يشهد العالم اليوم ثباتًا ومقاومة باسلة من أهالي القدس في مقاومتهم لمحاولات الاحتلال الإسرائيلي طرد وتهجير أهالي حي الشيخ جراح، والتصدي لاقتحام قوات الاحتلال في المسجد الأقصى.

يعيش الفلسطينيون اليوم واقعًا وفق خطة يسعى فيها طيفٌ واسعٌ من قوى الاحتلال الإسرائيلي الحيازةَ على فلسطين كاملة، من النهر إلى البحر.

ضحايا هذه الخطة هم بدو فلسطين، الذين رحُلّوا من ديارهم إلى شتى بقاع الأرض، وتفرقوا بين البلاد، واستقر بعضهم من قبيلة الجهالين في قرية «خان الأحمر» بالضفة الغربية، الواقعة على «الطريق السريع 1» بين القدس وأريحا.

نتعرف في هذا التقرير على قصة القرية وأهميتها الإستراتيجية، ومساعي ومحاولات إسرائيل الطويلة لطرد سكانها، وكيف استطاع أهلها أنّ يصبحوا شوكةً في حلقِ خطط إسرائيل، التي تسعى لفرض واقع المستوطنات وضم القدس.

Embed from Getty Images

قرية خان الأحمر  

قرية «خان الأحمر».. شوكةٌ في حلق المخططات الإسرائيلية

تقع قرية خان الأحمر ضمن تقسيم المنطقة «ج» في نطاق الضفة الغربية التي قُسمت في اتفاقية أوسلو الثانية عام 1995، التي وقَّعت عليها منظمة التحرير الفلسطينية مع إسرائيل، بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في واشنطن.

لكنّ قصة قبيلة الجهالين سكّان قرية الخان الأحمر تعود إلى ما قبل أوسلو واتفاقياتها. ففي عام 1948، أو ما يعرف بعام النكبة، زحف لواء النقب التابع للجيش الإسرائيلي إلى صحراء النقب، لينفذ عملية طرد وتطهير شامل لسكان الصحراء الذين عاشوا فيها قبل مئات السنين، وكانت قبيلة الجهالين إحدى القبائل البدوية التي تهجرت وتشتت، فانتقل بعضهم إلى الخليل، وبيت لحم، والقدس.

بعد عام 1948 نقلت القوات الإسرائيلية البدو إلى مناطق تعرِّفها بـ«مناطق عسكرية مغلقة» لتجري إعاقتهم ومنعهم من العودة إلى أراضيهم وزراعتها. بعدها بأربعة أعوام، وتحديدًا في أبريل (نيسان) 1952، صدر قانونٌ إسرائيلي يقتضي بمصادرة أي أراضي غير مزروعة أو غير مسكونة، وبه سُلبت حقوق عودة هذه العوائل البدوية إلى أراضيها!

توزعت قبيلة الجهالين المهجرة إلى قرى مثل قرية النبي موسى، وقرية أبو ديس، وخان الأحمر، حيث تتوفر مصادر المياه، والزراعة، والرعي، وكل ما يلزم للأعمال التي يبرع فيه البدوي وتلائم أسلوب حياته، وفي الوقت ذاته شدّد الاحتلال التضييق عليهم، وفرض سياسات عنجهية تمنعهم من العيش الكريم، وممارسة أعمالهم بسهولة.

فقرية خان الأحمر محاطة بمستوطنتين إسرائيليتين، معاليه أدوميم وكفار أدوميم. ومعاليه أدوميم، هي ثالثة أكبر مستوطنة في الضفة الغربية، تأسست عام 1979 على أنقاض قرية عناتا الواقعة شمال شرقي مدينة القدس المحتلة، ووفقًا لدراسة أعدتها الباحثة حنان عوض ناقلةً عن تقرير لمنظمة «بتسليم»، فقد صادرت القوات الإسرائيلية ما بين 1975 إلى 1979 أكثر من 30 ألف دونم (يساوي الدونم ألف متر مربع) من القرى المحيطة للمستوطنة، وأخذت خان الأحمر نصيبها من هذه المصادرة.

