عبد القادر بن مسعود 2
عبد القادر بن مسعود 2

2,120

اليوم أستطيع أن أقول إنه لا توجد كرة القدم في الجزائر.

*كازروني مدرب مولودية الجزائر بعد أعمال الشغب التي عرفتها مباراة فريقه ضد شبيبة القبائل

الفيلسوف الألمانيّ كارل ماركس كان يقول: «إنّ الدين أفيون الشعوب»، لكن في الجزائر يبدو أنّ كرة القدم قد صارت هي الأفيون الذي يحاول به الشباب الجزائري نسيان واقعه والترويح عن كبته، ففي الوقت الذي كانت رايات الحداد والعزاء ترفرف في سماء الجزائر حدادًا على أرواح ضحايا الطائرة المنكوبة التي سقطت غرب الجزائر، والتي حصدت أرواح 257 ضحيةً، لم يجد الجزائريون غير كرة القدم لتنسيهم جزءًا من آلامهم، غير أنّ جرحًا قديمًا قد فتح بعد أن شهد نصف نهائي كأس الجزائر المقام في ملعب «الشهيد حملاوي» بقسنطينة أعمال شغبٍ واسعةٍ أسفرت عن مقتل مشجعٍ وجرح العشرات، ليعود الحديث مجددًا عن العنف في الملاعب الجزائرية، وسط مطالباتٍ بوقف أنشطة كرة القدم في البلاد بسبب تصاعد هذه الموجة.

أعمال شغب في يوم حداد وطني

لا تخلو مباراة كرة القدم في الجزائر من حضورٍ جماهيري بالآلاف، لكن الرياضة الأكثر شعبية في البلاد لا تخلو أيضًا من مظاهر العنف التي تصاعدت في الآونة الأخيرة، وشكّلت أحداث «ملعب حملاوي» بقسنطينة إحدى أبشع فصولها، ففي مباراة الكأس التي أجريت الجمعة الماضية بين فريقي شبيبة القبائل٬ ومولودية الجزائر، والتي انطلقت بدقيقة صمت على أرواح ضحايا الطائرة الجزائرية المنكوبة، أسفرت أعمال العنف التي رافقت المباراة عن مقتل مناصر، في وقتٍ يتواجد مناصران اثنان في حالة جد خطيرة بمصلحة الإنعاش التابعة لمستشفى ابن باديس بقسنطينة، بينما وصل عدد الجرحى المتواجدين بالمستشفى نفسه إلى 49 مناصرًا، بعد أن تحوّلت المدرجات إلى ساحة معركة بين جماهير الناديين وعناصر الشرطة، كما شهدت مباراة أخرى في الدوري الجزائري٬ الجمعة، أعمال شغب وعنف هي الأخرى، أدت إلى توقف مباراة مولودية وهران وضيفه شباب بلوزداد.

أعمال الشغب والعنف بقسنطينة انطلقت صباحًا بسبب عدم تمكّن الآلاف من أنصار مولودية الجزائر من دخول الملعب لغياب التذاكر؛ مما أدى إلى محاولة الأنصار كسر الأبواب واقتحام الملعب، إذ تمّ إخراجهم منه من طرف قوات الأمن لتنتقل أعمال الشغب إلى محيط الملعب، وحسب رئيس الأمن الولائي لمحافظة قسنطينة، فإن مصالح الأمن تمكنت من توقيف 76 مشاغبًا تم تحويلهم إلى مقرات الأمن للتحقيق معهم٬ وتحويلهم إلى الجهات المختصة، كما استدعت لجنة الانضباط التابعة للفيديرالية الجزائريّة لكرة القدم كلًا من قاسي السعيد، المدير الرياضي لمولودية الجزائر، وشريف ملال رئيس شبيبة القبائل للاستماع لأقوالهم على وقع أحداث الشغب. 

وانتشر فيديو على نطاق واسع قيل بأنه لمشجع فريق مولودية الجزائر، يظهر الفيديو أحد الأشخاص وهو يعتدي على هذا المشجع بالضرب قبل أن يسحبه ويرميه في قناة للصرف الصحي.

وعن أعمال الشغب التي شهدتها المباراة، قال قائد نادي مولودية العاصمة الجزائري عبد الرحمن حشود: «بالأمس كنا نبكي ضحايا سقوط الطائرة، واليوم بعض الأشخاص جاءوا ليقتلوا أنصارنا في المدرجات، وهذا ما حزّ في نفسيتنا كثيرًا. لسنا هنا لنحرّض على العنف ولكن لندقّ ناقوس الخطر، أوّل من يتحمل المسؤولية هو من اختار الملعب، وصلتنا معلومات أن هناك بعض المشجعين في الإنعاش، نتمنى فقط أن يعودوا سالمين ولا نسجل وفيات. فاجعة مقتل إيبوسي (لاعب أجنبيّ لعب في صفوف نادي شبيبة القبائل وتوفي من جراء عنف الجماهير) من قبل في الملعب لم تكن بعيدة اليوم، المهاجم الكاميروني قتل بالحجارة٬ واليوم الحجارة نفسها كانت قادرة على قتل أي لاعب آخر في الميدان أو مناصر في المدرجات».

أعمال  العنف في ملعب قسنطينة– مصدر الصورة (المساء الجزائرية)

وعن سبب عدم توقيف المباراة، عبّر  مدرب مولودية الجزائر برنارد كازوني عن دهشته من عدم توقيف اللقاء في مثل تلك الأجواء المشحونة، قائلًا: «لعبنا في ملعب من دون أمن، لاعبو فريقي انشغلوا برؤية الحجارة والشغب ولم يستطيعوا التركيز على كرة القدم، لقد جلبونا إلى ملعب غير آمن وهم يتحملون مسؤولية ما حصل، لقد طلبت من الحكم والمحافظ توقيف المباراة ولكنهما رفضا».

الموت يتجاوز المدرجات.. إلى العشب الأخضر

فتحت أعمال العنف التي شهدتها مقابلة نادي مولودية الجزائر٬ ونادي شبيبة القبائل في إطار منافسة كأس الجمهوريّة الجمعة الماضية، ملف العنف في الملاعب الجزائرية، إذ تجتاح كل سنة موجة من العنف الجماهيري ملعب الكرة مخلفةً قتلى وجرحى، إضافةً إلى تحطيم منشآت وتجهيزات في الملاعب، وسط عجز من السلطات الرياضية عن وقفه رغم العقوبات المفروضة على الأندية.

كيف تتعامل الشرطة مع شغب الملاعب حول العالم؟

وشهدت معظم ملاعب الجزائر أحداث عنف تراوحت الخسائر فيها بين المادية والبشرية، ولعلّ أبرز أعمال العنف التي شهدتها الملاعب الجزائرية هي حادثة مقتل اللاعب الدولي الكاميروني «ألبير إيبوسي» المحترف في صفوف نادي شبيبة القبائل الجزائري على يد مناصرين، وسط الملعب بعد قذفه بحديدة أصابت رأسه، إضافةً إلى الاعتداء بالسلاح الأبيض الذي تعرض له اللاعب الدولي السابق عبد القادر العيفاوي، وقبله مدرّب فريق جمعية وهران سالم العوفي الذي تلقى طعنة خنجر، فضلًا عن حوادث أخرى راح ضحيتها المناصرون داخل الملاعب وخارجها، كان آخرها مقتل مناصر سطيف نهاية العام الماضي.

يروي جمال (35 سنة) أحد روّاد ملاعب الجزائرية قصة الاعتداء عليه بالسكين في مدرجات «ملعب 20 أوت» بالعاصمة الجزائر، إذ يقول: «حدث شجار بيني وبين أحد مناصري فريقي بعد نصيحتي له بعدم القيام بالسب والشتم، إلا أن نصيحتي لم تعجبه، وتطوّر النقاش إلى تشابك بالأيدي، وفجأة أخرج خنجرًا كان مختفيًا في جواربه وغرسه في بطني، ثم فر هاربًا، ولم يقم أي شخص بإيقافه، ثم تم نقلي على الفور إلى مستشفى مصطفى باشا، وكانت الإصابة سطحية والحمد لله».

مثل جمال في الملاعب الجزائرية المئات، وفي إحصائية للشرطة الجزائرية شملت الخمس سنوات الماضية فقط أحصى الأمن الجزائري مقتل سبعة مناصرين، وجرح 2717 من بينهم 1589 شرطيًا، إلى جانب خسائر مادية معتبرة تتمثل في تحطيم 557 سيارة، منها 270 تابعة للشرطة٬ مع تخريب العديد من المرافق العمومية.

وفي تعليقه على ارتفاع مستوى العنف داخل الملاعب الجزائرية، قال العضو السابق للمكتب الفدرالي باتحاد كرة القدم الجزائري محمد بوكروم: إن العنف في الملاعب الجزائرية يعدّ «مشكلة ثقافية بالدرجة الأولى»، وأوضح بوكاروم أن «الملاعب الجزائرية كانت سابقًا للترويح عن النفس والتسلية والمشاهدة، لكن مع هذا الجيل تغيرت الأمور كثيرًا، شباب اليوم يتوجهون للملعب لتفريغ كل شيء عندهم هناك، مع ما يصاحب ذلك من كوارث».

وأضاف بوكاروم أن: «العقوبات الحالية الممثلة في اللعب من دون جمهور٬ والغرامات المالية لن تأتي بأي نتيجة٬ وسيستمر الوضع على حاله»٬ وأعرب عن اعتقاده أن الحل يكمن في «أخذ زمام المبادرة٬ واتخاذ قرارات صارمة٬ والضرب بيد من حديد ضد المشاغبين».

وعن أسباب العنف داخل الملاعب، يرى الأستاذ المختصّ في الرياضة بجامعة المسيلة فاضلي بجاوي أنّ المشكلة مرتبطة أساسًا بالتنشئة الاجتماعية للفرد والمناصر الجزائري، ويضيف بجاوي أن هذه التنشئة تتحمل مسؤوليتها مختلف مؤسسات المجتمع، بداية بالأسرة فالمدرسة فالمسجد، وصولًا إلى المجتمع كله، بينما يرى مدير يومية الخبر الرياضية عدلان حميدشي أن «وسائل الإعلام تتحمل أيضًا جزءًا من المسؤولية، ويعود السبب في ذلك برأيه إلى نقص الاحترافية لدى بعض المؤسسات٬ وعدم قدرتها على تمحيص المادة الإعلامية وغربلتها للترويج لمسببات العنف».

دعوات لوقف أنشطة كرة القدم في الجزائر بعد عودة موجة العنف

تصاعدت دعوات الجزائريين لمقاطعة كرة القدم في البلاد، وشهدت مواقع التواصل الاجتماعي إطلاق حملة واسعة لمطالبة مسؤولي اللعبة في الجزائر بإيقاف كل النشاطات المتعلقة بكرة القدم، على خلفية سقوط ضحايا نتيجةً لأعمال العنف والشغب، في الوقت الذي يداوي الجزائريون جراحهم من الفاجعة التي ألمّت بالبلاد عقب سقوط طائرة حربية في المطار العسكري لمدينة بوفاريك غربي العاصمة الجزائرية، صباح الأربعاء الماضي، ما خلف وفاة 257 شخصًا، وأدخلت هذه الحادثة البلاد في حداد وطني مدة ثلاثة أيام، موازاةً مع ذلك أطلق المشجعون حملة لإيقاف الدوري الجزائري لكرة القدم بالنظر لمظاهر العنف والشغب التي أضحت سمة كل المسابقات الكروية في الجزائر، محملين مسؤولية أحداث العنف لاتحاد الكرة الجزائري ورئيسه٬ خير الدين زطشي، بسبب عدم تأجيل المباريات رغم أن البلاد في فترة حداد وطني.

وفور انتهاء أعمال الشغب التي شهدها ملعب قسنطينة الجمعة الماضية، قررت وزارة الداخلية الجزائرية تنصيب لجنة تحقيق للنظر في أسباب عودة ظاهرة العنف في الملاعب٬ وتحديد المسؤوليات٬ واتخاذ الإجراءات والقرارات للحد منها.

وجاء في بيان الوزارة: «على إثر الأحداث المؤلمة التي عرفتها ميادين كرة القدم في الآونة الأخيرة٬ وخاصة منها المباراتين اللتين أجريتا بملعبي الشهيد حملاوي بقسنطينة والشهيد أحمد زبانة بوهران، تقرر تنصيب لجنة تحقيق للنظر في أسباب هذه الانزلاقات الخطيرة، وتحديد المسؤوليات٬ واتخاذ الإجراءات والقرارات الصارمة للحد من هذه الظاهرة الغريبة عن مجتمعنا».

من جهته دعّم رئيس الرابطة الوطنية المحترفة لكرة القدم٬ محفوظ قرباج٬ مطالب لعب المباريات المتبقية من الدوري الجزائري دون جمهور٬ وكان قرباج قد أقرّ بأن الملاعب الجزائرية «غير خاضعة للمعايير» المطلوبة٬ وباتت تشكل خطرًا على الأشخاص المتوافدين عليها.