أدت إعادة فرض العقوبات الأمريكية على إيران، والتشدد في تطبيقها، عقب انسحاب واشنطن من الاتفاق النووي الإيراني إلى مزيد من التدهور والتراجع الحاد على نسب النمو للاقتصاد الإيراني وكافة المجالات. غير أن قطاع الدواء يظل أكثر القطاعات تأثرًا، وبالأخص الأدوية المتطورة لبعض الأمراض الصعبة كالسرطان، والتصلب المتعدد (Multiple sclerosis)، إذ يجد أصحاب هذه الأمراض في إيران صعوبات كبيرة في التأقلم مع الأدوية المحلية البديلة، فضلًا عن انخفاض جودتها.
يحاول التقرير التالي التعرف إلى أوجه انعكاس الأزمة على أصحاب هذه الأمراض، والتعرف إلى طبيعة المعاناة التي يواجهونها، والسبل الممكنة في سبيل تجاوز هذه الأزمة.

رغم العقوبات الغربية.. كيف حققت إيران اكتفاءها الذاتي من الدواء؟

هكذا تقتل العقوبات الأمريكية مرضى السرطان والتصلب المتعدد

تؤكد الولايات المتحدة الأميركية دومًا في بياناتها الرسمية، استثناء عدد من القطاعات من العقوبات الأمريكية التي فرضتها على طهران، عقب انسحاب الأخيرة من الاتفاق النووي الإيراني.

على رأس هذه القطاعات التي تشير إليها واشنطن دومًا، السلع الإنسانية الموجهة لإيران، والتي منها الدواء والعقاقير الطبية؛ إذ يظهر مسؤولوها دومًا في بيانات متلفزة لتأكيد استثناء أمريكا هذه القطاعات من العقوبات.

كانت آخر هذه البيانات للمبعوث الأمريكي الخاص إلى إيران، برايان هوك، الذي ظهر في مقطع فيديو على صفحة وزارة الخارجية الأمريكية على اليوتيوب، متحدثًا خلاله عن مزاعم إيرانية حول منع بلاده الدواء، والمساعدات الإنسانية، والأجهزة الإلكترونية، والمحاصيل الزراعية.

وأكد هوك في مقطع الفيديو «كذب» السلطات الإيرانية في ترويجها الدائم ووسائل الإعلام التابعة لها، بأن هذه القطاعات ممنوع دخولها البلاد، مشددًا على أن هذه القطاعات الأربعة مستثناة من العقوبات، ومسموح لها دومًا، وفقًا لما كان قائمًا قبل بدء سريان العقوبات.
غير أن بيانات واشنطن وتصريحات مسئوليها الرسمية، يُقابلها واقع مغاير تشكل نتيجة فرض العقوبات، وانعكست آثاره على قطاعات كبيرة، حاولت إيران التعامل معه وفقًا لقدراتها، وسد النقص فيه، وفشلت في التعامل مع قطاعات أخرى.

كان قطاع الدواء والعقاقير الطبية هو الأكثر تأثرًا خلافًا للبيانات الأمريكية؛ إذ خفضت الحكومة الإيرانية عدد الأدوية المدعومة من 800 إلى 30 أو 40 دواءً، نتيجة الأزمة المالية التي تواجهها من وراء تعثرها في تصدير البترول.

كما أظهرت البيانات الصادرة عن البنك المركزي الإيراني، ارتفاع تكلفة الرعاية الصحية في إيران 20% تقريبًا، في الفترة بين نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، ونوفمبر 2018.

وتضاعفت آثار الأزمة عند مرضي الأمراض المُزمنة؛ وتحديدًا مرضى السرطان، والتصلب المتعدد (Multiple sclerosis)، الذين يعتمدون في العلاج على عقاقير مستوردة ومتطورة، في ظل عدم بلوغ المصانع المحلية القدرات المطلوبة في إنتاج أدوية مماثلة لهذه الأمراض.
ويعدّ التصلب المتعدد «مرضًا مناعيًّا ذاتيًّا، يهاجم جهاز مناعة الخلايا العصبية في الدماغ، والحبل الشوكي، والعصب البصري. وينتج من مهاجمة جهاز المناعة لمادة «الميالين» العازلة، التي تلف محاور خلايا الجهاز العصبي المركزي أو امتداداتها، مما يؤدّي إلى حدوث أضرار في الأنسجة، وفي عملية نقل الإشارة العصبيّة من الدماغ إلى مختلف أعضاء الجسم».

وارتفعت أعداد مرضى التصلب اللويحي، أو التصلب المتعدد، في إيران السنوات الأخيرة، إذ تُقدر نقابة الأطباء في البلاد أعداد المصابين بنحو 70 ألف مريض، أي إن 50 إيرانيًّا يصابون به من بين كل 100 ألف.

نازي، وهي ربة منزل بالغة من العمر 44 عامًا، واحدة من مرضى التصلب المتعدد، والتي ساءت أحوالها بعدما بات العثور على الدواء أمرًا «شديد الصعوبة». وتقول في اتصال هاتفي مع التلفزيون الألماني: «أدويتي نادرة في السوق الإيرانية. لقد سمعت في العديد من الصيدليات، أن الدواء لن يُستورد بعد الآن».

وتوضح: «الأدوية الإيرانية ليست جيدة بالنسبة لي، وأفضل عدم أخذ المزيد منها».

دليلك المبسط لفهم العقوبات الأمريكية الجديدة على إيران 

وكمؤشر وإقرار إيراني رسمي على حجم الصعوبات التي تواجه مرضى التصلب المتعدد، في العثور على الدواء المستورد، فقد سبق وأن ذكر وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، خلال اليوم العالمي لمرض التصلب المتعدد، وعقب إتمام الاتفاق النووي الإيراني مع الإدارة الأمريكية السابقة، بأن المصابين بهذا الداء ستنتهي معاناتهم بفضل الاتفاق النووي قائلًا: «يمكن الآن إعادة استيراد أدويتكم».

ومع توفر الدواء المستورد في مرات نادرة، يجد الغالبية الكبرى من المرضى صعوبة في الحصول عليه؛ نتيجة تضاعف سعره مرات عديدة عما كان، كما حدث مع محمود عزت، وهو طالب يبلغ من العمر 23 عامًا، هرع إلى شارع ناصر خسرو المظلل في جنوب طهران، عندما علم أن دواء التصلب المتعدد، الذي تعاني منه والدته متاح هناك.

يقول عزت: «إنها تبلغ من العمر 45 عامًا، ومن السابق لأوانه رؤية شللها بشدة»، موضحًا أنه اضطر لدفع ثمن الدواء في الشارع مضاعفًا ثلاث مرات عما دفعه في مايو (أيار) 2018. مضيفًا: «لا أعرف على من فرض ترامب العقوبات، إلا أنه يعاقب الأشخاص المصابين بأمراض حرجة هنا».

وأقرت محكمة العدل الدولية، في حُكم صادر عنها، بالصعوبات التي تواجه طهران في استراد الأدوية، إذ طالبت «بإلغاء كل عراقيل تفرضها الإجراءات التي أعلنت في الثامن من مايو 2018 على حرية تصدير أدوية، ومواد طبية ومواد غذائية، ومنتجات زراعية، إلى إيران».

وعلى شاكلة مرضى التصلب المتعدد، تتكرر معاناة مرضى السرطان في صعوبة الحصول على الأدوية المستوردة، إذ تؤكد شهادات لمرضى السرطان أنّ أدوية العلاج الكيماويّ، مثل أسباراجينيز، ومركابتوبورين، المستخدمين في علاج سرطان الدم (اللوكيميا)، بل حتّى مسكّن الألم الأساسيّ باراسيتامول، غير موجود بالأسواق، إلى جانب أنه في حال توفرها؛ فستكون بأسعار مضاعفة مرات ومرات.

وقد شكل صعوبة الحصول على أدوية هذه الأمراض منفذًا لرواج تجارة في أدوية مغشوشة ومنخفضة الجودة لهذه الأمراض، عبر شبكة من التجار، تعمل على توصيل أدوية مشابهة عبر طرق تمرّ بباكستان، وتركيا، والإمارات العربية المتحدة.

وتكتسب صعوبة مرضى السرطان في إيران أهمية كبيرة؛ في ظل تضاعف أعدادهم ست مرات خلال 20 عامًا، من عام 1989 إلى عام 2009، إذ بلغت الزيادة كُل عام بمقدار 90 ألف إصابة تقريبًا، يتوفى منها 35 ألفًا، وفقًا للإحصائيات الرسميّة الصادرة عن وزارة الصحة الإيرانيّة.

بينما تُقدر وزارة الصحة الإيرانية أعداد المصابين بالسرطان، الذين يعيشون حاليًا في إيران، بنحو نصف مليون مريض تقريبًا، وفقًا لإحصاء منشور عنها عام 2014.

عدد من السيدات المصابات بمرض السرطان يتلقين العلاج بمركز صحي في إيران

وغالبًا ما تنتهي حلول العلماء الإيرانيين وابتكاراتهم في إنتاج أدوية لمعالجة مرض السرطان بلا جدوى؛ في ضوء اعتماد هذه الابتكارات على مواد مُستخدمة تُنتج فقط في الولايات المتحدة الأمريكية.

والافتراض القائم على نجاح إيران في استيراد هذه المواد، التي تُنتجها أمريكا بأسعار مرتفعة، لتستخدمها لاحقًا في إنتاج عقاقير للمرض بديلًا للأدوية المستوردة خارجيًّا، سيرفع سعر الدواء الذي لا يستطيع تحمل تكلفته سوى 15 و20% من المصابين بالمرض، وذلك في الظروف العادية، إذ إن تكلفة علاج جلسة واحدة منه نحو 1380 دولارًا، وذلك في مستشفى خاص.

طه شاكوري، الطفل ذو الثمانية أعوام، هو أحد ضحايا مرض سرطان الكبد، الذي تضاعفت معاناته مؤخرًا، في ظل نفاد العلاج الكيماوي، الذي يتلقاه في مستفى حكومي بطهران، الذي يعتمد على التبرعات، حسب ما نقلت عنه وكالة أنباء «الأسوشيتد برس».

معاناة طه تضاعفت من جراء صعوبة العثور على الدواء، الذي كان مُدرجًا في قوائم انتظاره الطويلة مع آلاف غيره، فضلًا عن تراجع التبرعات الخيرية التي كان المستشفى الخيري يتلقاها من الخارج، وتعالج ما يُقارب 32 ألف طفل، وذلك نتيجة القيود التي وضعتها واشنطن على المصارف الإيرانية، والقيود في تلقي الأموال من الخارج.

وقال مدير المستشفى: «العقوبات المصرفية منعت المعاملات، ومنعت التبرعات من الخارج. عمليات تحويل الأموال تفشل ببساطة، بما في ذلك التحويلات التي وافقت عليها وزارة الخزانة الأمريكية».

وتُشير أرقام انخفاض الواردات من الأدوية، التي كانت قد بلغت ذروتها في سبتمبر (أيلول) 2018، بقيمة 176 مليون دولار، ثم انخفضت انخفاضًا ملحوظًا بنسبة 60% إلى حوالي 67 مليون دولار.

كذلك تراجعت الصادرات الصيدلانيّة السويسريّة إلى إيران بنسبة 30%، من 235 مليون فرنك سويسريّ (240 مليون دولار) عام 2017 إلى 163 مليون فرنك (167 مليون دولار) العام الماضي، بحسب بيانات الجمارك السويسريّة. وتراجعت الصادرات الصيدلانيّة الفرنسيّة إلى إيران بنسبة 25% من 194 مليون يورو (218 مليون دولار) إلى 146 مليون يورو (164 مليون دولار) العام الماضي.

لكنها عززت أيضًا من صناعة الدواء المحلية

إلى جانب ما فعلته العقوبات الأمريكية تجاه قطع الطرق أمام توفر الأدوية المستوردة لبعض الأمراض الخطيرة، مثل التصلب المتعدد والسرطان، فضلًا عن ارتفاع أسعار الأدوية المستوردة مرات عديدة مع ندرة توفرها، فإنها عجلت كذلك بالتوجه لصناعة الدواء المحلي بمواد محلية، ورفعت نسب التوظيف بمصانع الأدوية.

وتحظى صناعة الدواء في طهران بأهمية كبيرة؛ نتيجة اهتمام رسمي بدفع هذه الصناعة وتطويرها، والعمل على ضم أفضل الكوادر البشرية، وتأهيل المزيد. إذ تُقدر نقابة الصناعات الدوائية الإيرانية أن شركات صناعة الأدوية تُوظّف نحو 25 ألف موظف، فيما يعمل 100 ألف عامل آخرون في شركات التوزيع والصيدليات، وخدمات دعم ما بعد البيع، وما يقرب من 20% من هؤلاء العاملين من خريجي الجامعات، ولكن مستقبلَهم مُهدد بالضياع.

وأدت هذه الظروف التي تعيشها طهران إلى التوسع في صناعة الدواء المحلي؛ ليصل حجم إنتاجها نحو 96% من الأدوية (الـ4% التي تستوردها عبارة عن لقاحات وبعض أدوية السرطان المحددة)، فيما يبلغ حجم إنتاج الدواء فيها أكثر من أربع مرات من حاجة السوق المحلي، لذلك تُصدّر أدويتها إلى نحو 30 بلدًا، بقيمة 150 مليون دولار سنوًّيا.

ويظهر ذلك في تطور إنتاج شركات الدواء؛ والتي يبرز منها على سبيل المثال نموذج شركة «دورسا (dorsa)» التي تصنع وحدها في منطقة الشرق الأوسط مادة «nitroglycerine» المهمة لعلاج الأمراض القلبية وتصلّب الشرايين، إلى جانب نحو 80 صنفًا من دواء «الجينيريك».

كذلك، يبرز نموذج آخر هو شركة «توليد أرو» التي تملك فرعًا يتعلّق بالطب الحديث، القائم على التعديل الجيني، وترميم الخلايا ومعالجتها، وهو أحد الفروع التي استحدثتها الشركة نتيجة العقوبات الأخيرة.

بُعد آخر ساهم في تطوير الشركة، يتمثل في تنظيم أول مؤتمر عالمي حول إنتاج مواد تجميل «شرعية» و«حلال». ويشارك في المؤتمر عدد من الدول الإسلامية المهتمة بهذا المجال. وتأتي هذه المساعي في ظل تطور لافت تسجله إيران على صعيد إنتاج مواد التجميل، الخالية من المواد «غير الشرعية».

حربٌ محتملة تلوح في الأفق.. هذه خيارات إيران في حال أعلنت أمريكا الحرب عليها

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد