي قد يدفع ثمنها سكان القارة الأفريقية نتيجة فوز ترامب برئاسة الولايات المتحدة، تلك المتعلقة بالاحتباس الحراري، فمع إعلان ترامب أن الاحتباس الحراري «مجرّد خرافة من اختراع الصين»، يتضح تراجع الإدارة الأمريكية تحت قيادته عن التزاماتها تجاه هذه القضية الحساسة. وبحسب دراسة جنوب أفريقية، فإن تأثيرات الاحتباس الحراري ستعاني منها أكثر دول العالم فقرًا في العالم، التي تضمّ الكثير من البلدان الأفريقية.

وقد كان أحد أهم بنود اتفاقية باريس للمناخ: إنشاء صندوق «الاقتصاد الأخضر»، الذي من اختصاصه مساعدة الدول الفقيرة، الأكثر تأثرًا بعواقب الاحتباس الحراري، والأقل قدرة على مجابهة مخاطره، بتمويل مبدئي قيمته 10 مليارات دولار، مع توقع زيادته إلى 100 مليار سنويًّا، من أجل دعم برامج مساعدة هذه الدول لمقاومة آثار الاحتباس الحراري.

وكانت إدارة الرئيس باراك أوباما قد تعهدت بدفع ثلاثة مليارات دولار من أجل هذا الصندوق، وقد دفعت مليار دولار قبل مغادرة أوباما البيت الأبيض، ليأتي ترامب ويهاجم اتفاقية باريس، وتعاطي سلفه أوباما معها، ثم يعين مسؤولين ينكرون حقيقة وجود الاحتباس الحراري من أساسه.
في الوقت نفسه، ألغى ترامب مجموعة من القوانين التي أقرتها إدارة أوباما للحد من الغازات المضرة بالغلاف الجوي، والمسببة للتلوث. الدول الأفريقية الأقل مساهمة في تفاقم مشكلة الاحتباس الحراري، هي في الوقت نفسه الأكثر عرضة لمواجهة أخطار متعددة نتيجة سياسات ترامب بتجاهل هذه المشكلة العالمية.

المصادر

تحميل المزيد