شهد الحرم الجامعي بالمغرب في الأيام الأخيرة واقعة فريدة من نوعها، أثارت الكثير من الاستياء لدى الرأي العام، وهي إقدام إحدى الفصائل الطلابية اليسارية الراديكالية، على محاكمة عاملة بمقصف الجامعة عرفيًّا، وحكموا عليها علنيًّا بحلق شعرها وحاجبيها!

الحادثة أعادت إلى الأذهان ظاهرة تعرفها الجامعة المغربية منذ عقود، تتمثل في العنف الجامعي الذي تطفو أخباره بين الفينة والأخرى إلى السطح.

محاكمة صورية وحلق شعر

يروي شهود عيان الواقعة، التي حدثت في جامعة مولاي إسماعيل بمدينة مكناس في المغرب، أن مجموعة طلابية تنتمي لفصيل «البرنامج المرحلي»، قاموا بجر سيدة تعمل بمقصف كلية العلوم، بشكل عنيف نحو ساحة الجامعة، وأعلنوا محاكمة صورية للعاملة وسط حشد من الطلبة. وبعد مداولات حادة حول طريقة عقابها، انتهى الفصيل  المعني إلى حلق شعرها وحاجبيها، بالإضافة إلى الاعتداء عليها بالصفع.

بحسب بيان «البرنامج المرحلي»، فإن طلاب الفصيل اتهموا عاملة المقصف بالتجسس لصالح فصائل طلابية أخرى معادية، والاعتداء على أحد «المناضلين»، ما جعلهم يخضعونها لمحاكمة صورية.

وقد ظهر هذا الفصيل اليساري الراديكالي بالساحة الجامعية المغربية في فترة الثمانينات، يعتنق الأيديولوجية الماركسية اللينينية، ويعلن العداء لجميع الفصائل الطلابية الأخرى من الإسلاميين والأمازيغ وحتى اليسار. يعرف عنه تعصبه الشديد، ما يؤدي به في بعض الأحيان إلى مواجهات حادة مع طلاب الفصائل الأخرى. ويدعو البعض إلى تصنيفه ضمن المجموعات الإرهابية، بسبب تبنيه خيار العنف، بخاصة بعد تسببه في مقتل أحد الطلبة من التيار الإسلامي سنة 2014.

وعلى إثر الحادثة، أوقفت الشرطة القضائية ستة طلاب، ينتمون لفصيل «البرنامج المرحلي»، للاشتباه في علاقتهم المباشرة بواقعة الاعتداء الجسدي، المقرون بالسرقة الذي تعرضت له فتاة قاصر بحلق شعرها وشقيقتها.

في هذا الصدد، سأل «ساسة بوست»، عضوًا بارزًا بفصيل طلابي ينشط في الجامعات المغربية، فضل عدم ذكره اسمه، حول ما إذا كانت هذه الواقعة دخيلة على الساحة الجامعية المغربية، ليجيب: «كانت هناك محاكمات جماهيرية قبلًا، لكن لم يكن يعطى لها مثل هذا الزخم الإعلامي»، مضيفًا أن طلبة المغرب، «بلوروا تاريخيًّا، مجموعة من الأعراف الجامعية التي تنظم العلاقات فيما بينهم في الحرم الجامعي، من قبيل منع دخول قوات القمع إلى الحرم الجامعي ومواجهتها إن تجرأت على ذلك، وإعلان حالة الاستنفار بواسطة الصفير، وسقوط الحق في استرجاع الكرسي في المقصف أو المكتبة بمجرد تركه لأكثر من 20 دقيقة»، من بين تلك الأعراف، «المحاكمة الجماهيرية»، كطريقة لحل النزاعات التي قد تحدث بالوسط الجامعي، حيث تتجمع «الجماهير الطلابية» حول المتهم، وتقرر تبرئته أو معاقبته.

لمحة تاريخية عن العنف الجامعي في المغرب

تعود جذور العنف الجامعي في المغرب إلى فترة الستينات، حيث انعكس الصراع السياسي بين الأحزاب والقوى السياسية على الساحة الجامعية آنذاك، ومنه نشأ صراع بين التيار اليساري الإصلاحي الممثل في تنظيم «إلى الأمام»، والتيار اليساري الراديكالي الممثل حينها في «23 مارس».

ومع بداية الثمانينات، شهدت الجامعة المغربية ظهور الفصائل الطلابية الإسلامية، لتدخل في صراع دام مع التيارات اليسارية، عرف أوجه خلال حقبة التسعينات، من أجل السيطرة على الجامعات.

لكن مع بداية الألفية الجديدة تحول النزاع الطلابي من صراع أيديولوجي إلى صراع هوياتي ثقافي، وذلك بعد ظهور فصائل طلابية أخرى ذات مرجعية عرقية وجغرافية. وبالموازاة مع كل ذلك، استمر العنف في الجامعة المغربية دومًا بين الطلاب من جهة، والسلطة من جهة أخرى.

أما مستقبل العنف داخل الجامعة فهو مرتبط، كما ذكر لنا مصدرنا السابق «بتحولات المشهد السياسي ومنطق التوازنات الذي ترغب فيه الدولة»، وهو ما يحدد علاقة المكونات الطلابية السياسية فيما بينهم.

والملاحظ أن حدة العنف في الجامعة المغربية قد خفت خلال السنوات الأخيرة، إلا أنها ما تزال ظاهرة تؤرق الوسط الجامعي المغربي، وترتد تبعاتها السلبية على دراسة الطلاب وتحصيلهم العلمي.

ما أسباب العنف بالجامعة المغربية؟

ينظر للجامعة عادة كفضاء للتكوين والمعرفة، يستفيد منه الطالب لبناء شخصيته العلمية، فكيف إذن تتحول إلى ساحة تناحر بين الفئات الطلابية في المغرب.

كانت بداية الجامعة الحديثة في المغرب مجالًا للنضال السياسي أكثر من التكوين، مما حولها إلى وكر لأيديولوجيات متطاحنة فيما بينها، وأصبح العنف وسيلة للإقناع وفرض الرأي الواحد وإقصاء الآخر، عزز هذا العنف الصراع السياسي الذي كان يدور بين الأحزاب، الذي تم تصديره نحو الجامعة، لتصبح حلبةً للعنف والعنف المضاد بين فصائل متعصبة راديكالية.

بجانب العامل السياسي الأيديولوجي، يساهم أيضًا الوضع الهش للطلاب في بروز العنف إلى الساحة، إذ لا يتم مشاركة الطلبة في تدبير الجامعة، كما أن معظمهم ينتمي إلى فئات مجتمعية فقيرة، مما يشعر الطلاب بالإقصاء، فيتجهون نحو طرق غير سلمية للتعبير عن سخطهم عن الأوضاع داخل جامعتهم وخارجها، ومن ثم تنشأ بيئة خصبة لبروز فصائل طلابية عنيفة.

ويرى البعض كذلك أن الدولة مسؤولة عن تأجيج الصراعات داخل الجامعة المغربية، باعتبارها تسعى إلى خلق توازنات داخل الحرم الجامعي، عبر إثارة الاختلافات القائمة بينها، لجعلها تتطاحن فتظل دومًا تحوم حول نفسها في حلقة عدمية، ولا تفكر في القضايا الكبرى التي تهمّ البلاد.

صارت الجامعة المغربية أيضًا مسرحًا للطائفية العرقية والمناطقية بين الطلاب، حيث ظهرت فصائل تتخذ لها الانتماء العرقي والجغرافي ركيزة لنضالها الطلابي، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى صدامات عنيفة بين الإثنيات المختلفة، كما يحدث بين الفينة والأخرى مع فصيل «الأمازيغ» و«الصحراويين».

لكن بشكل عام، حسب الباحث السياسي محمد ظريف، فإن الجامعة المغربية عرفت في السنوات الأخيرة تطورًا في أهمية الوعي والإيمان والاعتراف بالاختلاف، باستثناء «بعض الجامعات أو ما يسمى «البؤر السوداء» في الخريطة الجامعية المغربية التي يطفو عليها العنف، وعندما يصبح العنف جزءًا من «عقيدة» تيار سياسي، فإنه يشكل خطورةً ليس فقط داخل الجامعة بل على المجتمع ككل».

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد