ما رأيك أن تعيش في عالم خالٍ من النقود؟ تحصل على ما شئت بدون مال، تنتقل إلى أي منطقة في الكوكب، حيث لا وجود للحدود ولا للدول. عالم تؤسسه التكنولوجيا المتطورة في كل نواحي الحياة، في المواصلات والمنازل والمدن جميعًا، ويحرص على اعتماد مصادر الطاقة الصديقة للبيئة، بدل النفط.

هذا ما تعد به حركة زايتجايست العالمية في مشروعها «فينوس»، باعتباره بديلًا للنظام العالمي الذي يحكمنا.

أولًا ما هي حركة زايتجايست؟

مصطلح «زايتجايست» مأخوذ من الكلمة الألمانية «zeitgeist»، وتعني «روح العصر». وحركة زايتجايست هي «منظمة عالمية تسعى إلى التغيير الشامل للنظام العالمي، وإنجاز مشروع فينوس الذي سيحقق مجتمعًا عالميًا جديدًا، وتنشط على المستوى المدني التطوعي في دول مختلفة من العالم».

بدأت الحركة نشاطها الأول عام 2008، حيث نشرت فيلمًا وثائقيًا، يكشف عن أعطاب النظام العالمي من وجهة نظرها. يتزعم الحركة جاك فريسكو، وهو عالم عصامي، مهتم بالتصاميم الصناعية والهندسة الاجتماعية، وله مجموعة من الابتكارات المسجلة باسمه. يعمل معه داخل الحركة مجموعة من المتخصصين والناشطين المقتنعين برؤية الحركة، كما تملك زايجايست مجموعة من الفروع في دول مختلفة من العالم، تسعى لترويج رؤيتها للعالم الجديد.

تعتقد الحركة أن النظام النقدي الذي يشتغل به العالم، لم يعد صالحًا لحياة البشر في يومنا هذا، بل إنه، حسب ما ترى، المسؤول الرئيس عن الشرور التي تؤرق البشر في الألفية الجارية، من حروب وجرائم وفقر ومجاعات وكوارث بيئية، وبالتالي فإنه ينبغي إزالته لحل مشكلات العالم، مقترحة بدلًا منه ما تسميه باقتصاد الموارد.

وتهدف زايجايست، طبقًا لما تسطره في موقعها، إلى إعادة تصميم العالم، وبناء حضارة بشرية جديدة، تضع في أولوياتها تحقيق أعلى مستويات المعيشة لكل سكان الكوكب، وإعادة إعمار الكرة الأرضية معماريًا وبيئيًا واجتماعيًا، وتلبية احتياج البشر من خلال استخدام التكنولوجيا وتحقيق الوفرة عبر اقتصاد الموارد الذي سيلغي النظام النقدي العالمي.

ما هو مشروع فينوس؟

تقترح حركة زايتجايست رؤية جديدة للعالم، تمس النظام المالي والاجتماعي وحياة البشر ككل، وتعتمد هذه الرؤية على ثلاثة مبادئ أساسية في فلسفتها، وهي كالآتي:

  1. اقتصاد الموارد: تحمّل زايتجايست النظام المالي والبنكي مسؤولية مشاكل العالم، وتدعو إلى تعويضه باقتصاد الموارد، إذ ستعلن كل موارد كوكب الأرض من طعام ومساكن وخدمات، ملكًا لكل البشر بتنوعاتهم بشكل متساوٍ، وإلغاء كافة أنواع الملكية، وهكذا يصبح البشر متشاركين في كل الموارد الطبيعية والخدماتية.
  2. الذكاء الاصطناعي: تعتقد زايجايست أن البشر حاليًا لا يستغلون التكنولوجيا المتطورة بشكل واسع على الرغم من توفرها، وتقترح الحركة أن استعمال الذكاء الاصطناعي في إدارة شؤون البشر والنظم الإنتاجية، من شأنه تحرير الإنسان من الأعمال المكررة وطويلة المدة، وفي نفس الوقت إنجاز مهام بفعالية أكثر.
  3. المنهجية العلمية: لا تعير زايجايست أي قيمة للسياسيين والأحزاب السياسية، باعتبارهم غير مؤهلين علميًا لتدبير شؤون البشر، وتضع المنهجية العلمية مقاربةً بديلةً للنظام السياسي السائد، حيث يتم اتباع المنهج العلمي لتشخيص الموارد والوضع البشري للتوصل إلى أفضل القرارات في إدارة حياة المجتمعات، بدل الآراء الشخصية المنبثقة عن السياسيين غير المؤهلين، وذلك بالاستعانة بالتكنولوجيا المؤتمتة التي ستساعدنا في القياس وجمع المعلومات لحظة بلحظة عن دينامية حياتنا.

ولتجسيد هذه الرؤية، وضعت حركة زايجايست برنامجًا حضاريًا حديثًا، لتغيير حياة البشر جذريًا، أسمته مشروع «فينوس»، مُقرّةً بأنه غير مثالي، لكنه أفضل بكثير من نظامنا العالمي الحالي.

يقترح مشروع «فينوس» – كما يظهر في الأفلام الوثائقية الخاصة بحركة زايجايتست – بناء مدن حديثة بالاعتماد على التكنولوجيا المتطورة، ذات تصميم دائري ومجهزة بالأنظمة المأتمتة، تحتضن مساكن ذات إبداع هندسي، ومليئة بمختلف المرافق التي يحتاجها البشر، من حدائق ومستشفيات ومراكز خدمات ومواصلات وغير ذلك.

لن يكون في هذه المدن نقود ولا وظائف إلزامية ولا مصادر طاقة تقليدية، وعوض ذلك ستتكفل الآلات والأنظمة المؤتمتة بتوفير احتياجات الناس وتقديمها للجميع مجانًا، ومن ثم سيتوفر للبشر الكثير من الوقت للترفيه والقيام بأعمالهم المحببة وتعلم ما يروق لهم.

ويعمل حاليًا جان فريسكو مع مجموعته في مركز فينوس للأبحاث بفلوريدا، على ترويج فكرة المشروع للزائرين من خلال الكتيبات والأشرطة الوثائقية، ونماذج التصميم المصغرة. ويبدو أن حركة زايجايست جادة في مشروعها، إذ بدأت بالفعل بجمع تبرعات لبناء مدينة تجريبية، تجسد رؤيتها الجديدة للعالم وفق مخططاتها المرسومة.

هل مشروع فينوس رؤية عملية أم طوباوية مثالية؟

يصف البعض رؤية حركة زايجايتست الجديدة، بكونها ستوصل البشر أخيرًا إلى حياة اليوتوبيا، التي كان يُطمح إليها طوال تاريخه، إلا أنها لا تلقى نفس الترحيب من قبل الجميع لأسباب مختلفة.

بالنسبة للكاتب أنطوني سابريني، فيرى طرح حركة زايجايست شبيهًا إلى حد كبير بالتيارات اليسارية الراديكالية، التي ترفض الرأسمالية والدولة كليًا، وتطالب بتغيير البنى السياسية والاجتماعية والثقافية، كما أن مقترحها البديل – وفق أنطوني – القائم على اقتصاد الموارد، يبدو غارقًا في الغموض، ولا يشرح كيفية إلغاء المال، وطريقة تدبير الموارد بدون مال.

المشكلة الثانية التي يثيرها ناقدو مشروع زايجايست، هي السقوط في دكتاتورية الحاسوب؛ إذ تطمح الحركة إلى بناء مدن ممكننة بالذكاء الاصطناعي، يتكفل بها حاسوب ضخم، بتنظيم المجتمع البشري، واتخاذ قرارات شؤون حياته، باعتباره غير قابل للتشكيك أو الخطأ، وهكذا تصبح حياة البشر تحت رحمة الحواسيب، التي يديرها معتنقو التفكير العلمي باعتبارها أيديولوجيا متطرفة.

أما الإشكال الثالث في طرح زايتجايست، فيتمثل في نظرتها الطوباوية للعالم، حيث تَعدُ بمجتمع بشري واحد، خال من الحروب والفساد والجوع والجريمة، ثم لا تضع خطة عمل واضحة لتحقيق ذلك، وهذا ما يذكره المفكر نعوم تشومسكي في نقده للحركة، حيث يقول: «أنا لا أعتبر أن حركة زايتجايست هي حركة ناشطة. بالعكس، هي تبدو بالنسبة لي حركة سلبيّة مضلّلة بعناوين جذّابة، لكنها تنهار عند الدراسة، على سبيل المثال تؤمن بفكرة غامضة مثل أنه يجب علينا وقف دعم النظام وعدم محاربته؛ لأن الهدف يجب أن يكون السعي وراء التغيير وتجاوزه فحسب».

ترد حركة زايجايست على مثل هذه الانتقادات، بأن طرحها ليس خياليًا، فتقول «بكل بساطة نحن نقول بأنه إذا أنت لم تأكل فستموت من الجوع، وإذا لم تنم فستنهار، وإذا لم تتنفس هواء نقيًّا فستختنق»، وتضيف بأن استثمار التكنولوجيا المتوفرة اليوم، والاعتماد على مقاربة المنهج العلمي، كفيل بدفع حياة الإنسان إلى الأمام، وتحريره من الأوهام، وتأثيرات الأنظمة السياسية والمالية.

في سياق طرح زايتجايست إذًا، يمكن وضع الحركة في خانة حضارة التكنولوجيا القادمة، كتلك التي نشاهدها عادة في أفلام الخيال العلمي.

عرض التعليقات
تحميل المزيد