في السابع من يونيو عام 1929 أُعلنت مدينة الفاتيكان جُزءًا مُستقلًا ذاتي الحكم داخل دولة إيطاليا، بعد توقيع اتفاقية لاتران بين البابا بيوس الحادي عشر والزعيم الإيطالي الفاشي موسوليني. بهذا أصبح الفاتيكان أصغر دولةٍ في العالم، بمساحة تقل عن نصف كيلومتر مربع، وتعداد سكاني لا يتجاوز 800 نسمة.

ولا تقتصر سيادة الفاتيكان على حدود الدولة الصغيرة المُحاطة من جهاتها الأربعة بمدينة روما الإيطالية؛ لكنّها مُتجاوزة لتشمل نحو مليار و147 مليون نسمة هم مجموع المسيحيين الكاثوليك في العالم والتابعين للقيادة الروحية لبابا الفاتيكان، الذي هو بمثابة رئيس الدولة.

وبسبب خصوصية الفاتيكان كدولة مُستقلة لها سيادتها الروحية المجاوزة للحدود والمعترف بها دوليًا، ولتاريخه وتركيبته المُعقدة؛ غالبًا ما يُعتبر كنزًا للأسرار، ومصدرًا خصبًا لنظريات المُؤامرة. وكما سيطر البعد الأسطوري على قدرٍ كبير من الحكايات والقصص الحائمة حول حما الفاتيكان، فإن قدرًا آخر من القصص تكشّفت حقيقتها بما لا يدع مجالًا للشك حول صحّتها.. وهذه القصص هيَ ما نرنو إليه.

1- التنظيمات السرية القديمة للفاتيكان

بشكل كبير، سيطر الفاتيكان طويلًا على المقدرات السياسية والاقتصادية للأمة المسيحية في أوروبا. واستخدم سلطته الدينية في إقصاء من يشاء أو تثبيت ركن من يشاء. ولعلّ الحروب الصليبية مثّلت أوج قوّة الفاتيكان، الذي بكلمته حُرّكت الجيوش الجرارة من أصقاع أوروبا إلى مدن الشرق الإسلامية.

وأثناء الحروب الصليبية تشكّلت فرق عسكرية لتدعيم الوجود المسيحي في القدس تحديدًا. كانت من أبرزها ما عُرفت بمنظمة فرسان المعبد التي أولاها البابا اهتمامًا خاصًا، فأغدق عليها المال والسلطة في الشرق وفي أوروبا، حتى أنّ البابا أعطاهم امتيازًا أُعفوا بموجبه من تقديم الولاء سوى للبابا مُباشرةً، فضلًا عن إعفاء أعضاء التنظيم من دفع الضرائب، وإعطائهم حق التجوّل الحر عبر الحدود دون أن يكونوا خاضعين للقوانين المحلّية للممالك والإمارات الأوروبية.

هذه الامتيازات كفلت لفرسان المعبد توغّلًا في البنية الاقتصادية الأوروبية، وتفعيلًا لدور سياسي اعتبر الأقوى في أوروبا لعقودٍ طويلة. وأصبح للتنظيم شبكة اقتصادية مُتضخمة في أنحاء أوروبا عبر مشاريع زعم استهدافها تمويل قواته في القدس ودعم الأعمال الخيرية المرتبطة بوجود المسيحيين الأوروبيين هناك.

وبعد انتهاء الحروب الصليبية، ازداد أعضاء التنظيم في أوروبا بعودة فرسانه المقاتلين. وركز التنظيم على ضمان استمراريته رغم انتهاء الحروب في البلدان الإسلامية. وفي إطار ذلك اصطدم طموح فرسان المعبد مع سلطة ملوك أوروبيين، تقول بعض الروايات التاريخية إنّهم كانوا مدينين للتنظيم بالملايين.

شعار تنظيم فرسان المعبد، فارسان يمتطيان حصانًا واحدًا

بالإضافة لذلك أثيرت القلاقل بين التنظيم وبين الكنيسة، على خلفية مُختلفٍ عليها، فثمّة من يقول إن تحفيز بعض ملوك أوروبا على رأسهم ملك فرنسا، فيليب الرابع، كان السبب الرئيسي في انقلاب الكنيسة على التنظيم. وآخرون يذهبون إلى اعتبار التهديد الذي مثّله التنظيم على نفوذ البابا نفسه سببًا كافيًا لانقلاب الأخير على التنظيم.

على كل حال اتجهت الكنيسة للتضييق على فرسان المعبد واتهامهم بالهرطقة وتحريف الدين المسيحي، قبل أن تدفع لإلقاء القبض على فرسانه وفق مذكرة استُهلّت بعبارة “إن الرب ساخط علينا، إذ تُؤوي بلادنا أعداءً للدين”.

وبخلاف فرسان المعبد، كانت هُناك منظمات أخرى خرجت من رحم الحملات الصليبية، التي دعت لها الكنيسة الكاثوليكية. أغلب تلك المنظمات، حظيت بدعم بابا الفاتيكان. للمزيد، اقرأ أيضًا: منظمات سرية خرجت من رحم الحملات الصليبية.

2- الإخصاء من أجل الغناء

في الإصحاح 14 من رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس يقول بولس الرسول: “لتصمت نساؤكم في الكنائس، لأنه ليس مأذونًا لهن أن يتكلمن، بل يخضعن كما يقول الناموس أيضًا. ولكن إن كُنّ يردن أن يتعلّمن شيئًا فليسألن رجالهن في البيت، لأنه قبيح بالنساء أن تتكلم في كنيسة”. بهذا النص حرّم الفاتيكان كلام النساء في الكنائس، وبه أيضًا حرّم استخدامهن في إنشاد الترانيم الكنسية.

لكنّ ثمّة مُشكلة في المقابل واجهتها الكنيسة، وهي أنّ بعضًا من الترانيم تُنشد بطريقة تعتمد على طبقة صوت يصعب كثيرًا على الرجال الوصول إليها لخشونة أصواتهم بسبب هرمونات الذكورة المُصاحبة لعملية البلوغ. وكحلّ لهذه الإشكالية، لجأت الكنيسة منذ القدم إلى استخدام الخصيان لإنشاد هذه الترانيم.

ولم يقتصر استخدام الخصيان على إنشاد الترانيم الكنسية، بل أيضًا في التمثيل المسرحي، عقب قرار من بابا الفاتيكان في أواخر القرن السادس عشر، ليُستخدم الخصيان في أداء أدوار النساء مرتدين أزياءهن. ولهذا الغرض، توسّع الفاتيكان في عمليات إخصاءٍ لفتيان الكنيسة منذ الصغر، أو الفتيان الذين كانت أُسرهم – الفقيرة غالبًا – تطمع في إلحاقهم بالكنيسة أو جوقات الإنشاد بها.

والحقيقة أنّ الفاتيكان لم يكن على رأي واحد، حول إخصاء الفتيان، طوال الوقت، إذ اعترض البابا بنديكتوس الرابع عشر، خلال الثلث الأول من القرن الثامن عشر، على الإخصاء، مُعتبرًا إياه ممارسة غير قانونية. لكنّه في المُقابل لم يستطع تحريمه، حتى جاء عام 1902، حيث منع البابا آنذاك من استخدام الخصيان في جوقة الإنشاد.

وللآن، يرفض الفاتيكان الاعتذار عن تورطه في عمليات إخصاء مُوسّعة، وهو أمرٌ طالبت به منظمات حقوقية بينها منظمة العفو الدولية. بل إنّ الفاتيكان للآن لم يُجرّم الإخصاء قولًا واحدًا.

أليساندرو موريسكي، آخر كاستراتو، أو فتى مخصي أنشد الترانيم في الكنيسة (المصدر: newstatesman)*

وإن كانت ثمّة اعتراضات قديمة من قبل بعض رجال دين كاثوليك على استخدام الخصيان في الإنشاد باعتباره أمرٌ مُشجع على التوسع في عمليات الإخصاء؛ إلا أنّ آخرين شجّعوا على الخَصي، كراهب دومينيكاني يدعى سيروس (في القرن السادس عشر)، قال إنّ “الصوت أكثر أهمية من الرجولة، لأن الإنسان يتميز عن الحيوان بصوته وعقله. فإن كان ضروريًا لتحسين صوته أن نلغي رجولته، فيمكن القيام بذلك، دون الإخلال بالتقوى”.

وفي مُنتصف الخمسينات، أي بعد أكثر من نصف قرن من منع استخدام الخصيان ومنع الإخصاء في الكنيسة، كُشف عن استخدام الإخصاء كوسيلة لإخفاء جرائم الاعتداء الجنسي على الأطفال. بدأ الأمر مع بلاغ تقدّم به طالب بمدرسة كاثوليكية داخلية إلى الشرطة الهولندية، يتهم فيه راهبًا في المدرسة، بالاعتداء الجنسي عليه. على الفور أعلنت الكنيسة أنّ الطالب مثليّ، وأودعته قسم الأمراض النفسية قبل أن تقوم بإخصائه لتؤكد مزاعمها حول مثليته!

3- «الشذوذ الجنسي عند الكهنة»

بهذا التعبير برر الفاتيكان سلسلة الاتهامات الموجهة لرجال دين كاثوليك باعتدائهم الجنسي على أطفال. ويُقر الفاتيكان بانتشار “الشذوذ” الجنسي بين عددٍ من كهنة الكنيسة الكاثوليكية، مُصرحًا في غير موقف بتجريمه الديني لهذا الاتجاه الجنسي.

لكن في المُقابل، وحتى عام 2013، كان الفاتيكان يرفض اعتبار تحرش الكهنة جنسيًا بالأطفال فعلٌ غير قانوني بهذا التوصيف، أي توصيف التحرش الجنسي أو الاعتداء الجنسي؛ وذلك لأنّه وفقًا لقانون الفاتيكان القديم فإنّ سنّ الرشد يبدأ من 12 عامًا، قبل أن يرفعه البابا فرانسيس إلى 18 عامًا في 2013.

ولهذا أيضًا، لم تر الكنيسة أي غضاضة في أي ممارسة جنسية بين الكهنة والأطفال الإناث طالما أنّهن بلغن 12 عامًا، وطالما أنّ الكهنة ليسوا رهبانًا، بينما كانت المشكلة تكمن في الممارسات الجنسية على أطفال ذكور، على اعتبارها “شذوذًا جنسيًا” مُحرّما دينيًا.

وبالتوازي مع التطور الكبير لوسائل الاتصال والإعلام، بدأت تظهر موجة من القضايا الخاصة بتحرش جنسي ارتكبه كهنة كاثوليك أو أعضاء في النظام الديني بالفاتيكان ضد أطفال. وأثارت تلك القضايا الرأي العام على نطاق واسع، حتى باتت وصمة عار تلاحق الفاتيكان.

وبسبب توسع نفوذ الفاتيكان عالميًا حيث وجود مُؤسسات دينية حول العالم تابعة له، اتضح أنّها قضية دولية، بعد سلسلة من البلاغات ضد كهنة تحرشوا جنسيًّا بأطفال، في عدد لا بأس به من دول العالم الحاضنة لمؤسسات كنسية كاثوليكية.

ولسنوات طويلة جرى التستر على عددٍ كبير من تلك الجرائم، سواء من قبل قادة الكنيسة الذين اعتبروا أنّ شقًا من الأمر غير مُجرم دينيّا أصلًا، وشقًا آخر يتعلّق بأزمات نفسية يُمكن علاجها دون الحاجة للجوء إلى قانون الدول الحاضنة للكنائس. وكذا من قبل سلطات بعد الدول التي فضّلت لسبب أو لآخر أن تساعد في التكتم على الأمر والاكتفاء بإبلاغ الفاتيكان رأسًا ليعمل على نقل المُتهمين من أماكنهم.

بريندان سميث، من أشهر رجال الدين الكاثوليك المتهمين بالتحرش والاعتداء الجنسي على أطفال

الولايات المتحدة الأمريكية كان لها نصيب كبير من ارتكاب هذه الجرائم في الكنائس الكاثوليكية الواقعة على أراضيها، حتى صار الأمر في وقت ما بمثابة قضية وطنية استخدمتها المعارضة للضغط على الحكومة الأمريكية. وكشفت التحقيقات عن أنّ الكنائس اتخذت خطوات استباقية في سبيل التكتّم على هذه الفضائح، عبر دفع تعويضات مالية لأهالي الأطفال المتضررين، بلغت – بالتقريب – أكثر من 2 مليار دولار حتى عام 2007.

وفي كل مرة حاول الفاتيكان فيها تهدئة الرأي العام، انقلبت الطاولة عليه بسبب التصريحات المثيرة للجدل المُصاحبة لمحاولات التهدئة. فعلى سبيل المثال، في 2009، أصدر الفاتيكان بيانًا اعترف فيه بوجود حالات اعتداء جنسي من رجال دين كاثوليك ضد أطفال. لكنّه أيضًا لفت إلى وجود مثل هذه الحالات بين الجماعات والطوائف الدينية الأخرى. مشددًا على أنّ نسبة قليلةً فقط قد لا تتراوح 1.5% من الكهنة الكاثوليك، متورطين في هذه الجرائم، وأن نحو 90% منهم “مُصابون” بالبيدوفيليا أو الانجذاب الجنسي للأطفال.


المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد