«أنت برجك إيه؟»؛ ربما يكون من أوائل الأسئلة التي يطرحها الناس الآن على بعضهم في بداية التعارف، حتى لو كان على سبيل المرح والتسلية، ولكن هناك البعض الذين يصدقون تصديقًا تامًا كل ما يخص صفات الأبراج وتأثير حركة الكواكب في الحالة النفسية لكل برج.

ويوضح استطلاع رأي أمريكي نُشر في منتصف هذا العام 2021 وشارك فيه ألفا شخص؛ أنه هناك ما يزيد عن 30% من الآباء الذين ينتمون لجيل الألفية؛ يخططون جيدًا وبحذر للتوقيت الذي سينجبون فيه أبناءهم حتى يكون الطفل منتميًا إلى البرج الذي يفضلونه، ويتجنبوا التواريخ التي تخص البرج الذي يكرهون التعامل معه.

وهناك الكثير من المواقع والفيديوهات بجميع اللغات وتحصد ملايين المشاهدات؛ تعمل على توضيح تأثير حركة الكواكب في الحالة المزاجية والنفسية لكل برج من الأبراج، ونظرًا لنسبة المشاهدات التي تذيل تلك المقاطع المصورة؛ يمكننا أن نخمن مدى إقبال الناس حول العالم على تلك النوعية من المعلومات؛ إذًا فما هو رأي العلم في أمر الأبراج؟

القمر والأرض لهما دور في حالتك النفسية.. فما الذي يمنع الكواكب؟

أثبت العلماء أن هناك ترددات كهرومغناطيسية تنبعث من الأرض وتتغير وفقًا لمناخه، تلك الترددات التي أطلق عليها العلم «نبضات قلب الأرض»، ورصد العلماء علاقة قوية ما بين نبضات كوكب الأرض والحالة العقلية للإنسان بالدرجة التي تؤكد أن الإنسان يكون في أفضل حالاته عامة عندما تكون الأرض ونبضات قلبها في أفضل حالاتها أيضًا، ما يعني أيضًا أن التغير في تلك النبضات يؤدي إلى تغير السلوك البشري، وقد شرحنا تلك العلاقة بالتفصيل في تقرير سابق.

كما أن العلم أشار مؤخرًا بوضوح إلى تأثير أطوار القمر على الحالات المزاجية للإنسان، واختص العلماء بالدراسة تأثيرات القمر المكتمل على الإنسان، بداية من شعوره بالأرق أو التصرف بحدة، وصولًا إلى زيادات معدل الجريمة وقت اكتمال القمر وهذه الأخيرة ما زالت محل جدل بين العلماء.

في بعض الأحيان كانت معتقدات البشر الموروثة من أساطير القدماء، ومدى إيمانهم بها؛ دافعًا للعلم حتى يفهم تلك المعتقدات وسبب اقتناع البشر بها، وكما اهتم العلماء بدارسة وفهم تأثير القمر في سلوك البشر وحالتهم النفسية، اهتموا أيضًا بدارسة دور حركة باقي كواكب المجموعة الشمسية على الحالة النفسية والعقلية لكل برج من الأبراج.

«افهم نفسك عن طريق النجوم»

وفق تصريحه لجريدة «نيويورك تايمز» لاحظ الطبيب النفسي الأمريكي جوناثان كابلان أن العديد من مرضاه النفسيين يربطون بين حالتهم النفسية المتوترة والحركة التراجعية لكوكب عطارد بالنسبة لكوكب الارض، ولأنه متخصص في العلاج السلوكي المعرفي، فحركة الأفلاك لم تكن ضمن معلوماته، ولكنه حاول أن يفهم في أمور التنجيم، ليس لاستخدمها لعلاج مرضاه، بل ليكون لديه القدرة على تحقيق تواصل أفضل معهم.

