في خطابه الأخير حول الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، قال الرئيس جو بايدن: إن هذا القرار» لا يتعلّق بأفغانستان فحسب، بل يعني إنهاء حقبة من العمليات العسكرية الكبرى (لإعادة بناء الدول الأخرى)؛ تحوّلت الحرب في أفغانستان من صدّ الإرهابيين ومنع الهجمات، إلى بناء الدولة ومحاولة خلق دولة ديمقراطية موحّدة، وهو الأمر الذي لم يحدث من قبل في تاريخ أفغانستان». 

وحسب مراقبين فقد جاء الخطاب ليضع حدًا لإستراتيجية «بناء الدول» التي انتهجتها الولايات المتحدة الأمريكية طوال القرن الماضي، وخلال العقدين الماضيين من القرن الحالي، بعد العديد من التدخلات العسكرية في البلدان التي سيطرت عليها أنظمة معادية لأمريكا، مثلما حدث في العراق وأفغانستان، فقد حاولت الولايات المتحدة بناء نظام سياسي واقتصادي جديد في البلدين بعد إسقاط صدام حسين في العراق و«طالبان» في أفغانستان، لضمان عدم صعود أنظمة جديدة معادية للولايات المتحدة.

لكن سقوط «كابل» في أيّام معدودة على يد مقاتلي «طالبان»، وانتشار راياتهم البيضاء في العاصمة الأفغانية، ودخول قادة التنظيم القصر الرئاسي بعد فرار الرئيس أشرف غني المدعوم أمريكيًا، عصف بـ20 سنة من الجهود الأمريكية في أفغانستان، وبأكثر من 133 مليار دولار جرى إنفاقها على بناء دولة أفغانية، مما جعل المحلّلين يصفون إستراتيجية «بناء الدولة» التي جرى انتهاجها في أفغانستان بأنها «فشلت فشلًا ذريعًا»، ويدعون إلى التخلّي عن هذا النهج الذي جعل الولايات المتحدة تُنفق أموالًا آلية ضخمة، ومجهودات فائقة في مشاريع بناء دول «فاشلة»، سرعان ما تنهار فور انسحاب الجيش الأمريكي.

«بناء الدولة».. إعادة صياغة السياسة والمجتمع بهوى أمريكي

 مطلع سنة 2004، وبعد أقلّ من سنة على الاحتلال الأمريكي للعراق وثلاث سنوات على الغزو الأمريكي لأفغانستان، نشر المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما مقالة مطوّلة في مجلّة «ذا أتلانتك» حول مفهوم «بناء الدولة» جادل فيها بأن على الولايات المتحدة أن تسعى لبناء دول تحمل القيم الليبرالية، كالديمقراطية واقتصاد السوق، في هاتيْن الدولتين، وذلك من خلال بناء مؤسسات الدولة مثل الجيش والشرطة والقضاء والبنك المركزي، وجهاز الضرائب، بالإضافة إلى مؤسسات الصحة والتعليم. 

قوّات أمريكية أثناء عملية الإجلاء من أفغانستان 

كان الدافع وراء هذا التوجّه الذي أتي بعد أحداث 11 سبتمبر والصدمة التي اعترت المجتمع الأمريكي، حسب فوكوياما هو أن الأخطار المحدقة بالولايات المتّحدة كانت قادمة من الدول الضعيفة والمضطربة والفاشلة، مثل العراق وأفغانستان – حسب وصفه – وبالتالي فإن التدخلات العسكرية، ينبغي أن يتبعها عملية بناء مؤسسات في هذه البلدان بعد احتلالها، تنشأ من خلالها أجهزة حكم، لتضمن الأمن والاستقرار المستدام في هذه البلدان، والتبعية للسياسة الأمريكية وتنفيذها في المنطقة بالتأكيد؛ فبدل بقاء القوات الأمريكية في هذه البلدان إلى ما نهاية، تسعى عملية بناء الدول، إلى ترك أنظمة قادرة على توفير المتطلّبات الأساسية للعيش، كالأمن والغذاء والصحة والتعليم، كما تضمن من الولايات المتحدة من خلال هذه الأنظمة الجديدة عدم صعود أعدائها إلى السلطة.

 ولكن بعد عقدين من عملية «بناء الدولة» التي نظّر لها فوكوياما، ورعاها تيّار «المحافظين الجدد» في فترة جورج بوش الابن، فإن النتائج التي كانت تطمح إليها الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، بقيت بعيدة المنال. هذا الفشل، أدّى إلى اتفاق نادر بين أقصى اليمين وأقصى اليسار في الساحة السياسية الأمريكية حول ضرورة التخلّي عن هذه الإستراتيجية.  

ففي العراق، عيّنت الولايات المتّحدة الأمريكية بول بريمر حاكمًا للعراق، وجرى إنشاء «مجلس الحكم الانتقالي» الذي رأسه بريمر والمتكوّن من 25 عضوًا؛ وهي الهيئة التي أشرفت على تصميم النظام السياسي الجديد وبناء الدولة العراقية في عهد ما بعد صدّام حسين.

اتخذ مجلس الحكم قرارًا حاسمًا بحلّ الجيش العراقي وحزب البعث؛ وفي حين بدا القرار منطقيًا بعد إسقاط نظام صدّام، إلّا أن انعكاساته كانت كارثية على الوجود الأمريكي في العراق، فقد أسفر طرد جنود الجيش عن تعزيز «المقاومة العراقية» ضد الأمريكيين عبر انضمام الجنود المطرودين إليها، وكان حلّ «البعث» يعني طرد آلاف الأطباء والمهندسين وأساتذة الجامعات من وظائفهم؛ ممّا جعل المؤسسات الصحية والتعليمية تشهد شللًا تامًا ودخلت البلاد في فوضى عارمة بعد أن تعطّلت الدولة من جراء القرار.

عملية بناء الدولة التي أشرفت عليها الولايات المتحدة الأمريكية في العراق لم تؤسس نظامًا ديمقراطيًا جامعًا للعراقيين، بل على النقيض من ذلك أسفرت عن نظام سياسي قائم على المحاصصة الطائفية والذي تسبب بدوره في نزاعات طائفية دموية. 

وفي أفغانستان أنفقت الولايات المتّحدة الأمريكية ما يقارب تريليوني دولار، من بينها مبلغ 133 مليار دولار لـ»بناء الدولة»، لذلك حين سُئل جو بايدن في لقاء صحافي في يوليو (تموز) 2021 حول احتمال سيطرة تنظيم «طالبان» على البلاد فور مغادرة الجنود الأمريكيين، أكّد وجود جيش أفغاني يبلغ تعداده 300 ألف جندي، بالإضافة إلى حكومة منتخبة ورئيس للبلاد يمنعان حدوث ذلك؛ لكن فور مغادرة الأمريكيين اتضح أن كل تلك المليارات التي أُنفقت في سبيل «بناء الدولة» ذهبت مع الريح، فقد ظلت أفغانستان حتى عام 2021 مصنفة باعتبارها دولة فاشلة وواحدة من أكثر الدول فسادًا في العالم وحوالي نصف سكّانها يعانون الفقر.

بناءً على تلك المعطيات، تعرّضت سياسة «بناء الدولة» لانتقادات واسعة من اليسار الأمريكي المعادي للحروب، من منطلق أن الداخل الأمريكي أولى بكل تلك الأموال التي تخرج من جيب دافع الضرائب الأمريكي، إذ يدعو اليسار إلى إنفاقها على برامج اجتماعية مثل الصحة والتعليم وغيرها، كما يحذّر من تعاظم نفوذ «المجمع الصناعي العسكري» والزيادة السنوية لميزانية الدفاع على حساب قطاعات أخرى.

كما اتخذ تيّار اليمين الشعبوي هو الآخر اتجاهًا معاديًا لـسياسة بناء الدول، وكان الرئيس الأمريكي الأسبق دونالد ترامب أبرز ممثلي التيار، وأكبر المدافعين عن ضرورة الخروج من أفغانستان، وكانت إدارته هي التي وقّعت على «اتفاقية الدوحة» مع حركة طالبان حول ترتيبات الخروج الأمريكي من أفغانستان. 

لماذا ينجح «بناء الدول» في بلدان ويفشل في أخرى؟ 

في بحث لمينشين باي، من معهد «كارنيجي» للسلام العالمي، أشار إلى أن سجلّ الولايات المتّحدة في «بناء الدول» ليس حافلًا بالنجاحات، إذ نادرًا ما كان يؤدي إلى نشوء ديمقراطية في الدول التي شهدت تدخّلًا عسكريًا أمريكيًا وسيطرة مباشرة للأمريكيين في الإدارة وأجهزة الحكم في هذه الدول.

ومن خلال دراسة 12 نموذجًا لدول شهدت عملية «بناء الدولة» بعد التدخّل العسكري منذ سنة 1900 (أفغانستان، هاييتي، بنما، جرينادا، كمبوديا، فييتنام الجنوبية، جمهورية الدومينيكان، اليابان، ألمانيا الغربية، كوبا، هاييتي، نيكاراغوا) توصل مينشين إلى أنه لم تنجح الجهود الأمريكية في بناء الديمقراطية، على الطراز الغربي، سوى في اليابان وألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، بالإضافة إلى «جرينادا»، وهي جزيرة صغيرة تقع في جزر الهند الغربية في البحر الكاريبي لا يزيد سكّانها عن 100 ألف نسمة، بالإضافة إلى «بنما» التي لا يتجاوز سكّانها 3 ملايين نسمة.

وغالبًا ما تشهد عمليّة «بناء الدول» في البلدان التي عرفت تدخّلًا عسكريًا أمريكيًا نتائج عكسية، فقد شهدت كل من نيكاراجوا وهاييتي وكوبا صعود دكتاتوريات عسكرية استبدادية، كما عرفت نسب فقر عالية، أما في كمبوديا فقد شهدت البلاد صعود نظام «الخمير الحمر» الدكتاتوري الذي تسبّب في مجازر واسعة النطاق.

وعلى غرار الفشل الأمريكي في «بناء الدول» (عكس ما حدث في ألمانيا واليابان) فشلت عملية «بناء الدولة» في العراق وأفغانستان فما الأسباب التي أدت إلك ذلك؟ يشير الاقتصادي دارون أسيموجلو، مؤلف كتاب «لماذا تفشل الأمم» إلى أن خطأ الولايات المتحدة في أفغانستان يكمن في محاولتها بناء الدولة من الأعلى، واعتقادها أنّ إخضاع هذه الدول بالقوّة العسكرية سيسمح لها بإعادة صياغة المجتمع والدولة الجديدة وفق رؤيتها دون مقاومة. 

فقد واجه الأمريكيون – بحسبه – في أفغانستان مجتمعًا داخليًا مفككًا شديد التنوّع العرقي ولا يملك تاريخًا طويلًا من المؤسسات الفعالة؛ وبدلًا عن العمل مع المجتمع المحلّي والبناء التدريجي للسلطة المركزية من خلال ضمان الثقة المتبادلة بين المكونات المتباينة؛ ضخت الولايات المتحدة أموالًا ضخمة في عملية «بناء الدولة» على شكل مرتّبات للجيش والمسؤولين الحكوميين «الفاسدين» ومشاريع بنى تحتية ودعم للمنظمات غير الحكومية، بينما كانت النتيجة هي معدّلات فساد ضخمة دون أيّة فائدة اقتصادية مستدامة للأفغان.

ناهيك عن أن أيّ انطباع إيجابي لهذه المشاريع الأمريكية، كان يختفي أثره مع الضربة الجويّة التالية بطائرات «الدرونز» التي يسقط بسببها المدنيّون الأفغان، من ضمنهم 40% من الأطفال الذين سقطوا ضحايا لهذه الضربات، وكانت النتيجة هي أن هذه المجتمعات بقيت تعتبر الوجود الأمريكي غريبًا ومستهجنًا وغير مرحّب به؛ ومن بين الوسائل الدفاعية للمجتمع ضد هذا الجسم الغريب بزرت الهجرة الجماعية، أو البقاء دون أي تعاون، أو في الحالة الأفغانية استخدام العنف والمقاومة المسلحة، والذي تجسّد في دعم شعبي لحركة طالبان. 

أما عن الاستثناء الناجح في اليابان وألمانيا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية؛ فإن الباحثين يشيرون إلى وجود تقليد مؤسساتي في هذه الدول، وحياة دستورية بالإضافة إلى عدم وجود انقاسامات عرقية أو طائفية، وذلك على عكس شكل التدخل الأمريكي في دول مثل كوبا أو العراق أو هاييتي، فقد أدى غياب البيروقراطية الفعالة إلى تكفّل الموظفين الأمريكيين بالأعمال الروتينية للدولة، مثل الإدارة والقضاء والأمن والمالية، في حين أنّها تركت هذه المهام في كل من اليابان وألمانيا الغربية إلى البيروقراطية المحليّة، وحافظت قدر الإمكان على الموظّفين السابقين في الأنظمة القديمة.

ففي اليابان مثلًا، من أصل 2.5 مليون شخص جرى التحقيق معه حول ارتباطاته بالنظام القديم، جرى التخلّي عن حوالي 40 ألف موظّف من النظام فقط؛ مع العلم أنّ أغلبية هؤلاء الشخصيات المعزولين قد عادوا ليتقلّدوا مناصب في النظام بعد خروج الاحتلال الأمريكي.

لكن بعض الباحثين يتّجهون إلى تفسير هذا الفشل الأمريكي في إعادة صياغة الدول في العراق وأفغانستان، إلى أبعد من مجرّد الأسباب التقنيّة المجرّدة، بل يرجعونه إلى تفسيرات ثقافية مرتبطة بالدين أساسًا، ويستند «روبرت نيكلسن» في مقاله في مجلّة «و.س.جورنال» إلى نظرية «صراع الحضارات» للمفكّر الأمريكي صامويل هانتجتون، الذي نظّر لفكرة أن المجتمعات الاسلامية لها تاريخها وقيمها الفريدة التي ترفض الذوبان في نسق الحضارة الغربية، وفي حين أن المفكرين الغربيين نظّروا للقيم الليبرالية باعتبارها أفقًا نهائيًا للانسانية، ويجري إقحامها في أي نقاش حول «بناء الدول»، فإن فشل التدخّلات الأمريكية في إخضاع العالم الإسلامي أو إعادة صياغة الدول، يحتّم على الأمريكيين أخذ الإيمان والعقيدة بعين الاعتبار، خصوصًا أن التأثير المسيحي في الثقافة الأمريكية لا يمكن إغفاله.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد