1,150

كان «فنسنت فان جوخ» فنانًا عظيمًا، لكنه كان في الوقتِ ذاته شديد الحساسية، يضع اعتباراتٍ كثيرة لما يعتقده الناس عنه، «كيف أبدو في عيونِ معظم الناس؟»، كان هذا سؤاله الوجوديُّ الأكبر، وعلى الرغم من معرفته السابقة بما يعتقده الناس عنه، شخص نكرة، كريه، مزعج، غريب الأطوار، وفي بعض الأحيان ينعتونه بالجنون، إلا أنه سعى جاهدًا، وعملَ ليل نهار، حتى يغيّر تلك النظرة القاتمة عنه، إلا أن هذا تحديدًا هو ما دفعه في النهاية إلى حافّة الانتحار.

كان فنسنت يرسم كلّ نهار، من الثامنة صباحًا وحتى الخامسة مساءً، أمَّا أمسياته فكان يقضيها في الكتابةِ لأخيه؛ فأنتج أكثر من 900 رسالة لا تقلُّ في بلاغتها عن تلك الرسائل التي تبادلها وأرسلها كبار الأدباء؛ فأرَّخ لحياتِه بنفسه، ونقل إلينا عبر حروفه هلاوسه ومرضه وأحلام يقظته، كما أنتج خلال 9 سنواتٍ فقط، هي التي قام فيها بالرسم، ما يقارب 1700 لوحة، وثَّقت انفعالاته، ورحلته في الحياة، من الجنون والكآبة، وحتَّى الانتحار.

وفي هذا التقرير، سنتتبَّع سويًّا خُطا فنسنت ذاتها، خطاباته ولوحاته، لنتعرَّف على القصة التي صنعت هذا الفنان، والتجارب الحياتية التي خاضها.

«من غوغان إلى بيكاسُّو».. تعرَّف على أغلى 10 لوحات في العالم

في طفولته كان يمرُّ على «مقبرته» كل صباح

ربما كانت طفولة فنسنت هي البداية التي صنعت منه فنانًا معذبًا؛ إذ ولد فان جوخ أخًا أكبر من بين ستَّة أطفالٍ لعائلته، إلا أن العائلة كانت قد فقدت طفلها الأوَّل قبل مولد فنسنت بعامٍ واحد، والذي حَمَلَ نفس اسمه «فنسنت فان جوخ»، وهو الأمر الذي كان له بالغ الأثر على حالته النفسية، فكان هذا الطفل الصغير، وفي كل صباحٍ أثناء ذهابه إلى الكنيسة، يمرُ على شاهد قبر يحملُ اسمه.

في فيلمٍ وثائقيّ عن جنون فان جوخ أنتجته الجزيرة الوثائقية، تمَّ الكشف عمَّا حملته طفولة هذا الفنان من حزنٍ وأسى؛ إذ يُقال إنه لم يكن يومًا طفلًا يَسهُل التعامل معه. فقد كان منعزلًا، يُمضي وقته كلَّه بجانب النافذة، فقط لمراقبة المارَّة، وعندما اشتدّ عوده، ظلَّ وحيدًا؛ إذ كان لفينسنت عالمه الخاص والمنغلق، والذي لم ينجح أحدٌ في التسلُّلِ إليه، سوى ثيو «أخيه»، فنجح في أن يكون رفيق جولاته، وكاتم أسراره، في رابطةٍ نشأت ولن تنتهي حتى بعد وفاتهما.

كان فنسنت يمضي ساعاتٍ في جولاتٍ بالريف الهولندي، يستكشف فيها الطبيعة بعينٍ بكر، ومن هنا كوّن اتصاله الوثيق بالطبيعة، والذي ظهر فيما بعد عبر لوحاته، خاصةً تلك التي صوَّرت حقول الذرة، والتي تشكِّل، بحسب الفيلم، أغلب خيالاته من زمن الطفولة.

