واجهت مدينة القدس منذ بداية الاحتلال الإسرائيلي لها في العام 1967 محاولات متكررة لفرض طابع يهودي يمحو تاريخها ويُزيف حاضرها ويُمهد لإقامة “الهيكل”.

وكانت أشد تلك المحاولات من قبل الجمعيات اليهودية اليمينية، التي استطاعت بدعم من سلطات الاحتلال الإسرائيلي فرض تغييرات في المدينة والمسجد الأقصى بشكلٍ خاص عبر التضييق على المصلين بالاعتداءات، ومن ثمَّ تقسيم أوقات الصلاة فيه، وصولًا إلى مطالبة الكنيست بإقرار مقترح “موشيه فيجلن” النائب عن حزب الليكود “بيتنا”، والقاضي بفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على المسجد الأقصى بديلًا عن الإدارة الأردنية.

فيجلن  يقتحم المسجد الأقصى علنيا

فيجلن يقتحم المسجد الأقصى علنيا مع مجموعة من المستوطنين وسط حراسة مشددة

 

سياسة يمينية

ويُعد “فيجلن” الأكثر تشددًا حيال كل ما هو فلسطيني، فقد طالب علانيًة بهدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم على حسابه، وكثيرًا ما اقتحمه معززًا بجنود الشرطة الإسرائيلية وقبل أسبوع دنس سطح مسجد قبة الصخرة بحذائه مُصرحًا: “الأقصى لليهود وعلى العرب الرحيل إلى السعودية فهناك مكانهم الأصلي، والقبة الذهبية هي المعبد اليهودي، وليست للمسلمين”، ويُصر على إقامة “دولة يهودية” خالصة تضم أرض فلسطين جميعها ويُحدد ملامحها السياسية دستور يُشرع إنشاء محكمة حاخامات تُلغي أي تشريع يُناقض التعاليم التوراتية، ومن ثمَّ بناء الهيكل وفرض الخدمة العسكرية في سن الثانية عشرة لضمان الولاء ويُسر التأثير وبناء الشخصية اليهودية الخالصة.

حصد المكاسب

يرى “إبراهيم صرصور”، رئيس القائمة العربية الموحدة بالكنيست الإسرائيلي، أن هدف “فيجلن” من مقترح القانون هو “حصد بعض المكاسب الانتخابية في المستقبل”، مبيَّنًا أن الحكومة الإسرائيلية أبلغت أعضاء الكنيست العرب رسميًّا بأنها “ضد اقتراح النائب “فيجلن، ولن تُصوت إلى جانب البيان الختامي بعد مناقشته”، وقال: “أي تغيّر في واقع المسجد الأقصى سيؤدي إلى انفجار الرأي العام العربي والإسلامي، ولا أعتقد أن إسرائيل والمجتمع الدولي معنية بذلك الآن”.

محاولة مكشوفة

فيما أوضح الشيخ “رائد صلاح” رئيس الحركة الإسلامية بالأراضي المحتلة عام 48 أن ما يدور الآن في أروقة الاحتلال الإسرائيلي محاولة مكشوفة لتطبيق مخططه الأخير الداعي لفرض سيادته المطلقة على كل مساحة المسجد الأقصى البالغة مساحتها (144دونمًا) وقال: “سيُحاولون الاستيلاء عليها تحت اسم “جبل الهيكل” ثم يقرون بالسماح بممارسة الصلوات التلمودية الفردية والجماعية فيه وصولًا إلى فرض إقامة إدارة دينية يهودية جماعية بدلًا عن هيئة الأوقاف الإسلامية”.

الشيخ_رائد_صلاح_فقرة_محاولة_مكشوفة.jpg (519×346)

الشيخ رائد صلاح

كيف تُنفذ إسرائيل مخططاتها؟

ويفضي المخطط الإسرائيلي بضم المقدسات الإسلامية وتهويدها وإنهاء ملامحها العربية، في مراحله النهائية إلى بناء “جبل الهيكل” مكان مسجد قبة الصخرة الواقع في قلب المسجد الأقصى، وتنازل “إسرائيل” فقط عن الجامع القبلي من المسجد الأقصى كحق وحيد للمسلمين.

ويُبين لنا الشيخ “صلاح” أن المؤسسة الإسرائيلية تعمد لتحقيق مخططاتها في المسجد الأقصى عبر تبني مسارين متوازيين أولهما تكثيف الاقتحامات اليومية أو على الأقل الأسبوعية للمسجد الأقصى المبارك، وثانيهما محاولات استصدار قوانين من الكنيست الإسرائيلي تُغطي مطلب الاحتلال بفرض سيادة له على المسجد الأقصى أو فرض تقسيم زماني ثم تقسيم مكاني عليه مما يعني بشكل واضح إلغاء السيادة الأردنية على المسجد الأقصى إلغاءً مطلقًا.

مناقشة القرار

ويُشير بيان لمؤسسة الأقصى للوقف والتراث إلى أن رئيس الكنيست “يولي إدلشتين” بعد مناقشة المقترح قرر الاستمرار بطرح مناقشته مرة أخرى، مع إرجاء التصويت عليه إلى حين التوصل إلى صيغة بيان متفق عليه، وقالت المؤسسة في بيانها إن: “لجنة الداخلية في الكنيست ستبحث استعدادات قوات الاحتلال لاقتحامات جماعية في عيد “الفصح العبري” منتصف إبريل القادم” مما يُشير إلى تجدد المواجهات.

هل يُمكن القبول عربيًّا بالانتهاكات الإسرائيلية بحق الأقصى والمقدسات الإسلامية؟

على المستوى الأردني كانت المواقف حازمة، إذا اقترح قرابة 47 نائبًا في مجلس النواب الأردني إعداد مشروع قانون يلغي اتفاقية وادي عربة احتجاجًا على ما يقوم به الاحتلال الإسرائيلي من انتهاكات يومية بحق المسجد الأقصى والآمّين له من المصلين والمرابطين والمعتكفين، وكذلك للضغط على الكنيست الإسرائيلي للإقلاع عن دراسة قانون فرض السيادة الإسرائيلية عليه بدلًا من الوصاية الأردنية، مؤكدين أن ما تفعله إسرائيل خرق واضح للاتفاقية واعتداء صريح على حقوق الرعاية العربية والإسلامية للمقدسات الفلسطينية.

1_تاني_مرة.jpg (610×424)

اقتحام الجنود الاسرائيليين للمسجد الأقصى

وعلى المستوى العربي يُعول النائب “صرصور” على موقف عربي إسلامي صلب، وموقف دولي يفرض على إسرائيل بأن تقبل بالعرب كأقلية قومية داخل إسرائيل أو بالشعب الفلسطيني على الجانب الآخر من الحدود، قائلاً: “لا بد من حلول تُفرض لأن المجتمع الدولي يعي تمامًا أن هذا الملف إذا ما تُرك لإسرائيل وقراراتها فلن نتقدم خطوة للأمام بتاتًا”.

تحدٍ فلسطيني

وعلى الصعيد الفلسطيني اتجهت منظومة من المؤسسات الإسلامية بالأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 وتتمثل في (مؤسسة الأقصى للوقف والتراث، ومؤسسة البيارق لإحياء المسجد الأقصى، ومؤسسة عمارة الأقصى والمقدسات) إلى تعزيز الوجود الفلسطيني فيه وإحباط مخططات الجماعات اليهودية بالسيطرة الكاملة عليه، عبر تنفيذ مشاريع عدة كـ “مصاطب العلم”، و”مسيرة البيارق الأسبوعية” و”الاعتكاف” وغيرها.

ويُقر أبو مؤمن – أحد المشاركين في مسيرة البيارق المنطلقة من الناصرة – أن اختيار الوجود الدائم في الأقصى يُحتم المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، والتعرض لأصناف شتى من الاعتداءات سواء بالتوقيف والاعتقال، أو بالإبعاد عن المسجد الأقصى وحدود البلدة القديمة، ناهيك عن الاعتداءات الجسدية والشتائم البذيئة، غير أنه يُصر على الحضور يوميًّا، وأوضح أنه عشية مناقشة المقترح سادت حالة من التوتر ومواجهات عنيفة بين سلطات الاحتلال والعديد من طلاب مصاطب العلم والمعتكفين والمصلين داخل المسجد الأقصى.

عرض التعليقات
تحميل المزيد