مقابلات العمل غالبًا ما تكون صعبة وموترة، سواء للرجل أو المرأة، كما هو الحال في المقابلة الأولى لوالدي شريك الحياة المستقبلي، فالإنسان يشعر في تلك اللحظة أنه تحت الاختبار، وتحت منظار رئيس العمل أو أهل الزوج، وعليه أن يجتاز هذا الاختبار، ولكن ما تمر به المرأة لاجتياز هذا الاختبار في بعض بلدان العالم قد يكون موترًا وجارحًا أكثر من الرجل.

سواء من أجل مقابلة العمل، أو من أجل أن تتزوج، فعليها في بعض الحالات أن تثبت ما يسميه الرأي السائد في المجتمع «شرفها»، وفي الكثير من أنحاء العالم، وليس في العالم العربي فقط كما يتصور البعض، غشاء البكارة هو دليل اجتماعي على شرف المرأة، يأتي هذا على الرغم من أن العديد من الأطباء حاولوا كسر الأساطير التي في ذهن العالم بأن غشاء البكارة هو غشاء مغلق بنسبة 100%، موضحين أن هذا الغشاء يجب أن يكون به ثقب يسمح بمرور الدورة الشهرية، ومن ثم فهو حتى علميًا لا يمكن أن يكون دليلًا مؤكدًا على شيء. تعودنا أن تكون كشوف العذرية في الدول الفقيرة والمستبدة والذكورية فقط، ولكن الجديد أن تلك الظاهرة بدأت تنتشر في الغرب، وهذا ما سنحاول كشفه في هذا التقرير.

أمريكا.. هذا المطرب يكشف على عذريته ابنته سنويًا

كشوف العذرية هي قضية عالمية تُمارس على الأقل في 20 دولة في العالم، بما في ذلك مصر، وإندونيسيا، وجنوب أفريقيا، ولكن – وفقًا للأمم المتحدة – فتلك الظاهرة بدأت تغزو الغرب، وأصبحت تمارس في فرنسا وأمريكا، وبعض الدول الأوروبية الأخرى، ولذلك لم تعد كشوف العذرية أمرًا يحدث في الدول الفقيرة، أو المستبدة والذكورية فقط، بل إنها بدأت تظهر في بعض الدول التي تعتبر متحضرة، أو تدير العالم نحو العلم والتقدم.

في نهاية العام 2019 أُثير حول تصريحات مغني الراب والممثل الأمريكي تي إيه الكثير من الجدل كما وصفته بعض وسائل الاعلام؛ لأنه أكد خلالها اصطحاب ابنته البالغة من العمر 18 عامًا سنويًا إلى طبيب النساء لفحص غشاء بكارتها، والحصول على كشف عذرية منه، وهي الممارسة التي صرحت منظمة الصحة العالمية بأنها «مهينة وصادمة».

ويعتبر تي إيه من المطربين الناجحين في الولايات المتحدة، وقد صدر له سبعة ألبومات، وصل ثلاثة منها للمرتبة الأولى في أمريكا، ولعب أدورًا مهمة في أفلام هوليود مثل American Gangster وAnt-Man، وفي لقائه بأحد وسائل الإعلام التي سأله المحاور فيها عن طبيعة التربية الجنسية لأبنائه، أكد أنه يخبرهم عما يحتاجون معرفته عن الجنس.

وأكد بفخر أن ابنته لم تزل عذراء، وقد تأكد بنفسه من خلال اصطحابها إلى الطبيب، وإجراء كشف عذرية عليها، وأكد أن الأطباء عادة ما يحاولون لفت نظره إلى أن غشاء البكارة يمكن أن يفض عن طريق ركوب الدراجة، أو الخيل، أو ممارسة أية رياضة أخرى، فكان رده على الطبيب هو «ابنتي لا تركب خيولًا، ولا درجات، ولا تمارس أية رياضة، تحقق من غشاء بكارتها وأعطني شهادة عذريتها»، وهذا على الرغم من تصريحات منظمة الصحة العالمية بأن ممارسة فحص غشاء البكارة بالعين أو بالأصابع لا يمكن أن يثبت ما إذا كانت المرأة أو الفتاة قد مارست الجماع المهبلي أم لا.

وعلى الرغم من الهجوم الذي تعرض له المطرب الأمريكي بسبب تصريحاته، إلا أن في أمريكا لم يزل إجراء كشوف العذرية قانونيًا، ويمارسه العديد من الأطباء، ولكن يصعب على المنظمات الحقوقية أن ترصد نسبة إجراء تلك الكشوف نظرًا لأن الوالدين في أغلب الأحيان يجبران ابنتهما عليه سرًا، وفي استطلاع رأي أجراه مجموعة من الأطباء من كلية بايلور للطب في هيوستن وجامعة كورنيل بمدينة نيويورك، ومستشفى نيويورك بريسبيتيريان، في العام 2017 بالولايات المتحدة، أظهر أن من 288 طبيبًا شارك في الاستطلاع، 45 أكدوا أن الكثير من من الآباء يطلبون منهم إجراء كشوف العذرية على بناتهم، و13 طبيبًا منهم استجاب لذلك.

ميتشيل نورثكوت التي تعيش في نيويورك، وتبلغ من العمر 37 عامًا، شاركت تجربتها مع «الجارديان» مؤكدة أنها مرت بكشف العذرية بناءً على رغبة والديها وهي في سن المراهقة، وقتها عندما أجرى الطبيب الفحص بأصابعه؛ لم تفهم ما يحدث لها، وعندما التحقت بالجامعة وتحدثت مع صديقتها ظنًا منها أن هذا كشف صحي طبيعي عند الطبيب أخبروها أنه ليس كذلك.

منظمة «زا فولر بروجكت» وهي منظمة صحافية غير ربحية للأخبار العالمية، والمتخصصة في كشف القضايا التي تخص العنف ضد المرأة في العالم، وحصدت العديد من الجوائز في مجالها، في نهاية 2019 نشرت تقريرًا بعنوان «لماذا يجري الأمريكيون كشوف العذرية؟» أكدت فيه أن الأساطير والهوس حول غشاء البكار منتشر في جميع أنحاء العالم، فلم يعد الهوس بالعذرية في أماكن مثل أفغانستان، وإندونيسيا، وأفريقيا، بل هو هو موجود في أنحاء الولايات المتحدة أيضًا، وقد أبلغ أكثر من طبيب في غرفة الطوارئ أن الوالدين اللذين تتعرض ابنتهما لاعتداء جنسي، يطلبون من الممرضات والأطباء إجراء كشف عذرية لها، وفي هذا الشأن صرح المتحدث الرسمي باسم وزارة الصحة بنيويورك للمنظمة أن ما يسمى باختبار العذرية ليس أكثر من اعتداء على النساء، وهو ليس له أي أساس من الصحة.

«يعتقد البعض أن كشوف العذرية تحدث في الشرق الأوسط فقط قبل الزواج؛ ولكن أنا – امرأة أمريكية – تعرضت لذلك في سن صغيرة».

كان هذا تصريح واحدة من المشاركات في التقرير الذي نشرته المنظمة، والتي حكت تجربتها كاملة مع كشوف العذرية التي أجبرها عليها والداها. وصرحت رانيت ميشوري أستاذة الطب في جامعة جورج تاون بأن كشوف العذرية تحدث في أمريكا بكل تأكيد، ولكن في سر وصمت من العائلات والأطباء، والفتاة التي تمر بذلك لا تجد الجرأة للحديث عن تلك التجربة، ولذلك يصعب الحصول على أرقام دقيقة لعدد حالات كشوف العذرية في أمريكا.

واهتمام قطاع من الأمريكيين بإجراء كشوف العذرية قد تمثل صدمة أقل بالنسبة لك حين تعلم أنه في عام 2015 نشرت وزارة العدل الأمريكية دراسة تؤكد أن ما يقرب من 30 امرأة قد قتلت بأمريكا ذاك العام في جرائم شرف بأيدي أسرهم، وتلك هي الحالات التي استطاعت الوزارة رصدها؛ إذ أكد التقرير أن تلك النوعية من الجرائم عادة ما يحدث تكتم داخل الأسرة في الإبلاغ عنها، أو قول الحقيقة بشأنها تجنبًا للفضيحة.

ليست أمريكا وحدها.. أوروبا أيضًا

انتشار كشوف العذرية لا يتوقف في الغرب عند أمريكا فقط؛ فالعديد من الدول الأوروبية تعاني بعض نسائها من هذا الأمر، وفي دراسة استقصائية سويدية اتضح أن 50% من العاملين في مجال الرعاية الصحية قد طلب منهم إجراء كشوف عذرية لإناث، وعادة ما يكون الأهل وراء هذا الطلب.

وفي عام 2015 نشرت القناة التليفزيونية السويدية «تي في فور» فيلمًا وثائقيًا يناقش ظاهرة انتشار كشوف العذرية في العيادات السويدية، ليس بغرض الزواج فقط، بل أحيانًا لدواعي القبول في بعض الوظائف. في هذا الفيلم السويدي قام بعض الممثلين بزيارة عيادات طبية في السويد، وأداء دور عمة وفتاة مراهقة؛ إذ تسعى العمة إلى إجراء كشف العذرية للفتاة، بينما تصرح الفتاة بعدم رغبتها في ذلك، وعلى الرغم من رفض الفتاة الواضح، إلا أن العديد من العيادات وافقت على إجراء الكشف، كما أن بعضهم وافق على خياطة جزء من الغشاء بحجة أن الفتاة مقبلة على الزواج، وأن العمة تريدها أن تنزف في ليلة الزفاف لإثبات شرف العائلة.

وفي دراسة نشرت عام 2018 تحت عنوان «هل ابنتي ما زالت عذراء؟ أرجوك افحصها يا طبيب»، أكدت العيادات المخصصة لرعاية الناجيات من الاعتداءات الجنسية في العديد من الدول الأوروبية، أن طلبات كشوف العذرية عادة ما تأتي من جانب أسرة الفتاة التي تعرضت للاعتداء حتى يطمئن الأهل على «شرفها»، وبالرغم من رفض الأطباء الدائم لا يكف الآباء عن هذا الطلب، وعلى الرغم من رفض الأطباء لهذا الأمر، إلا أن الأمر لا يثير الدهشة في نفوسهم نظرًا للمعرفة الضمنية عن أهمية العذرية لدى العديد من الأسر المسيحية أو اليهودية في هذه الدول، وقد ذكرت تلك الدراسة أيضًا بعض الإحصاءات عن جرائم الشرف كدليل على أهمية عذرية الفتاة لدى قطاع من الآباء الأوروبيين.

وجدير بالذكر أنه في عام 1979 أجرى المسؤولون في مطار هيثرو بلندن اختبار عذرية لامرأة هندية تبلغ من العمر 35 عامًا، كانت قادمة إلى إنجلترا للزواج من خطيبها البريطاني ذي الأصول الهندية، وظن المسؤولون في المطار أنها تكذب بشأن سبب سفرها، وأن كشف العذرية يثبت أنها عذراء قادمة للزواج، وكان هذا ضمن سلسلة من كشوف العذرية التي أجرتها وزارة الخارجية البريطانية خلال السبعينات للمهاجرين.

المصادر

تحميل المزيد