في الحادية عشرة من عمره، تمَّ نقله إلى مدرسةٍ داخلية، تبعد 30 كيلومترًا عن المنزل، في محاولةٍ لإبعاده عن الطبيعة، وعن أبناء الفلاحين. تركه أهله هناك وغادروا في سيارةٍ صفراء، ولهذا أصبح اللون الأصفر، لونًا مؤثِّرًا في حياة فنسنت، وبين لوحاته، إذ عاش عمره كلّه يحلم باستعادةِ جنَّته، تلك التي غادرته يومها في السيارةِ الصفراء، حاملةً معها كل ما له علاقة بالطبيعة والجمال والحب والدفء العائليّ.

حقول الذرة في عيون فان جوخ

لم يبدأ فينسنت حياته الفنيّة إلا في السابعة والعشرين من عمره، إذ حاول لسنواتٍ عديدة أن يحقق أمل العائلة، بأن يصبح موظفًا كما أراده والده؛ فعمل في عدَّة وظائف انتهت بالفشل، كبائع قطعٍ فنية ومعلِّم وأمين مكتبة طُرد منهم جميعًا، فطرده والده من المنزل، وهو ما كان له بالغ الأثر على خطواته التالية بالطبع.

اتَّخذ فان جوخ طريقًا أكثر تدينًا، يوضِّح الصراعات التي اختلجت نفسه في ذلك الوقت؛ إذ رأى أنَّ أحد أفراد العائلة يجب أن يكون حارسًا للإنجيل على غرار والده وجده، فكتب إلى أخيه ثيو عام 1877 خطابًا يُخبره فيه أنَّه الشخص المُختار لتلك المهمة الروحية، لتحقيق الراحة التي نشدها والده، إلا أنَّه رغمًا عن ذلك، وعن الإرهاق الشديد الذي تعرَّض له على حساب صحته العقلية خلال عمله واعظًا ومرشدًا روحيًا تابعًا للكنيسة، إلا أنَّ الفشل كان إلى جانبه هذه المرة أيضًا، ليس عن تقصيرٍ منه، ولكن عن تماه في حالته الروحانية.

كان فنسنت في تلك الفترة زاهدًا، يعيش في كوخ، ويرفض امتلاك أيَّة ممتلكات دنيوية، فأدَّى التزامه إلى تذمُّر أربابه في العمل، وطلبوا منه الرحيل، كما فشل في عمله باعتباره واعظًا، نظرًا لعدم بلاغته الخطابية، وهو ما أدَّى بالناس للانفضاض من حوله، وفي عام 1879، وصل فنسنت إلى قناعةٍ أخيرة بأنّ الحياة الدينية ليست مُقدَّرة له، وهي الفترة التي بدأ فيها بالرسم، باعتباره نوعًا من التخفيف النفسي لما بلغه من فشلٍ، وخيبة أمل عائلته.

هكذا عبر فان جوخ عن فترة تدينه في رسوماته

هكذا أحب فنسنت.. وهكذا رفضه الحب

«دائمًا ما خرجتُ من قصصِ الحب مُحمّلًا بالعار»، هذا ما كتبه فنسنت لشقيقته ويلي، في خطابه الأول لها عام 1887؛ إذ عانى فنسنت أكثر من مرة، من الرفض، وكان دائمًا ما يميل لخوض العلاقاتِ المستحيلة، أو تلك التي ستجلب له المتاعب فقط، لكنه رغم ذلك، لم يكن غاضبًا من الحب، بل حثَ شقيقته على خوض تجارب الحياة بلا هوادة، وعلى التمتُّع بالحب، طالما ما زال في صدرها قلبٍ نابض.

كان فنسنت يقول لها إنه تخلّى عن الحب أكثر من مرة، من أجل الفنّ، ومن أجل العقيدة، وكان مؤمنًا أنه لم يبذل في الحب جهدًا كافيًا، ليرد له الحب الجميل، بإحدى نهاياته السعيدة.

«إن الأشخاص الذين لا يقومون بشيء في حياتهم سوى الوقوع في الحب، هم وحدهم الجادون بشأنه، باعتباره واجبًا مقدسًا، أكثر من هؤلاء الذين يضحُّون بالحب وبقلوبهم من أجل فكرةٍ طارئة؛ فكوني مثلهم ما استطعتِ»، هكذا أراد فنسنت الحب بشدة، لكنه رأى أن الحب يحتاج إخلاصًا فيه، لن يتمكن هو من منحه، طالما كان مهووسًا بالفن.

كيف تعزينا الفلسفة بشأن انكسارات قلوبنا؟ مؤاساة شوبنهاور للعشاق

عاش فنسنت مغامرات حياته العاطفية ممزّقًا بين رغبات جسده ووحدته التي ألقته في أحيانٍ كثيرة في أحضان الغانياتِ، وبين رغبته الأثيرة في الحبّ والمشاعر الصادقة، دون أن يجدها؛ فكانت «كارولين» هي حبَّه الأول، إذ وقع هو وأخوه ثيو في حبها هي وشقيقتها «أنيت»، وقد كان الاثنان من أبناء عمومتهما، كتب عنها لأخيه ثيو عام 1881، قائلًا إنه تخلى عنها، فتزوجت من رجلٍ آخر، واصفًا تلك الحادثة الصغيرة في مراهقته بالقاتلة.

عاش فان جوخ بعدها أكثر من قصة حب غير مكتملة، إلا أن هناك امرأتين كان لهما بالغ الأثر في حياته، إحداهما هي «سين»، بائعة هوى، أنقذها هي وطفلها من الشارع، واصطحبهما إلى منزله، لتبدأ حينها مرحلةٌ جديدة في حياة فنسنت، كتب عنها لأخيه، واصفًا علاقتهما بـ«زوجٍ من التعساء»؛ إذ لم تكن علاقته بها قائمة على مشاعر الحبّ والشغف التي عهدها في صحبة النساء الأخريات، مبررًا ذلك بأنه على الرغم من افتقاد الحب والسعادة، إلا أنه النوع الوحيد من العلاقات القادر على منحه، قائلًا: «نحن اثنان من المنحوسين، جمعتهما الحياة سويًا، ليتشاركا معًا تعاستهما وسوء حظهما، ومن رحم هذه التعاسة ولد نوعًا خاصًا من السعادة، جعلنا قادرين على تحمُّل الحياة».

خطاب فان جوخ إلى ثيو

أما المرأة الأخرى في حياة فينسنت، فكانت «أوجستين سيجاتوري»؛ إذ كانت أوجستين مالكة لمطعم شهير بإحدى أحياء باريس، تعرَّف عليها فنسنت أثناء إقامته هناك، وبدأت علاقتهما في شتاء عام 1886، وانتهت بعدها بشهورٍ معدودة، ويقال إن أوجستين كانت تقايض فنسنت على لوحاته مقابل الطعام، وأنه كان شديد الحبّ والتعلُّق بها؛ فتظهر في أكثر من لوحةٍ شهيرة من لوحاته وهي جالسة في مطعمها الخاص، كما اهتم في تلك الفترة ولأوَّل مرة بتقديم عدة لوحات لمحبين يتنزَّهون في الحدائق، وكأنه يؤرخ علاقتهما.

كتب عنها فنسنت بعد انتهاء علاقتهما أنه يشعر بالحنين إليها، ويتمنَّى لو كانت تبادله نفس الحنين، إلا أنَّه غادر باريس بعد أن وصل إلى قناعة بأنّ الحبَّ ليس من قدره، وأن الوحدة تليق بمثله ممن يعانون من المشكلات العقلية والنفسية.

أوجستينا في عيون فنسنت

قطع أذنه وأهداها إلى عاهرة

في 23 ديسمبر (كانون الأول) من عام 1888،أمسك فان جوخ بشفرةٍ حادة، قطع أذنه اليسرى، ومن ثمَّ قام بلفّها في ورقة، وخرج من منزله الكائن في مدينة آرل، متّجهًا نحو بيت دعارة كان معتادًا على الذهاب إليه، وقدَّم هديته الملفوفة جيدًا لبائعة هوى. وفي اليوم التالي تمَّ العثور عليه فاقدًا للوعي وغارقًا في دمائه من قبل شرطي المدينة والذي نقله على إثر ذلك إلى المشفى.

