أي إنسان في هذا الكون له الحق في اختيار هواية أو اختيار صديق، وإذا فعل فغالبًا لن يلتفت له من حوله، أو يضعوه تحت المنظار من أجل تلك الصداقة أو الهواية، ولكن حين يخص الأمر الأسر الملكية فالوضع يختلف.

مأزق صعوبة ممارسة الحياة العادية وقعت فيه الملكة فيكتوريا ملكة إنجلترا، والتي جلست على العرش حتى عام 1901، وكانت الهند في ذاك الوقت تابعة للإمبراطورية البريطانية، وفي يوم جاءت لها هدية من الهند، غيرت السنوات الأخيرة المتبقية لها في حياتها، ومنحتها طعمًا وشغفًا، ولكن تلك الهدية لم ترق لباقي أفراد العائلة المالكة في القصر، وبدأت حرب داخلية لحرمان الملكة من الهدية التي تحولت إلى الـ«مونشي».

من هو «الإله رام» الهندوسي الذي يُقتل المسلمون في الهند باسمه؟

«لا تنظر في عين الملكة»

الكسل والملل هما المُسيطران هنا، ولم يعد في حياة تلك العجوز ما يثير شغفها أو يؤنس وحدتها، كل من تحبهم ذهبوا إلى العالم الآخر وتركوها وحيدة مُحملة بالجواهر والأحزان، ينحني لها الجميع، ولكن ولا واحد منهم استطاع أن يلمس هذا القلب الذي أصابه الفتور، وها هي تجلس على مائدتها وسط أسرتها الملكية تمضغ الطعام وهي تشعر أنه المتعة الوحيدة في الحياة، متعة مؤقتة حزينة.

شاهد إعلان فيلم «Victoria and Abdul».

«لا تنظر في عين الملكة»؛ هكذا أخبره رئيس الخدم حتى لا يعاقب، فعلى عبدول أو عبد الكريم أن يقترب من الملكة ويقدم لها عملة الهند هدية، ثم يخرج مسرعًا، ولكن عبدول الشاب الهندي المتحمس القادم من بلاده متلهفًا لرؤية الملكة؛ حاول لفت نظرها بكل طريقة وقد نجح.

 وابتسمت العجوز العابثة لهذا الشاب الصغير الوسيم – كما وصفته – والذي يبدو عليه البساطة وعدم التكلف كما اعتادت من اسرتها الملكية البريطانية، وكان هذا كاف لرئيس الخدم أن يحتفظ بعبدول في القصر خادمًا للملكة، ولكن القدر كان يحتفظ له بمصير أكبر من هذا.

بعد أن رأت الملكة فيكتوريا عبدول أكثر من مرة، وأعجبتها جرأته والحماسة في عينه، طالبت بوجوده جانبها وحده في معظم الأوقات حتى يفتح لها صناديق الرسائل ويساعدها في مهامها اليومية، مستبدلاه بمساعدها الشخصي الإنجليزي، والذي شعر بالحنق تجاه عبدول؛ إذ لم ير فيه سوى شاب هندي مسلم لا ينتمي لهذا القصر، ولكن إصرار الملكة على وجوده بجوراها ألجم لسانه.

ملكة بريطانيا تكتب بلغة المسلمين

اللغة في الأساس وسيلة للتواصل بين البشر، ووسيلة للتعبير عن النفس والذات والحالة المزاجية، ولكنها أيضًا مع الوقت تحولت إلى انعكاس لهوية المتحدث الثقافية والدينية، وكما ترتبط اللغة العربية الآن بالإسلام، فإن اللغة الأردية في الهند ارتبطت بالمسلمين ارتباطًا وثيقًا في الهند بين أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن العشرين.

عبدول بجوار الملكة فيكتوريا

تلك اللغة كان يتحدثها عبدول، وقد أثارت شغف الملكة فيكتوريا، وطلبت منه أن يعلمها تلك اللغة، وقد كانت تلميذة مجتهدة، وهو ما أثبتته الكاتبة شرباني باسو في كتابها «Victoria and Abdul: The True Story of the Queen’s Closest Confidant» حين أدرجت فيه بعض نصوص الرسائل التي كتبها الملكة فيكتوريا بخط يدها باللغة الأوردية، والتي كانت تكتبها لعبدول، وبعض المذكرات الشخصية للملكة، والتي كتبت بنفسه اللغة، والتي استطاعت شرباني الوصول إليها في رحلة بحثها من أجل كتابها، والذي كان عن الصداقة القوية بين الملكة وعبدول، والتي حاولت أسرتها إخفاءها لسنوات طويلة.

هذا الكتاب الذي تحول بعد ذلك إلى فيلم درامي بالعام 2017 تحت عنوان «Victoria and Abdul»، وقد تأخر إنتاج هذا الفيلم الذي يحكي صداقة غريبة من نوعها؛ نظرًا لأن قصة عبدول ظلت طي الكتمان من قبل الأسرة المالكة حتى عام 2010.

«جنون المونشس».. رعب في القصر الملكي

وجود خادم هندي في قصر الملكة فيكتوريا لم يكن سرًا، ولم تستطع أسرتها إخفاءه عن الناس، ولكن ما دفنوه في بئر عميق لسنوات طويلة هو أن عبدول لم يكن خادمًا للملكة، بل كان معلمًا روحانيًا لها كما اختارت أن تسميه بلغة الهند «مونشي»، إذ كانت تسير معه في أروقة القصر تحدثه عن مشاعرها وخواطرها وكأنه صديق، بينما هو يخبرها عن الإسلام وعن حياته في الهند، وعن قصص لم تعرف عنها شيء، ولم تطلق عليه الملكة معلمًا لها فقط، بل كانت تناديه في خطابتها بـ«الابن البار» أو «الابن الرائع»، وكانت تنهي خطاباتها بإمضاء «أمك العزيزة» و«أمك المُحبة».

اللوحة التي أمرت الملكة فيكتوريا برسمها لعبدول

ومن عادة الملوك رسم لوحات فخمة للنبلاء الذين يعتزون بهم، وعلى واحد من أهم الحوائط الملكية في إنجلترا، في أحد المباني الخاصة التي كانت تعيش فيها الملكة فيكتوريا، توجد لوحة مصنوعة من الذهب وتجسد عبدول على أنه نبيل في اللوحة، وليس خادمًا، ويمسك أيضًا كتابًا في يديه دليلًا على تمتعه بالعلم والثقافة.

تلك العلاقة الوطيدة التي جمعت الملكة بالشاب الذي يعد في عمر أحفادها، أثارت غضب الكثير في القصر، ومن أهمهم طبيب الملكة جيمس ريد، والذي وجد في مذكراته وصفًا لصداقة الملكة بعبدول بكونها «جنون المونشي»، موضحًا أن هذا الشاب قد استحوذ على عقل وروح الملكة وأصبحت «مجنونة به» على حد وصفه.

«اخرج من القصر يا غامق البشرة»

اتهامات عنصرية وسياسية كادت تطيح صداقة الملكة وعبدول أكثر من مرة، دبرتها أسرتها الملكية، حتى أن الملكة فكرت في إرسال عبدول مرة أخرى إلى الهند، ولكنها تراجعت في اللحظة الأخيرة لما يمثله هذا الشاب المسلم من أهمية في حياتها، وقد أعطاها شغفًا بالتعلم والارتقاء بروحها في سنوات عمرها الأخيرة المريرة.

مشهد من فيلم «Victoria and Abdul».

ولذلك فحتى عندما هددها ابنها بإعلان جنونها لرغبتها في منح لقب فارس لعبدول، وقفت صامدة أمام التهديدات، ولم تتخل عن الرابطة الروحية التي جمعتها بهذا الشاب الهندي البسيط القادم من عائلة بسيطة، ولكن هذا لم يمنع أفراد أسرتها الملكية من اضطهاده، ونعته بغامق البشرة، وإعلان رغبتهم بوضوح في عدم وجوده وضرورة رحيله عن القصر.

ولكنهم لم يجرؤون على المساس بعبدول إلا بعد وفاة الملكة، فهجموا على منزله الملحق بقصر الملكة، ودمروا كل ما يملك من دلائل على صداقته بالملكة من صور ومذكرات ورسائل، وأرسلوه إلى الهند حيث مات بعد وفاة الملكة بثماني سنوات فقط، ولكن ما لم تفعله أسرة الملكة هو طمث الدلائل الموجودة في مقتنيات الملكة نفسها، والتي وجدتها فيما بعد الكاتبة الهندية شرباني باسو وأطلعت العالم عليها.

قد يتهمه بعض الإنجليز بالتسلق للوصول لقلب الملكة، وقد يرى فيه البعض شابًا استحوذ على عقل عجوز مسكين ليتسلل في أروقة قصرها، ولكن في نظر البعض الآخر فإن امرأة في تلك المكانة والخبرة من المفترض أن تكون قادرة على تمييز النفاق من التودد المليء بالانبهار، وهو ما ربما وجدته الملكة في روح وتصرفات عبدول كما كشفت مذكراتها، وأي كانت أسباب تلك الصداقة، وكيف نشأت؛ فهي لا تنفي تميزها وتفردها إذا نظرنا للتاريخ الطويل لحياة الملوك المنعزلة الجافة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد