يأتي شهر رمضان هذا العام في مصر، في ظل ظروف معاناة معارضي النظام المصري، فمنهم من دخل في عِداد القتلى الذي بلغ المئات، أو المعتقلين الذين بلغ عددهم عشرات الآلاف، ومنهم المختفي قسريًا بين مئات المختفين، ومنهم من يطُارد ويضطر للسفر خارج مصر بحثًا عن ملاذٍ آمن، تواصل «ساسة بوست» مع بعض أهالي المتضررين من النظام في مصر، ليحكوا كيف يقضون رمضان في غياب من يفتقدونهم.

«اشتقت بشدّة لأهلي وأصدقائي»

من بين من تحدَّثت معهم «ساسة بوست»، ماجد (اسم مستعار) الذي لم يكمل عامه الـثامن عشر. يعيش في تركيا بعيدًا عن أهله في مصر ووالده المعتقل، والمحكوم عليه عسكريًا بثلاث سنوات في قضية تظاهر. يحكي ماجد أنه اضطر إلى السفر إلى السودان، ومنها إلى تركيا بعدما تعرَّض للاعتقال مرتين لـ«أسباب سياسية»، على حد تعبير ماجد الذي أوضح أن الاعتقال الأول كان وهو يبلغ 15 عامًا في فترة امتحانات الصف الأول الثانوي، امتدت لستة شهور حبس احتياطي، والثاني بعد عامٍ واحد، عندما قبضت عليه قوات الأمن من المدرسة مباشرةً عقب أدائه امتحان الفيزياء، وامتدت لثلاثة شهور حبس احتياطي.

«اعتقالي الثاني من المدرسة، أثر علي نفسيًا بشدة، وكنت أخاف جدًا وأنا أمشي في الشارع، وباقلق من أي حد حتّى أقرب الناس ليا» هكذا يقول ماجد، الذي صمت قليلًا، ثم أضاف: «ماكنتش عارف أعيش في مصر بعد خروجي من السجن؛ فسافرت (العام الماضي) إلى السودان، ومنها إلى تركيا».

يتحدَّث ماجد عن رمضان الذي يقضيه بعيدًا عن أهله: «يمرُّ رمضان بصعوبةٍ شديدة، اشتقت بشدَّة لأهلي وأصدقائي وأتمنَّى العودة إلى مصر» متذكرًا رمضان الذي كان يقضيه في بلده، وما يفتقده الآن خارجها، «يكفي أن اجتمع مع الأسرة على طاولة واحدة في الإفطار والسحور، والذهاب معًا إلى الصلاة».

يضيف ماجد «أفتقد أيضًا تلك اللحظات التي أشتري فيها التمر والعصير والمياه لأساعد في إفطار المسافرين على الطريق قبيل المغرب وتوزيع المساعدات على الفقراء» لافتًا أن والده كان في «لجنة الزكاة»، وكان يذهب معه ليشاركه أعمال اللجنة، ويشير ماجد إلى أنه يسعى الآن لإيجاد فرصة عمل يستطيع من خلالها تدبير مصروفاته بالخارج، ويحاول أيضًا الحصول على منحة دراسية جامعية بعد إنهائه للصف الثالث الثانوي.

أكثر من 45 شهرًا من الاختفاء القسري

ويبدو ماجد أفضل حالًا من «محمود إبراهيم مصطفى أحمد عطية» (40عامًا) من محافظة الغربية، الذي لا ينتمي لأحزابٍ سياسية، وشارك في ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011 منذ بدايتها، وقرَّر المشاركة في اعتصام «رابعة»، عقب أحداث النصب التذكاري والمنصَّة، يوم 27 يوليو (تموز) 2013 «التي قتلت فيها الشرطة ما لا يقلّ عن 82 متظاهرًا»، وفقًا لمنظمة العفو الدولية، وجاءت بعد يوم من طلب «عبد الفتاح السيسي»، وزير الدفاع آنذاك، ورئيس الجمهورية الحالي، تفويضًا شعبيًا لمواجهة ما سمّاه بـ«الإرهاب والعنف المحتمل».

ففي الساعات الأولى من فجر يوم فضّ الاعتصام، تواصل محمود مع أهله ليخبرهم بفقدان هاتفه، واقتحام قوَّات الأمن للميدان، بحسب زوجته (33 سنة)، التي قالت لـ«ساسة بوست»: إنه ظل يتواصل معهم على مدار اليوم، من هواتف مختلفة داخل الميدان، ليخبرهم أنه لا يستطيع الخروج؛ لعدم وجود ممرات آمنة بسبب انتشار القناصة على العمارات «ظل الاتصال حتى5 مساءً، ثم انقطع الاتصال نهائيًا حتى اليوم».

محمود إبراهيم مصطفى أحمد عطية (40عام)

عقب انقطاع الاتصال بمحمود، تقدَّم أهله ببلاغاتٍ للنائب العام، وحرروا «محضر فقد» لوزارة الداخلية، ومحضر للمجلس القومي لحقوق الإنسان، ورفعوا قضية قبل عام في مجلس الدولة، ضد النائب العام ووزير الداخلية بصفتيهما، ولكنّ المحكمة رفضتها دون إبداء أيّ أسباب «غير أنها خطوة جديدة من أهالي المختفين قسريًا» بحسب زوجته التي لفتت إلى أنها رفعت قضية جديدة، وخلال أكثر من ثلاث سنوات مضت أنكرت الأجهزة الأمنية وجوده.

اللافت أنه في الشهور الأولى من العام الماضي حررت أسرة محمود محضرًا للمجلس القومي لحقوق الإنسان؛ للاستعلام عن مكانه؛ باعتباره مُختفيًا من قوات الأمن منذ فضّ اعتصام «رابعة»، في 14 أغسطس (آب) 2013، ليخرج تقرير المجلس عن المختفين قسريًا في يوليو (تموز) الماضي، ويذكر اسم محمود باعتباره هاربًا ومطلوبًا للعدالة على خلفية قضية أمن الدولة العليا رقم 1313 لسنة 2015، وتروي زوجته أن السبب وراء تلك القضية المطلوب فيها محمود، هو تلك القضية التي رفعتها ضد وزير الداخلية والنائب العام، للإفصاح عن مكانه.

وأشارت زوجة محمود إلى ذكر التقرير اسمين آخرين على أنهما هاربان، وظهروا عقب صدور تقرير المجلس بعد شهور طويلة من «الاختفاء»، وتقول زوجة محمود: إن كافة المراكز الحقوقية «خذلت أهالي المختفين قسريًا» بما فيها المجلس القومي لحقوق الإنسان الذي اعتبرته «متسترًا على الكثير من الجرائم ومشاركًا ضمنيًا فيها» ، مؤكدةً أنها كانت دائمًا ما تذهب إليه لإيصال صوتها إلى الدولة ووزارة الداخلية «وكانت النتيجة عكسية ووقع علينا ظلم متعمد منهم».

اقرأ أيضًا: «ساسة بوست» تتحدث مع أهالي المختفين من فض «رابعة».. 3 سنوات من البحث عن ذويهم دون جدوى

«لسة بنحطّ طبقه على السفرة»

تتحدَّث الزوجة عن غياب محمود في رمضان «ده رابع رمضان يمر علينا من غيره، وكل مدى الأمر بيزيد سوء بالنسبة لنا» لافتةً «مابنقدرش نقعد في البيت في رمضان لأنه مش معانا» وتشير إلى أنها تفضل المكوث في بيت الأهل «لأنه أفضل لنفسية الأبناء».

لدى الزوجة طفلان، الأكبر له 15 عامًا، والأصغر لديه تسعة أعوام، اختفى والده قبل أن يدخل المدرسة وهو الآن في الصف الثالث الابتدائي، بحسب زوجة محمود، التي تقول إنها أخبرتهم بوضع والدهم، «وحتى الآن متابعين ومنتظرين، وهما اللى بيدوني الأمل إنه هيرجع وسطنا تاني، وحقُّه كمان راجع».

وتحكي الزوجة أن طفليها «ذهبا إلى صلاة التراويح للدعاء لوالدهما»، لافتةً إلى أن الوالد دائمًا ما كان يلعب معهم بالكرة بعد صلاة التراويح، والأطفال يحكون عن ذلك حتَّى الآن « وبيبقوا رغم الوجع فرحانين بذكرياته معاهم». ذكرى محمود حاضرة بقوة أيضًا لدى والدته؛ إذ تروي الزوجة أن والدة محمود حتى الآن« لا تزال تضع طبقًا له على السفرة، دون قصد .. بتنسى إنه غايب .. وإحنا مش بنفكّرها!»

«كان سايب بصمة في كل اللي حواليه»

في نفس اليوم الذي اختفى فيه محمود قُتل يحيى (24سنة)، في فض اعتصام رابعة ذلك اليوم الذي وصفته منظمة العفو الدولية بـ«أسوأ واقعة قتل جماعي غير مشروع في تاريخ مصر الحديث»، أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن ألف شخص، وفقًا لرئيس الوزراء المصري آنذاك «حازم الببلاوي».

ويحكي ياسر شقيق يحيى لـ«ساسة بوست» أنّ آخر مرة قابل فيها يحيى كان فجر يوم 14 أغسطس (آب) 2013، قبل أن يستقبل اتصالًا هاتفيًا يخبره بمقتل أخيه «ساعتها مصدّقتش» قبل أن تؤكد أخته الخبر، ويضيف ياسر «يحيي أخد رصاصة في رأسه بدون أي ذنب (…) كل اللي كان بيعمله إنه بيصور الأحداث»، فيحيى «كان سايب بصمة وعلامة عند كل الناس بحسن خلقه وطيبته(…) ففي ناس كتيرة جدًا حضرت الدفنة وزعلت عليه بما فيهم مؤيدي النظام».

ويروي ياسر «رمضان من غيره صعب، وكل الأيام فيها حاجات بتفكّرنا بيه، كان سايب بصمة في كل اللي حواليه» لافتًا أن أكثر المتأثرين بغيابه هما والداه؛ «لأنه كان أكتر واحد فينا بار بيهم». يفتقد ياسر وأقاربه «حفلة يقيمها يحيى في آخر أيام رمضان بعدما يجمع العائلة تتضمن مسابقات وفوازير وجوائز».

ويصف ياسر يحيى أيضًا بـ«رجل المهمات الصعبة» موضحًا «أي شيء يحتاج لمجهود أو تعب كان دائمًا ما يفعله يحيى» مضيفًا «دائمًا ما كان يتكفل بقضاء طلبات المنزل وقضاء المشاوير في عزّ الحر.. لم ننتبه لها إلا بعد ما استشهد» بحسب ياسر الذي يضيف «كان شايل عننا كتير أوي (…) لذلك مع كل يوم وكل موقف بنتذكره ونترحم عليه».

«أبكي على الذكريات»

ومن زوجة محمود إلى سلمى (اسم مستعار)، التي اعتقل زوجها وأبوها في نفس الشهر يناير (كانون الثاني) 2016، الاعتقال كان الأول لأبيها الذي لا يزال محبوسًا احتياطيًا على خلفية قضايا سياسية، بحسب سلمى التي لفتت أنّ الاعتقال هو الثاني لزوجها، الذي اعتقل 10 أشهر في الحبس الاحتياطي، وعاد في رمضان 2014، قبل أن يعتقل مرة أخرى مطلع 2016، ولا يزال محبوسًا احتياطيًا حتى اليوم، لتبلغ بذلك الشهور الإجمالية لحبسه احتياطيًا 28 شهرًا.

«هنعمل إيه من غيرهم؟ أبكي على الذكريات!» هكذا تقول سلمى لـ«ساسة بوست» لافتةً إلى أنَّها تفتقدُ إلى «التجمع في الفطار و السحور وقراءة القرآن»، بالإضافة إلى «التنزّه مع الزوج والوالد بعد صلاة التراويح»، وكسرت سلمى كلمات الحزن التي كثرت في حديثها المقتضب «مبسوطة إن فيه زيارتين استثنائيتين في رمضان لرؤيتهم وإحضار الطعام لهم».

عرض التعليقات
تحميل المزيد