تبلغ خان الأحمر اليوم مساحة ما يقارب 16 ألف دونم، منها فقط 538 دونم صالحة للزراعة، حيث يزرع بها الحبوب، ويعيش فيها اليوم ما يقارب 173 شخصًا، منهم 92 طفلًا.

تقع خان الأحمر في منطقة إستراتيجية بالنسبة للاحتلال الإسرائيلي، في ضمن مخطط «إي 1 – E1» الاستيطاني الذي يربط القدس بالمستوطنات المحيطة، مثل مستوطنة معاليه ادوميم، بالإضافة إلى أنّ خان الأحمر تقع على الطريق السريع 1، وتخطط الدولة الإسرائيلية في تلك المنطقة إلى إنشاء مدينة سياحية كاملة، وبالتالي تقف هذه القرية عائقًا في وجه الإسرائيليين.

خريطة توضيحية لمنطقة إي-1 وموقع قرية خان الأحمر – مصدر الصورة: الجزيرة 

معاركٌ من كل جبهة.. كيف يعيش أهل القرية وسط هذا الترصد الإسرائيلي؟

تُحاول الدولة الإسرائيلية طرد أهل خان الأحمر سواءًا عن طريق المعاركة القانونية، بإصدار المحاكم الإسرائيلية أحكامًا بالإخلاء القسري، أو عن طريق التضييق عليهم بمنع بناء خيم جديدة، كما هُنالك قانون يمنعهم من بناء بيوت بالإسمنت، وبالتالي يضطر أهل القرية العيش في خيم، أو استخدام الطين في الأبنية.

كان أهل قرية خان الأحمر، والقرى المجاورة يعانون من عدم وجود مدرسة قريبة منهم؛ مما يضطر بعضهم إرسال أولادهم إلى مدينة أريحا التي تبعد 22 كيلومترًا، وقد قدّم أهل القرية في عام 1991 طلب بناء مدرسة، لكنّ بلا جدوى طائلة. وفي عام 2009 استطاع أهل القرية بناء مدرسة من الطين وإطارات السيارات بمساعدة من منظمة غير حكومية إيطالية «Vento di Terra».

Embed from Getty Images

مدرسة خان الأحمر  

إحدى المشاكل التي تواجه الشباب في القرية هي قضية المسكن، أولًا لضعف الإمكانات المادية وقلة الموارد، وثانيًا حتى لو قاموا ببناء خيمة، تأتي الإدارة المدنية تطلب منهم إزالتها بسبب أنّها «خيمة جديدة»، وبالتالي يضطر العديد من أهالي القرية الشباب إلى الخروج والعيش في مناطق أخرى.

يواجه أهل القرية صعوبة في التنقل أيضًا، ففي لقاءات عقدها التلفزيون العربي مع شباب من القرية عن طريق برنامجه «الخان الأحمر | عين المكان» يقول أحد الشباب: «أحيانًا يتوفى المريض عندنا وهو لم يصل إلى المستشفى بعد، وذلك بسبب أنّ الشارع مسكَّر».

لا تتوقف المضايقات عند هذا الحد، بل أيضًا يضيق عليهم دينيًا. ففي القرية يوجد مسجدٌ صغير لم يسلم من إزعاج المستوطنين، فبحسب تصريح يوسف أبو داهوك إمام المسجد للتلفزيون العربي: «حدث أكثر من مرة، أن يأتي المستوطنون ليقطعوا أسلاك السماعات»، في الوقت الذي كانت فيه الإدارة المدنية تضغط على أهل القرية لإطفاء المكبرات بسبب أنّها مصدر «إزعاج».

ومن عام 2006 حتى 2017 هدمت السلطات الإسرائيلية 26 منزلًا في القرية، مشردين بذلك 132 فلسطيني منهم 77 شابًا وطفلًا.

أحدث المعارك.. خان الأحمر تصبح قضية دولية

استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو صعود دونالد ترامب أشد استغلال. فبعد اعتراف ترامب في ديسمبر (كانون الثاني) 2017 تضاعفت وتسارعت الجهود لتنفيذ المخطط الأكبر للاستحواذ على القدس، وتسريع عمليات ربط المستوطنات المجاورة لها. ففي مايو (أيار) 2018 أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قرارًا يسمح للدولة بهدم قرية خان الأحمر كاملةً.

جاء هذا القرار بعد سنوات من المعارك القضائية بين أهالي القرية وأهالي مستوطنة كفار أدوميم مدعين أنّ أبنية القرية «غير قانونية»، وكما هو متوقع، حكمت المحكمة لصالح أهالي المستوطنة. في تلك الفترة، كانت إسرائيل تعمل على توسعة المستوطنات وبناء المزيد من السكنات «غير القانونية» بموجب القانون الدولي.

ولأن أشكال المقاومة متعددة، فقد عرف أهل قرية خان الأحمر، كما عرف أهل حي الشيخ جراح، أنّهم يقفون على جبهاتٍ إستراتيجية خسارتها تعني خسارة القدس. وقد يقاوم البعض بالسلاح، وآخرون بالمقاطعة، لكنّ في خان الأحمر كانت المعادلة هي البقاء، كما كتب على جدار مدرسة القرية: «باقون ما بقي الزعتر والزيتون».

بدأ أهالي القرية في الاستنفار والتواصل مع جهات حقوقية وإعلامية، وأنّهم يتوقعون الجرافات الهادمة في أي وقتٍ! وبعد إصدار قرار المحكمة الإسرائيلية، بدأت الضغوط الدولية، فقد عبر الاتحاد الأوروبي عن قلقه تجاه القرار، وصرح الدبلوماسي الإيطالي فابيو سوكولوسكيز بأنّه قلقٌ من قرار المحكمة، وقلق على المدرسة التي بنيت بمساعدة منظمة إيطالية، لكنّ الجهتين لم يقدما سوى التعبير عن القلق المعتاد!

في 4 يوليو (تموز) 2018 هاجمت الإدارة المدنية الإسرائيلية، بحماية الشرطة الإسرائيلية القرية، لتمهيد طريق لنقل سكان القرية خارج المنطقة، وقد واجهت الجهود الإسرائيلية مقاومة ضارية من أهالي القرية الذين باتوا يعترضون عمل الجرافات، ويهتفون ويعبرون رافضين الخروج من قريتهم.

Embed from Getty Images

المقاومون يقفون في وجه الجرافات أمام الشرطة الإسرائيلية  

وخلال أعمال المقاومة بنى الأهالي في وسط القرية خيمة اعتصام مفتوحة، تستقبل المرابطين والمقاومين من كل أنحاء الضفة الغربية والعالم، وعُقدت فيها لقاءات إعلامية لنقل الصورة الواقعية للقرية، وترديد العبارات المنددة لهذه العملية مثل: «إسرائيل دولة إرهاب.. وإحنا منها ما بنهاب»، وأيضًا: «شعبي صمم شعبي قرر، القدس دمي الوريد، عاصمتنا الأبدية، ما بنهابك بنيامين، يا حكومة فاشية».

لكن قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي اقتحمت المنطقة مرتين في يوم 5 يوليو، وأعلنتها «منطقة عسكرية مغلقة»، فاحتشد الفلسطينيون والأجانب المتضامنون لمواجهة القوات، واعتقل العديد من المقاومين، وأصيب 35 شخصًا، نُقل أربعة منهم إلى المستشفيات.

ووسط هذه الأحداث بدأت الأحداث تأخذ صيتًا عالميًا؛ فقد كرر الاتحاد الأوروبي التعبير عن «قلقه»، ومعه جهات دولية أخرى مثل وزارة الخارجية التركية التي أدانت الهجوم.

مخطط الحكومة الإسرائيلية كان يقتضي نقل أهالي خان الأحمر إلى موقع قريب من بلدة أبو ديس، التي يفصل بينها وبين مركز مدينة القدس، جدار الفصل العنصري، وكان الموقع المستهدف نقلهم إليه، قريبًا من مكب النفايات شرق بلدة أبو ديس.

في 6 سبتمبر (أيلول) 2018، أصدر البرلمان الأوروبي قرارًا يصف قرار الهدم والتهجير بأنّه انتهاكٌ للقانون الدولي. وتجدر الإشارة إلى أن أهالي قرية خان الأحمر قد قدموا عريضة للمحكمة الإسرائيلية العليا ترفض القرار، لكنّ المحكمة رفضتها وأعطت الضوء الأخضر لإخلاء القرية قسريًا!

في تلك الأيام بقيت المسألة هي إلى أي حدٍ سيقاوم الأهالي؟ وإلى أي حد سيستعمل جيش الاحتلال العنف ضدهم؟ ومع بداية أكتوبر (تشرين الأول) كان المقاومون يعملون على فترات لحراسة القرية ليلًا ونهارًا، ولم يتوقف المستوطنون عن مضايقة أهالي القرية، فبحسب شاهد عيان قام مستوطنون في كفار أدوميم بجمع مياه الصرف الصحي في وادٍ بقرب القرية.

في منتصف أكتوبر، احتدمت الأمور عندما اعترض المقاومون طريق الجرافات، وقابل ذلك استخدام الشرطة الإسرائيلية العنف والاعتقالات الممنهجة، سواءً للفلسطينيين أو للأجانب المتضامنين معهم.

Embed from Getty Images

جانب من مقاومة أهالي قرية خان الأحمر في 12 أكتوبر 2018 

زاد الضغط الدولي جراء الانتهاكات الإسرائيلية، وفي 17 أكتوبر أصدرت فاتو بنسودا، المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية، بيانًا تعبر فيه عن قلقها تجاه «الإخلاء المقرر لتجمع بدو الخان الأحمر بالضفة الغربية»، وبعدها بثلاثة أيام أعلن بنيامين نتنياهو تأجيل عمليات الإخلاء القسري!

وبهذا الصمود حق لأهالي خان الأحمر الفرح بهذا الانتصار، وبدء الإعداد للمعركة التالية، فكما يقول عيد أبو خميس أحد رجال القرية لتلفزيون العربي: «كثير من الناس للأسف.. وكثير من الإعلام بيحكوا أنه الخان الآن بأمان، بالعكس الآن بدأ العد التنازلي لهدم الخان»، ويضيف: «هُنالك تسابق بين الأحزاب الإسرائيلية إلى كرسي رئاسة الوزراء الإسرائيلية وهدم الخان الأحمر هو قربانهم للكرسي».

مثل حي الشيخ جراح.. مستقبل خان الأحمر على المحكّ

في عام 2021 عادت المخططات الإسرائيلية لإخلاء خان الأحمر، للسطح مرة أخرى، لكن في ثوب جديد! فقد نقلت صحيفة إسرائيلية، أنّ الحكومة عرضت على أهالي القرية نقلهم إلى منطقة يستطيعون فيها «الحفاظ على نفس نمط الحياة» البدوية، وتكون منطقة أقرب إليهم وأكثر اتساعًا، وتحمل نفس السمات الجغرافية، وتدرس قبيلة الجهالين المقترح الإسرائيلي، خاصةً أنّ قرار المحكمة لهدم القرية لم يزل فاعلًا، وقد ينفذ في أي وقت.

وفي سياق المواجهة في حي الشيخ جراح بالقدس، يعيش مخطط الاستيطان الإسرائيلي سيناريو مشابهًا للذي حدث في خان الأحمر. فبالإضافة إلى الاستنكار الدولي تجاه محاولات تهجير أهالي حي الشيخ جراح واقتحام المسجد الأقصى، حتى من دول عربية مُطبعة مثل الإمارات؛ تعيش إسرائيل أزمة سياسية حقيقية.

إعلام

منذ 6 شهور
مترجم: مواقع التواصل الاجتماعي تتعمد إسكات مناصري الفلسطينيين في «الشيخ جراح»

فقد عقدت إسرائيل أربعة انتخابات خلال سنتين، وفشل نتنياهو مرة أخرى في تشكيل حكومة ائتلافية، حتى كلف الرئيس الإسرائيلي، رؤوفين ريفلين، زعيم حزب «هناك مستقبل» يائير لابيد بتشكيل الحكومة، والذي يحاول الآن تشكيلها.

فهل تصعّد قوات جيش الاحتلال ضد المقاومين الفلسطينيين في القدس؟ أم ترضخ للضغط الدولي وتؤجل تحركاتها الأخيرة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد