نحن نقاتل من أجل حدود البلاد الأخرى، وعندما يأتي الأمر إلى حدود دولتنا نتوقف عن القتال *دونالد ترامب

منذ منتصف الليلة الماضية بدأت الحكومة الأمريكية تمر بحالة إغلاق جزئي، وهي المرة الثالثة خلال عام واحد، وذلك إثر الفشل في توصل المشرعين الأمريكيين لاتفاق بخصوص أزمة الميزانية، وفي هذه الأثناء عقد الكونجرس الأمريكي عدة جلسات نادرة ظهر يوم السبت في محاولة منه لحل الأزمة، إلا أنه وفي الوقت ذاته جرى إغلاق تسع من بين 15 وزارة فيدرالية شملت وزارة الخارجية والعدل والأمن الداخلي، إلى جانب وزارتي الاتصالات والزراعة؛ وبذلك يتعين على مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين من اليوم العمل دون أجر، أو الإجازة غير مدفوعة الأجر، ويعتبر هذا الإغلاق هو الثالث من نوعه خلال عامٍ واحد، وبحسب وكالة «سي إن إن» الإخبارية، كان الإغلاق الأول في 20 من شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، واستمر لثلاثة أيام، أما الإغلاق الثاني فكان في التاسع من فبراير (شباط) الماضي، وأخيرًا جاء في 22 من الشهر الجاري، وهو الحدث الأول من نوعه أن تُغلق الحكومة الأمريكية ثلاثة مرات خلال عامٍ واحد منذ ما يزيد عن 40 عامًا، تحديدًا عام 1977.

وبحسب « بي بي سي» فبدءًا من اليوم سيحصل 380 ألف موظف حكومي على إجازة غير مدفوعة الأجر، إلا أنه في الوقت ذاته سيواصل أكثر من 480 ألف العمل دون مقابل؛ وذلك لما تلعبه أعمالهم من أدوار أساسية في حماية الأمن والممتلكات؛ إذ إن موظفي الجمارك والحدود سيواصلون العمل، على الرغم من تأخر رواتبهم، هم وموظفو المطارات؛ أما المتنزهات فيجرى إغلاق أغلبها وإرسال العاملين إلى منازلهم، مع الحفاظ على بعض المتنزهات مفتوحة بالقليل من الموظفين والمرافق. حوالي 90% من موظفي وزارة الإسكان يجرى إعطاؤهم إجازات غير مدفوعة الأجر؛ مما قد يعطل المصالح الخاصة بالمواطنين، إلا أنه سيجرى تمويل ما تبقى من الحكومات الفيدرالية حتى 2019 سبتمبر (أيلول)، وذلك يشمل وزارة الدفاع، وشؤون المحاربين القدامى إلى جانب دوائر التعليم؛ هذا ما يعنيه الإغلاق هذه المرة.

يقول الرئيس الأمريكي: «الأمر برمته في جعبة الديمقراطيين؛ لكن يجب أن نكون مُستعدين لإغلاق يدوم لفترة طويلة»، فكيف وصل الأمر إلى هذا الحد؟ الإجابة هي: «معركة الجدار».

«معركة الجدار».. ترامب في مواجهة الكونجرس الأمريكي

تشير«بي بي سي» إلى أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد رفض التوقيع على أية صفقة لا تتضمن 5 مليار دولار لبناء جداره الموعود على طول الحدود المكسيكية؛ وهو ما أدى إلى تعطيل التوصل لاتفاقٍ نهائي بخصوص انقضاء التمويل المالي لحوالي ربع الوكالات الفيدرالية الأمريكية في منتصف ليلة السبت (في الخامسة بتوقيت جرينتش)، وهي المرة الثالثة التي ينتهي فيها التمويل الفيدرالي الأمريكي خلال هذا العام.

يوم الأربعاء الماضي، كان هناك اتفاق ثنائي في مجلس الشيوخ يهدفُ إلى إبقاء الوكالات الفيدرالية مفتوحة حتى الثامن من فبراير (شباط) القادم، إلا أن الاتفاق لم يشمل تمويل جدار ترامب، بحسب «بي بي سي»؛ مما قاد ترامب لوضع العقبات أمام تقرير ميزانية الحكومة الأمريكية ما لم يتضمن الأموال الخاصة بالجدار. في المقابل وافق مجلس النواب – الذي يسيطر عليه الحزب الجمهوري حتى الآن – على إقرار مشروع قانون يتيح تخصيص 5.7 مليار دولار من التمويل للجدار، إلا أنه مازال يحتاج إلى 60 صوتًا داخل مجلس الشيوخ بالكونجرس الأمريكي، والمكون من 100 مقعد؛ ليجرى تمرير القانون؛ وهو ما لا يملكه ترامب الآن.

يدرك الرئيس الأمريكي جيدًا أن مجلس النواب في يناير القادم سيصبح تحت سيطرة الديمقراطيين، وهو ما يتعارض مع تمويل جدار بطول الحدود المكسيكية، ولهذا يسعى ترامب للضغط بإلحاح قبل حلول يناير بشأن تمويل الجدار.

في البيت الأبيض، أنا أعمل بجد: أتفاوض مع الديمقراطيين بخصوص أمن حدود البلاد من العصابات، والمخدرات، والإتجار بالبشر، ولهذا قد يستمر الإغلاق لفترة من الوقت *دونالد ترامب

يشير دونالد ترامب عبر حسابه الخاص في «تويتر» إلى أنه يحارب من أجل أمن البلاد، قائلًا: «إن كل الأخبار المُتعلقة بسحب الجنود من سوريا وإغلاق الحكومة الفيدرالية مجرد أخبار وهمية»، في المقابل يقول مارتن إيلي، وهو ضابط في مصلحة الضرائب بولاية أريزونا: «أتمنى ألا يستخدمونا ورقةً مساومة»، وهو من الضباط المتأثرين بإغلاق الحكومة، مُشيرًا إلى أن الضباط يضطرون للعيش على المدخرات، ونقود الائتمان، منتظرين أن يجرى الدفع لهم مرة أخرى، وهو الأمر الذي يجب أن يحظى حينها بموافقة مجلس الشيوخ أولًا؛ مما يجعله مرهقًا للغاية. أما بالنسبة لترامب، وبحسب «بي بي سي»، فإنه يريد الجدار الحدودي بشدة؛ وذلك لأنه كان وعدًا قد قطعه في الانتخابات الرئاسية الفائتة.

من جانبها أشارت صحيفة «نيويورك تايمز» إلى أن التشريع الرئيسي لقانون يتضمن تمويل إنشاء جدار فلاذي على الحدود يجب أن يجرى بموافقة كلا الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وهو ما يتطلب مفاوضات بين البيت الأبيض وأعضاء الكونجرس الديمقراطيين خاصةً من أجل التوصل إلى حل وسط يرضي جميع الأطراف، ويضمن تمويل الحكومة الفيدرالية لتخطي الأزمة، وذلك في الوقت الذي فخر فيه الرئيس الأمريكي أثناء اجتماع بمكتبه البيضاوي بإغلاق الحكومة وتحمل اللوم، ما لم يحظ بتمويل الجدار، مؤكدة أن إغلاق الحكومة هو نهاية مناسبة لفترة حكم جمهوري شهدت خلالها غرفتا الكونجرس والبيت الأبيض خللًا وظيفيًا، ورئيس زئبقي أدت مواقفه المتقلبة إلى إفساد الصفقات التشريعية.

كان من ضمن ما جرى مناقشته خلف الأبواب المغلقة، بحسب «نيويورك تايمز»، هو تخصيص ما يقدر بـ1.6 مليار دولار لحفظ أمن الحدود؛ مما يتضمن أشكال أخرى من حماية الحدود، لكنه لا يتضمن بناء أي سور، إلا أن الجمهوريين لم يدعموا هذا الحل، فيقول جيم جوردان من أوهايو: «ما نريده هو مال حقيقي للجدار»، في إشارة إلى أن 1.6 مليار دولار ليست كافية.

من ناحية أخرى سعى الرئيس الأمريكي إلى إلقاء اللوم على الديمقراطيين إذا لم يصوتوا من أجل قانون تمويل الجدار، مُحملًا إياهم المسئولية كاملة بشأن إغلاق الحكومة، وذلك طبقًا لما نشره على حسابه الرسمي في موقع التواصل الاجتماعي «تويتر».

الإغلاق الثالث هذا العام.. لماذا أغلقت الحكومة الأمريكية في المرتين السابقتين؟

في كل عام يجب أن يوافق الكونجرس الأمريكي على عدة قوانين تعرف بمخصصات الموازنة المالية، والتي يترتب عليها توفير الأموال اللازمة للوكالات الفيدرالية؛ ولذلك بحسب القانون الفيدرالي، فإن الوكالات التي تنتهي قوانينها السارية لصرف المخصصات المالية، لن تصبح قادرة على صرف الأموال الخاصة بها.

وفي هذا الصدد، نشرت «بي بي سي» في 22 يناير الماضي تقريرًا يشير إلى إغلاق الحكومة الفيدرالية بشكلٍ جزئي لأول مرة منذ عام 2013، وذلك بعد فشل الكونجرس في التوصل إلى خطة تمويل حكومي قصير المدى لمدة أربعة أسابيع  بتجميع الـ60 صوتًا المطلوبة من أصل 100 مقعد، وذلك حتى التوصل إلى اتفاقٍ يناسب الحزبين الديمقراطي والجمهوري بشأن الميزانية. وكان الحزب الديمقراطي حينذاك يرفض إقرار الميزانية ما لم يوافق الكونجرس على تشريع قانون يعمل على حماية المهاجرين غير الشرعيين الذين جرى جلبهم إلى الولايات المتحدة أطفالًا.

وهو ما انتقده ترامب حين قال: «كل ما يريده الديمقراطيون هو أن يتدفق المهاجرون غير الشرعيين إلى أمتنا دون رقابة»، وفي النهاية تراجع الديمقراطيون عن اعتراضهم، وذلك بعد ثلاثة أيام من توقف عمل الحكومة الفيدرالية، وأعلن تشاك شومر زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ أن الحكومة سيعاد فتحها بعد عدة ساعات، وهو ما حدث بالفعل بعدما وعد مجلس الشيوخ بأن يجرى وضع قانون المهاجرين غير الشرعيين في الاعتبار.

Embed from Getty Images

جرى تمديد ميزانية الوكالات الفيدرالية حتى التاسع من فبراير الماضي؛ إذ أغلقت الحكومة الأمريكية أبوابها للمرة الثانية خلال هذا العام، إذ أراد القادة الديمقراطيين تأكيدات من أن مجلس النواب سيقدم تشريع يعالج برنامج العمل المؤجل من أجل تقديم الحماية من الترحيل للمهاجرين غير الشرعيين الذين جرى جلبهم إلى الولايات المتحدة أطفالًا، وكانت الموازنة المقترحة تفيد بخطة مالية لمدة عامين، إلا أن السيناتور الجمهوري راند بول كان قد أطال فترة النقاش حول الموازنة إلى ما بعد منتصف الليل، مُشيرًا إلى أن المسودة المقترحة تزيد من العجز العام، وهو ما تخطي الموعد المحدد للموافقة عليها، وفي حوالي الساعة الخامسة والنصف صباحًا جرى إنهاء الإغلاق الحكومي الثاني، والتوصل لاتفاق ما بين الجمهوريين والديمقراطيين.

سياسة

منذ سنة واحدة
تسمع دائمًا أن وزارة الخزانة الأمريكية ستعاقب فلانًا.. ما هي قصتها؟
4750
فريق العمل

كان إغلاق يناير وفبراير هذا العام هو الأول منذ عام 2013، وعهد الرئيس الأمريكي باراك أوباما؛ إذ جرى إغلاق الحكومة الفيدرالية لمدة 16 يومًا، وذلك بعد عدة تجاذبات ومواجهات بين الجمهوريين والديمقراطيين في الكونجرس الأمريكي؛ إذ رفض الحزب الجمهوري – والذي كان قد استعاد السيطرة لتوه على مجلس النواب – التصويت على الميزانية الفيدرالية طالما أنها تتضمن قانون الضمان الصحي (أوباما كير) والذي ينص على توفير الرعاية الصحية لأغلبية الأمريكيين بأسعار مخفضة ومنطقية، خاصةً هؤلاء ممن لا يملكون تأمينًا صحيًا مغطى من شركةٍ ما. وهو القانون الذي يراه الرئيس السابق للولايات المتحدة أهم إنجاز له وإدارته، في حين رأى فيه الجمهوريون ما يرفع سقف الدين الأمريكي.

عام 1977 أغلقت الحكومة الفيدرالية أبوابها 3 مرات في عامٍ واحد

في عهد الرئيس الأمريكي جيمي كارتر، شهد عام 1977 أول إغلاق للحكومة الفيدرالية في تاريخها ثلاثة مرات على التوالي في عامٍ واحد. كان الإغلاق الأول في 30 سبتمبر، واستمر لمدة 12 يومًا حتى 13 أكتوبر من العام  نفسه. كانت السيطرة على مجلس الشيوخ حينها من الديموقراطيين، وكان البيت الأبيض يضع حظرًا على إنفاق المال الفيدرالي بشأن عمليات الإجهاض، إلا في الحالات التي تكون فيها حياة الأم على المحك، وهو ما أراد مجلس الشيوخ تخفيفه ليشمل تلك الحالات التي يكون الحمل فيها نتيجة للاغتصاب، أو سفاح القربي. رفض الديمقراطيون هذا الحظر المشدد، وتمسك به مجلس النواب، وهو ما عمل على وجود فجوة في الاتفاق على الميزانية الخاصة بالوكالات الفيدرالية؛ مما ترتب عليه توقف العمل بشكل جزئي.

Embed from Getty Images

جرى تمديد العمل في المصالح الحكومية من 13 أكتوبر (تشرين الأول) وحتى 31 من الشهر نفسه؛ إذ جرى إغلاق الوكالات الفيدرالية بشكلٍ  جزئي للمرة الثانية في نفس العام على التوالي، وهو الأمر الذي استمر لمدة ثمانية أيام؛ إذ لم يجر التوصل لحل بخصوص حظر إنفاق المال الفيدرالي على الإجهاض في حالات الاغتصاب، وهو ما أجبر الرئيس الأمريكي كارتر على التوقيع لتمديدٍ آخر قصير الأمد لحل تلك الأزمة حتى 30 نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه.

سياسة

منذ 3 سنوات
أغنى 10 رؤساء في تاريخ الولايات المتحدة
10770
أحمد محمد

في 30 نوفمبر لم ينجح التفاوض في حل أزمة قانون الإجهاض؛ مما أدى إلى إغلاق الحكومة الفيدرالية للمرة الثالثة على التوالي في العام نفسه، حينذاك أصر مجلس النواب على رفض مقترح مجلس الشيوخ بخصوص تمويل إجهاض ضحايا الاغتصاب بصرامة، واستمر هذا التعنت لمدة ثمانية أيام حتى التاسع من ديسمبر (كانون الأول) 1977، وذلك حينما جرى التوصل إلى اتفاق بين الجمهوريين والديمقراطيين بتوسيع نطاق قانون الإجهاض ليشمل الاغتصاب وسفاح القربى باعتبارهم يهددون صحة الأم، حتى وإن لم تكن حياتها معرضة للخطر.

المصادر

تحميل المزيد