تلك النوعية من العلاجات البديلة للعلاج النفسي بدأت تنتشر عالميًا في الثقافات الشعبية، وانضم لها أوراق التاروت تحت اسم «القراءات النفسية» حيث يقرأ المنجم الحالة النفسية للعميل من خلال أوراق التاروت – وهي أوراق قديمة تستخدم في التنجيم، ولم تقتصر تلك الطرق على الهواة، بل ينفذ البعض منها في المستشفيات أيضًا في الأرجنتين والهند.

ففي عام 2016 بالأرجنتين؛ اختارت واحدة من المستشفيات هناك طريقة مختلفة ومثيرة للجدل لعلاج المرضى النفسيين الذين يعانون من أمراض مثل القلق المزمن والاكتئاب، وكانت تلك الطريقة عبارة عن ورشة تحمل اسم «افهم نفسك عن طريق النجوم»، لكن لم تكن ورشة العمل تلك تحت إشراف طبيب نفسي.

بل كانت تديرها «منجمة» تُدعى كلوديا ريكو، وكان دورها في هذه الدورة العلاجية أو الورشة هو أن تحلل برج كل مريض نفسي من خلال تواجد النجوم والأبراج وفقًا لبرجه – التاريخ الذي ولد فيه- وتستخدم تلك البيانات لتفسير ما مروا به من تجارب قاسية في الماضي، ولماذا كانت اختيارتهم في الحياة تؤدي لتلك النتائج السيئة، بجانب تحليل حالتهم المزاجية الحالية ولمدة شهر قادم وفقًا للحركات المتوقعة فلكيًا لكل كوكب بالنسبة لكل برج.

كوكب عطارد

على سبيل المثال؛ لو كان المريض من مواليد برج الميزان، قد تحذره في الشهر القادم من اتخاذ أي قرار يخص علاقته العاطفية لأن كوكب المشتري سيكون في بيت برجه السادس – مكان الكوكب بالنسبة للمجموعة النجمية المشكلة للبرج في السماء- وهذا في تحليل التنجيم قد يعني أن أي قرار عاطفي ستكون نتيجته سيئة وتزيد من حزن الفرد وقلقه واكتئابه، وهكذا.

وعلى الرغم من أن تلك الطريقة في العلاج والتحليل النفسي تعرضت للكثير من النقد، فإنها أمر لم يُمنع من أي جهة صحية مختصة بوضع قوانين الممارسات الطبية، وهذا لأن الأمر ما يزال تحت الدراسة والاستكتشاف من جانب العلماء، فلا يمكن نفيه أو إثباته، ولكن أيضًا لم يمكن إثباتها علميًا إذ لم تكسب مكانتها في المؤسسات الصحية في العالم.

ما رأي علم النفس؟

في عام 2014 نشرت ورقة بحثية بعنوان «Predicting Psychological Disorders by Astrology» أو «توقع الاضطرابات النفسية عن طريق التنجيم»، وقدمت هذه الورقة لمحة مهمة عن تطبيق علم التنجيم في مجال العلوم الطبية، ويقول العالم مؤلف تلك الورقة البحثية: «أن هذا العالم المتقدم علميًا وتكنولوجيًا وطبيًا لم يستطع الإجابة على الكثير من الاستفسارات خاصة فيما يخص الصحة النفسية للإنسان».

موضحًا في بحثه أن التنجيم قد يكون عاملًا مساعدًا لفهم الصحة النفسية للبشر، وأكدت ورقته البحثية أن القمر وعطارد والمشتري هي الكواكب الرئيسية المسؤولة عن سلامة الحالة النفسية والعقلية لدى البشر، ومع تغير مكان تلك الكواكب بالنسبة لبرج الشخص – أي الفترة التي ولد بها- تحدث له تغييرات عقلية ونفسية يمكن التنبؤ بها.

وفي كتابه «Therapeutic Astrology: Using the Birth Chart in Psychotherapy and Spiritual Counseling» أو «علم التنجيم العلاجي: استخدام مخطط تاريخ الميلاد في العلاج النفسي والإرشاد الروحي»؛ أشار الطبيب النفسي الأمريكي جريج بوجارت إلى الاهتمام بحركة الكواكب ودورها في التأثير في الحالة المزاجية والنفسية للإنسان، وجريج هو أستاذ في قسم علم النفس في جامعة ولاية سونوما في شمال كاليفورنيا، وهو أيضًا عضو هيئة تدريس مساعد في معهد كاليفورنيا للدراسات المتكاملة.

شكل أوراق التاروت

وفي هذا الكتاب الذي نشر عام 1996، أشار الطبيب النفسي جريج بوجارت إلى أهمية فهم أماكن النجوم وحركة الكواكب لكل برج من الأبراج، مؤكدًا أن هذا الفهم قد يكون عاملًا مساعدًا وفعالًا للطبيب النفسي في فهم ما يمر به المريض الذي يعالجه، بحسبه.

وفي تصريح لها لجريدة نيويورك تايمز تقول تشارلين روان أخصائية علم النفس الإكلينيكي ومؤسسة مجموعة ثرايف لعلم النفس في كاليفورنيا، أن العديد من الوسائل المستخدمة الآن في علم النفس كانت مثارًا للجدل والنقد فيما مضى، وعلى الرغم من أنها لا تستخدم التنجيم في العلاج النفسي فإنها لا تعارض من يستخدمه وإلا سيكون هذا «أمرًا متعجرفًا» على حد وصفها؛ لأن هذا الأمر لم ينف قطعيًا حقيقة وجوده، كما لم يثبت أيضًا أهمية تأثيره.

فبالنسبة لها هو مثله مثل أي وسيلة بديلة ما زال محل دراسة وجدل، وأكدت أن مشاركتها لواحدة من عملائها في مشاهدة قراءة نفسية باستخدم التنجيم والتاروت؛ كانت بداية مهمة لعميلتها لتتحدث وتكشف موضوعًا شائكًا لم تتحدث عنه من قبل يخص فقدان عزيز لديها.

«لا يجب أن نلوم الكواكب على أفعالنا»

في المقابل يقول الطبيب النفسي الأمريكي بول هوكيماير أن البشر في وقتنا هذا يلجأون إلى الكواكب لتفسر لهم الأوضاع السيئة التي يعيشون فيها سواء كانت عاطفية أو مالية أو حتى صحية، ويجدون المواساة في إلقاء اللوم على عوامل خارج إرادتهم مثل النجوم والكواكب.

كما أن التنجيم يمتلك الكثير من الوعود التي قد لا يكون لها أي أساس في الواقع والتي قد تمنح المرضى النفسيين الأمل الزائف فلا يجدون ضرورة في اكتشاف مرضهم النفسي الجقيقي وعلاجه على أمل أن حركة الكواكب القادمة ستكون في صالحهم – بحسب هوكيماير-، مؤكدًا أن التنجيم لا يمكن أن يكون بديل للعلاج النفسي، خاصة وأن مرضى الاكتئاب الشديد أو الذهان قد يتحول اهتمامهم بالتنجيم إلى هوس يغذي مرضهم النفسي لا يعالجه.

وفي دراسة نشرت بالعام 1997 تحت عنوان «Modern Astrology: A Critique»؛ عرض الطبيب النفسي إيفان كيلي – مؤلف الدراسة- الكثير من الحجج التي تعارض امكانية العلاج النفسي بالتنجيم، مؤكدًا أن كل ما يدعم هذا النوع من العلاج مجرد «حكايات» غير موثقة علميًا، مؤكدًا في دراسته أنه من الصعب على البشر أن يلقوا اللوم في كل تصرفاتهم على حركة الكواكب، فهذا – من وجهة نظره- سيقف عائقًا أمام تحمل الأفراد لمسئولية أفعالهم.

علوم

منذ 5 شهور
«دقات قلب الأرض»! ما هي؟ وكيف تؤثر في سلوك البشر؟

المصادر

تحميل المزيد