عندما نسمع بتلك الحادثة، نعتقد أنّها نتاج لقصة حبٍ فاشلة ألقت بهذا الفنان الشاب إلى حافة الهلاك، وأن السيدة التي حصلت على أذنه، هي بالحتم حبيبته، إلا أن الحقيقة اختلفت تمامًا عن تلك الصورة السطحية.

«العزلة والاغتراب في المدن».. الجانب المظلم من الحضارة في لوحات إدوارد هوبر

عانى فنسنت وطوال 18 شهرًا من اضطراباتٍ نفسيَّة وعقلية بدأت بحادثة قطع أذنه اليسرى، وانتهت بانتحاره في حقول القمح، بإطلاق الرصاص على نفسه، إلا أنَّ الحادثتين قد مرَّا بغموضٍ مثيرٍ للفضول، وحالةٍ من الهذيان رفض على إثرها الإفصاح عمَّا حدث، تم تشخيص حالته عقب الحادثة الأولى بالفصام والاكتئاب و«هوس حاد مصحوبًا بهذيان»، كما تمَّ تشخيصه بالصرع خلال حياته، ووُضع تحت الرعاية النفسية في مستشفى آرل، حيث أمضى فيها الأشهر التالية من حياته، حتى خرج منها طوعًا إلى مصحَّة مدينة سانت ريمي دو بروفانس، حيث رسم هناك واحدةً من أشهر أعماله على الإطلاق، لوحة «ليلة النجوم»، كما أشار بعض مؤرخي الفنَّ بعد أن عكفوا على تحليل حياته مع طلاب الطب، إلى أنّ لوحة نهر رافين تُظهر علامات على الاستياء أثناء التشكيل؛ إذ مزقت ضربات الفرشاة القماش، وأن غزارة أعمال فنسنت الفنية وكتاباته كانت دليلًا على اضطراباته العصبية.

هكذا رسم فنسنت نفسه دون أذنه

أمّا الدافع الذي أدى بفان جوخ إلى قطع أذنه، فقد تهرَّب من البحث فيه مؤرخو الفنّ على مدار قرنٍ من الزمان، حتى جاء الكاتب مارتن بيلي وادعى أنه قد وجد أخيرًا الدافع وراء ذلك؛ إذ أرجع تلك الحادثة إلى خطابٍ كان فنسنت قد تلقّاه من أخيه ثيو يوم الحادثة تحديدًا، يضم 10 فرنكات، وخبرٍ بالزواج، فأخوه الذي سانده في حياته لسنواتٍ طويلة، قد قرر الزواج، وهو ما أربك الأخ من فقدان عائله وصديقه الوحيد.

وعن الدوافع الأخرى وراء الحادث، فيرويها خوشبين في تحليله لشخصية فان جوخ بمجلة «هارفارد»، مُشيرًا إلى أن فنسنت عاش علاقة مثلية الجنس مع الفنان بول غوغان، الذي كان زميله في السكن عام 1888، أي وقت حادثة قطع أذنه.

يحكي خوشبين عن يوم الحادثة؛ إذ كان هناك عراك كبير بين غوغان وفنسنت، وحينها سمع فنسنت أصواتًا في أذنه تخبره بأن عليه أن يقتل غوغان، فأمسك بالشفرة الحادة، مهاجمًا شريكه، إلا أنه تذكَّر قول الكتاب المقدس، «وإن أعثرتك عينك فاقلعها. خيرٌ لك أن تدخل الحياة أعور من أن تُلقى في جهنم النار ولك عينان»، فأدار الشفرة ضد أذنه التي أساءت إليه.

يبرر خوشبين تصرف فنسنت، من أنه قد عانى في فتراتٍ متقطعة من حياته نوعًا خاصًا لاضطراب الشخصية، مُرتبطًا بالصرع، والذي أدى به إلى سلوك عدواني متقطع في فترات حياته المختلفة، مُضيفًا أن فان جوخ يعاني من اضطراب في حياته الجنسية وميوله؛ إذ تأرجح ما بين شخص مفرط في الرغبة الجنسية، وشخص غير راغب في الجنس، وبين المثلية الجنسية، وازدواج الميل الجنسي.

ويضيف: «هذا الحادث يخلط بين ثلاث من سمات اضطراب الشخصية ثنائي القطب، وهم فرط التدين، وتغير السلوك الجنسي، والتصرف العدواني».

ماريو فارجاس يوسَّا.. هل الفردوس هنا أم «على الناصية الأخرى»؟!

هكذا كان فراش موت فان جوخ مخضّبًا بالدماء

يقفُ فنسنت في أحد أيام الصيف الكئيبة من عام 1890، في أحد حقول القمح، وخلف منزلٍ ريفيٍّ ضخم، يبحث عن قلبه، وهو الجزء الأشد هشاشةً في جسده، ويوجِّه إليه الرصاص، ومن ثم يكتشف أنه رغم الرصاص ما زال يتنفس، فيجرجر جسده خلفه إلى حانة القرية، ويسقط بينهم غارقًا في دمائه.

يقول فنسنت: «هكذا أردتُ أن أودِّع حياتي»، إلا أن مسدَّس الجيب الصغير ذا القوة النيرانية المحدودة لم ينجح في أن يخترق قلبه، وسرعان ما ارتدَّت الرصاصة إثر اصطدامها بأحد ضلوعه، فمكث بين دمائه ليومين كاملين، قبل أن تفارقه الحياة.

حقول القمح كما رآها فان جوخ

والمؤسف أن شهرة فان جوخ قد أتت بعدما قامت «جو» زوجة أخيه ثيو بنشر رسائلهما المتبادلة سويًّا، باعتبارها نوعًا من التكريم لتلك الرابطة الاستثنائية التي جمعت الأخين معًا، والتي قال عنها فنسنت في رسائله لثيو: «أنت ترسم من خلالي»، في اعترافٍ بمؤازرة أخيه، والتي لولاها لما تمكّن من إنجاز أي عملٍ في حياته، وربما كانت تلك العاطفة الاستثنائية بينهما هي ما أودت بحياة ثيو بعد ستة أشهرٍ فقط من انتحار أخيه.

لسنواتٍ ظلت وفاة فان جوخ للكثيرين حدثًا مُحيرًا، إذ لم يتم العثور على السلاح الصغير الذي استخدمه في الانتحار، كما لم يتم العثور على لوحاته وأدوات رسمه في الحقل، والذي كان ملاذه بين الطبيعة ليرسم لوحاته، وهو الأمر الذي ألهم كثيرين، للبحث في موت فنسنت، معتقدين أنَّه بفعل فاعل، لم يُرد فنسنت أن يُفصحَ عنه، وهو الحدث الرئيسي الذي تناوله فيلم «محبة فنسنت»،والذي تم اعتباره فيلمًا شديد الخصوصية، يروي قصة فنسنت من خلال فنّه وموته الأسطوري؛ فيدور الفيلم حول قصة رسالة تركها فنسنت لأخيه ثيو قبيل انتحاره، إلا أنَّها لم تصل إليه لوفاة ثيو المفاجأة، متأثرًا بجراح أخيه بعد ستَّة أشهرٍ فقط، ومن رحلة الرسالة وتنقُّلها بين الأيدي، ندرك القصة كاملة لحياة هذا الفنان المأساوية.

رُسم الفيلم بعنايةٍ وحبٍّ شديدين؛ إذ عمل عليه أكثر من 100 يدٍ ماهرة لفنان تشكيلي، أرادوا أن يرووا حكاية هذا الفنان من خلال لوحاته، وبنفس الطريقة التي حوَّل بها الفن التشكيلي إلى شكله المعاصر، ومن تلك الرسوم المتحركة نرى الوجه الآخر للفنان، والذي احتوى على هوسه واضطراب عقله، وحبّه الشديد للفن.

كان فنسنت قد خرج أخيرًا من مصحَّته، وأراد أن ينعم ببعض الهدوء في قرية أوفير شيرواز الفرنسية، فقضى فيها 70 يومًا، انتهت بانتحاره، ولكنها كانت الأكثر غزارة في إنتاجه الفني؛ إذ أنهى أكثر من 75 لوحة مرسومة بالفرشاة والألوان السائلة، هذا إلى جانب 100 لوحة بالقلم أو الفحم، إلا أنه وفي تلك الفترة القصيرة انتابته نوباتُ قلقٍ وفزع، وتضخمت وحدته، وازدادت قناعته بأن حياته ما هي إلا فشل، خاصَّة وهو لم يبع خلال حياته سوى لوحةٍ واحدة، وأخوه ثيو كان هو من يتحمَّل مصروفات رسومه ولوحاته وعلاجه أيضًا.

لوحة جذور الشجرة: رسالة وداع فنسنت للفن

في معرضٍ استضافه متحف فان جوخ بالعاصمة الهولندية أمستردام تحت عنوان «على حافة الجنون»، تمَّ عرض اللوحة الأخيرة غير المكتملة لفان جوخ، والتي كان يرسمها في صبيحة يوم انتحاره، أي قبل ساعاتٍ قلائل من إطلاقه للرصاص على نفسه، وتسمى «جذور الشجرة»، 1890، وفيها يصوِّر فنسنت جذورًا عارية، والأجزاء السفلية من جذوع الأشجار، مرسومة على خلفية لتربةٍ رمليةٍ صفراء، لا تظهر فيها السماء إلا كبقعةٍ صغيرة في الطرف العلويّ من يسار اللوحة، ويحللها المؤرخ الفني مارتن بايلي قائلًا إنه وعلى الرغم من أهمية تلك اللوحة الفنية، والتي ستظهر فيما بعد في نزعات الفن الحديث، إلا أننا لا يمكننا أن نضع جانبًا حقيقة أنها رُسمت قبل ساعاتٍ من اتخاذ هذا الفنان قرارًا بإنهاء حياته، وكأنها رسالة وداعه للعالم.

«الصرخة»: القلق الوجودي للإنسان الحديث.. قصة اللوحة الأشهر بعد الموناليزا

يضيف بايلي أننا من اللوحة يمكن أن نستشعر الحالة الذهنية التي كان عليها فنسنت من كربٍ وعذاب، وهو ما ترجم إحدى الرسائل الأخيرة التي تركها إلى أخيه ثيو؛ إذ أشار فيها إلى أن حياته قد أقتُلعت من جذورها، أما نينكة بيكر أمينة متحف فان جوخ، والمسؤولة عن اللوحات فتقول عنها: «من العسير أن نتصوَّر شخصًا قد قام برسم تلك اللوحة في صبيحة أحد الأيام، وهو ينتوي الإجهاز على حياته في نهاية اليوم ذاته»، مُشيرة إلى أن فان جوخ لا يجب النظر إليه بوصفه فنانًا مجنونًا، لأن عقلًا غير واع، لن يستطع أن يكون بمثل هذا الإبداع، فقد كان يرسم رغم مرضه العقلي، وليس بسببه.

المصادر

  • Vincent van Gogh

  • جنون فان جوخ - ما وراء الفنان

  • 11 Things You Didn’t Know About Vincent Van Goghp

  • Vincent and Religion (1877–1880)

  • Van Gogh Letters

  • Vincent unrequited loves

  • From Vincent to Theo, June,1882

  • The real reason Van Gogh cut off his ear, according to an expert

  • The mystery of Van Gogh madness

  • Van Gogh Malady

  • فيلم محبة فنسنت.. لا تستعجل صناعة الحب

  • On The Verge of Insanity

تعليقات الفيسبوك