الحرب حولت اليمن إلى مساحة خراب، تفوح منها راحة الموت والتدمير، حيث كان المدنيون ضحيتها الأولى

لا يزال الوضع في «اليمن» متأزمًا، مُنذ اندلعت الحرب بين «التحالف العربي»، بقيادة «المملكة العربية السعودية»، وبين «الحوثيين». تحوّلت اليمن إثر الحرب إلى ساحة دمار، كان أكثر من تأذى بسببها هم المدنيون كالعادة.

وبالرغم من التجاهل الإعلامي والحقوقي للأزمة اليمنية على مدار الشهور الماضية، إلا أنّه يبدو أن العالم بدأ يلتفت أخيرًا إلى القضية الإنسانية المنسية وسط الحرب في اليمن.

الأمم المتحدة ترضخ لضغوط السعودية

أصدرت الأمم المتحدة قبل أيام، تقريرًا بشأن النزاع في اليمن، أدرجت فيه السعودية وحلفاءها التسعة، ضمن «اللائحة السوداء» للدول والحركات المتهمة بقتل الأطفال في النزاعات، قبل أن تحذفهم من القائمة بعد ذلك.

وكان التقرير قد أورد بأن «الرياض»، التي تقود حرب التحالف العربي ضد الحوثيين، مسؤولة عن 60% من حصيلة تبلغ 785 طفلًا قتيلًا، و1168 قاصرًا جريحًا العام الماضي في اليمن. في نفس التقرير أيضًا، يتهم الحوثيون والقوات الموالية للحكومة وتنظيم القاعدة بتجنيد 762 طفل في حرب اليمن.

خلف التقرير الذي سجل انتهاكات حقوق الطفل في اليمن خلال عام 2015 موجة غضب من قبل المملكة العربية السعودية، التي اعتبرته «غير منصف وغير محترف»، متهمة إياه «بالانحياز لمصلحة الانقلابيين في اليمن»، ليتم أول أمس إسقاط الرياض مع حلفائها من القائمة السوداء للبلدان المسيئة لحقوق الطفل في مناطق النزاع.

أثار بدوره، هذا التراجع عن نتائج التقرير، استياء عامًا من طرف المنظمات الحقوقية؛ إذ قالت «منظمة العفو الدولية»، في بيان لها أمس إن «إعلان (بان كي مون)، الأمين العام للأمم المتحدة، سحب التحالف العربي من اللائحة السوداء نتيجة مباشرة للضغوط الدبلوماسية التي مارستها السعودية»، مضيفة بأن مصداقية منظمة الأمم المتحدة باتت محل شك؛ بعد أن تراجعت بشكل فج أمام الضغوط.

أما «فيليب بولوبيون»، نائب مدير «هيومن رايتس ووتش» فقد كتب على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» إن «ثمة مستوى جديدًا من الانحطاط في الأمم المتحدة؛ فيما يخص الانتهاكات السعودية ضد الأطفال في اليمن، وتبييض ساحتها تحت الضغط».

وقال «ستيفان دوجاريك»، المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، «بان كي مون»، بأنه سيتم القيام بمراجعة مشتركة مع التحالف العربي، وسيعرض التقرير النهائي قبل شهر أغسطس (آب) المقبل، مضيفا بأن التقرير « لن يرضي الجميع دائمًا».

المنظمات الحقوقية تتهم التحالف والحوثيين بانتهاكات جسيمة

بالرغم من غياب الاهتمام الإعلامي والدولي بالأزمة في اليمن، مُقارنةً بالشأن مع سوريا، غير أن المنظمات الحقوقية الدولية تتابع الوضع هناك عن كثب، وتعرض تقاريرها انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، يقترفها كل من دول التحالف العربي والحوثيين وتنظيم القاعدة بجزيرة العرب.

على سبيل المثال سبق لمنظمة العفو الدولية أن حذرت من مخاطر «القنابل العنقودية» التي ترميها طائرات التحالف العربي؛ إذ تبقى بعضها غير منفجرة، مما يعرض الأطفال والمدنيين للموت، وسجلت في هذا الصدد مقتل 16 مدنيًا؛ بسبب انفجارات القنابل العنقودية. نفس المنظمة اتهمت دول التحالف في ديسمبر (كانون الأول) بشن غارات تستهدف المدارس، ما حرم آلاف الأطفال اليمنيين من الدراسة.

كما وثقت «لجنة خبراء الأمم المتحدة» في تقرير لها بداية العام الجاري 119 طلعة جوية للتحالف العرب تتصل «بالانتهاك للقانون الإنساني الدولي»، مؤكدة أن العديد من الطلعات الجوية استهدفت مدنيين. اتهمت اللجنة أيضًا الحوثيين والقوات الموالية للحكومة باقتراف انتهاكات واسعة النطاق وبشكل ممنهج، قد ترقى «لجرائم حرب ضد الإنسانية».

في نفس السياق، طالب «هيومن رايتس ووتش» المجتمع الدولي بفتح تحقيق مستقل حول الوضع في اليمن، بعد أن حملت أطراف الصراع مسؤولية التسبب في مقتل حوالي 309 من المدنيين، وإصابة أكثر من 414 آخرين باليمن.

من جانبها، اتهمت منظمة «بلا حدود»، في بداية العام الحالي، تحالف الرياض باستهداف سيارة إسعاف تابعة لها، ومقتل سائقها وأربعة آخرين، بالإضافة إلى إصابة 35 من المدنيين.

وتسببت الحرب المسلحة باليمن في مقتل 6400، ونزوح قرابة ثلاثة ملايين يمني، وفق إحصاءات الأمم المتحدة.

كيف تستطيع الرياض التستر عن الأزمة الإنسانية؟

ربما كان المدنيون في سوريا أكثر حظًا، مقارنة مع المدنيين في اليمن، الذين يرزحون تحت نزاع مسلح عنيف، بدون تغطية إعلامية أو حقوقية تكشف حقيقة الوضع، علاوة على ضعف الدعم الإنساني، وغيابه في كثير من الأحيان؛ إذ لا يجد النازحون من الحرب من يستقبلهم. إلا أن هذا التجاهل للأزمة الإنسانية في اليمن هو نتيجة لمجهودات الرياض في إجهاض أية محاولة للتوغل في حقيقة الوضع الإنساني؛ خشية تحمل المسؤولية.

1من الواضح أن المملكة العربية السعودية تملك نفوذًا «دبلوماسيًا» متوغلًا داخل أروقة الأمم المتحدة، على الرغم من أنها لا تشغل أي مقعد في مجلس الأمن الدولي، بيد أنها تتحكم في النقاشات التي تدور هناك حول الأزمة اليمنية، ولم يكن غريبًا ما كشفته صحيفة «التلغراف» البريطانية، حيال إسقاط السعودية وحلفائها من «القائمة السوداء»، بعد ضغوط مارستها السعودية وعواصم غربية وأعضاء في مجلس الأمن، بلغت حد التلويح بوقف تمويلات برامج المنظمة الدولية، والتأثير على مسار محادثات السلام اليمنية في الكويت؛ إذا لم يُزل التحالف العربي من تقرير اللائحة.

استكمالًا لذلك، يقول مراسل الأمم المتحدة لصحيفة «واشنطن بوست» الأمريكية، «كولم لينش»، إن السعودية نجحت، من خلال حلفائها، الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ومصر، في عرقلة إجراءات كبح سلوكها العسكري، والحيلولة دون تسليط الضوء على التكاليف الإنسانية الباهظة للصراع الذي ابتدرته في اليمن.

وسبق لـ«نيوزيلاندا» أن وضعت مقترحًا لدى مجلس الأمن، بشق ممر آمنٍ للإغاثة الإنسانية داخل المناطق المنكوبة، إلا أنه جوبه بالرفض، وكذا تم إبطال محاولة «هولندا» بتشكيل لجنة تحقيق في مجلس حقوق الإنسان؛ للنظر في انتهاكات القانون الدولي التي اقترفها طرفا الصراع في اليمن.

لكن الأمر لم يقتصر على ذلك، بل شمل التأثير على عمل لجنة خبراء الأمم المتحدة المكلفة بالتحقيق في الأزمة الإنسانية باليمن، ما أدى إلى تنحي خبيرين مستقلين، «فيرجينيا هيل» و«لوسي ماثيسون»؛ بسبب «سياسة الكيل بمكيالين» بخصوص الأدلة المطلوبة للإبلاغ عن التجاوزات.

ناهيك عن السيطرة السعودية على الإعلام العربي ــ بشكل عام ـ والتي لا تغطي الوضع الإنساني المزري في اليمن، كما تفعل في سوريا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد