الشعبوية هي ترجمة populism. لا يُستعمل هذا المفهوم كثيرًا في العالم العربي، أو على الأقل ليس تحت هذا المسمى. ولكنه كثيرًا ما يستخدم في مناطق أخرى من العالم، كأوروبا أو أمريكا اللاتينية، كاتهام متداول يلصقه بعض السياسيين أو المحللين ببعض التوجهات السياسية التي ينددون بها. وبالرغم من رواج المصطلح في هذه المناطق، إلا أن المفهوم لم يحظَ باهتمام أكاديمي كافٍ يعكف على تعريفه بوضوح وتحديد معالمه.

ينطلق مقال “فضائل وأخطار الشعبوية” («Virtudes y peligros del populismo»)، المنشور في جريدة El país الإسبانية بتاريخ 11 نوفمبر 2014، للكاتب والمؤرخ الإسباني خوسيه ألبارث خونكو (José Álvarez Junco) من هذه الملحوظة، ويحاول بذكاء بالغ استبيان الخصائص التي تجمع الحركات السياسية التي تُعرف بالشعبوية، ليخطو نحو تعريف المفهوم أكاديميًّا، ثم يتناول “فضائل وأخطار” مثل هذه الحركات على الحياة السياسية.

مع أن الكاتب يفكر في مدى انطباق تلك الظاهرة السياسية على إسبانيا، وسط صعود حزب Podemos (أي “نقدر” بالإسبانية) على الساحة، ومدى انطباقها على دول أمريكا اللاتينية، كما يظهر للقارئ من خلال الأمثلة المستعملة، إلا أني فوجئت بمدى انطباق التحليلات التي يحتوي عليها هذا المقال على الحالة السياسية والاجتماعية الحالية في مصر. الحقيقة أني أرى أنها تنطبق على مصر بشكل مقلق.

يحدد الكاتب ست خصائص مشتركة للحركات الشعبوية أود مشاركتها معكم، كما يناقش أبعادًا أخرى لهذه الحركات أرى أنها مثيرة للاهتمام أيضًا. أتعهد أني لن أضيف على أفكاره أفكارًا، ولن أغير فيها شيئًا لتتماشى مع آرائي السياسية. فالمقال لا يحتاج إلى ذلك. سأكتفي بترجمة وتنظيم المقال الأصلي، مع بعض التصرف.

  1. ديكوتومية «الشعب وأعداء الشعب»

      ديكوتومية (dichotomy) تعني انقسام شيء ما إلى قسمين متنافيين لا ثالث لهما. يكتب خونكو أن الحركات والشخصيات السياسية الشعبوية تعتمد في خطابها على ما يسميه ديكوتومية “الشعب وأعداء الشعب”.

      الشعب يمثل قمة كل الفضائل النبيلة، فالشعب محايد نزيه، شريف، بريء، وحسه السياسي معصوم من الخطأ. إن تركناه يتولى زمام الأمور، أو على الأقل سمعنا له، لتحسنت كل الأوضاع. في المقابل، هنالك أعداء الشعب (أو الـantiـ شعب إن ترجمت حرفيًّا)، وهم سبب كل الشرور وأس كل المصائب. على حسب التيار، “أعداء الشعب” هؤلاء قد يكونون داخليين أو خارجيين. قد يكونون الأثرياء، أو الطبقة الحاكمة، أو الأجانب، أو رجال الدين، أو اليساريين، أو اليهود. ولا ثالث لهذين الفصيلين. إما أن تكون من الشعب، فأنت إذن من الوطنيين الذين يحبون البلد، وإما أنت من أعدائه الخسيسين.

      ينبه خونكو أنه لا يجب فهم “الشعب” كمصطلح يشير إلى الفقراء أو الأغلبية أو الطبقات العاملة، فهو ليس نابع من دراسة سوسيولوجية. فـ”الشعب” هنا محض مفهوم من نسج خيال وأيديولوجية ومصالح الحركة الشعبوية. ما يهم هو أنه هذا “الشعب”، أو “إرادة الشعب” هي المصدر الأسمى للشرعية. الاستقواء بـ”الإرادة الشعبية”، من خلال الإشارة لها والتحدث باسمها، يغدو كاستدعاء لأمور إلهية، حسب الكاتب، ويسمح بتجاوز الإلزام باحترام القانون.

والله لا أزيد شيئًا على مقال المؤرخ الإسباني.

  1. غياب البرامج المحددة

      ثاني خاصية يلاحظها الكاتب هي غياب البرامج المحددة أو السياسات الواضحة المتماسكة عند الحركات الشعبوية. يذكر هنا مقولة خوسيه أنتونيو بريمو دي ريبيرا (José Antonio Primo de Rivera) ابن الديكتاتور الإسباني الراحل ميجيل بريمو دي ريبيرا (Miguel Primo de Rivera) الذي حكم إسبانيا من 1923 إلى 1930، قال الابن عن أفكاره أنها “طموحة لدرجة أنه من غير الممكن سجنها في برنامج”.

      كما من المعتاد أن يعلن الشعبويون أنهم لا ينتمون لا لليمين ولا لليسار السياسي. ما نعرفه عنهم هو أن “أحلامًا وطموحات عظيمة” تحركهم، مثل “إنقاذ البلاد” أو تحقيق “الديمقراطية الحقيقية”، ولكن من النادر أن نعرف منهم كيف ينوون الوصول إلى تلك “الأهداف النبيلة” على أرض الواقع. لا نعرف خططهم في مجال المؤسسات أو الاقتصاد أو السياسات الخارجية. أليخاندرو ليرو (Alejandro Lerroux)، رئيس وزراء إسبانيا الأسبق، كان يقول: “أريد تغيير كل شيء”. رجل الأعمال الفاسد والسياسي الأسبق، الإسباني رويث ماتيوس (ٌRuiz Mateos) قال ذات مرة: “أنا ضد كل ما هو شر”.

      هذه الضبابية التي يحافظون عليها تسمح لهم، حسب الظروف، بالتصرف كثوريين أو كبراجماتيين، مؤكدين لمتبعيهم أنهم دائمًا وأبدًا أوفياء لمبادئهم السياسية والأخلاقية الثابتة السامية.

  1. الخطاب العاطفي بدلًا من العقلاني

      الشعبويون دائمًا ما يخاطبون العواطف، التي لها نصيب الأسد من خطابهم بدلًا من الأفكار العقلانية. يتحدثون عن “الشباب”، عن “الأخلاق الحميدة”، يستفيضون عن “الشجاعة”، عن “الشرف”، عن “حب البلد”. من شعاراتهم المفضلة هي أنهم “رجال أفعال لا أقوال”، وأنه لا بد من التخلص من “عدم الفعالية والثرثرة العقيمة اللتين تهيمنان على السياسة”.

      هدف هذا الخطاب واضح: ليس المهم دفع من يسمعهم إلى التفكير، ولكن المهم حشدهم ودفعهم للانخراط في السياسة كمؤيدين متحمسين لهم، خصوصًا إن كانوا أصلًا ينتمون إلى مجموعات مهمشة أو غير مبالية بالسياسة.

  1. ادعاء الإيمان «بالديمقراطية الحقيقية»، أو «حكم الشعب»

      يلفظ الشعبويون بشدة أي اتهام يوجه لهم بأنهم غير ديمقراطيين. بالعكس، فهم من يسعون إلى “حكم الشعب”، أي أن يمكنوا الشعب من الحكم. ولكن، كما ينبه الكاتب، فالديمقراطية مفهوم يحتمل على الأقل تعريفين (يحتملان الدمج): فإما الديمقراطية هي مجموعة مؤسسات، “قواعد اللعبة”، التي تضمن مشاركة مختلف القوى والتيارات السياسية على أسس من العدل والمساواة، وإما الديمقراطية هي “حكم من أجل الشعب” أي نظام سياسي يهدف إلى إرساء العدالة الاجتماعية ومساعدة الأكثر ضعفًا في المجتمع.

      حسب هذا التعريف الثاني منفردًا بذاته، يمكن للكثير من الأنظمة الديكتاتورية أن تدعي أنها “ديمقراطية”. يعطي خونكو مثال كوبا التي حكمها فيديل كاسترو من 1956، ثم أخوه راوول منذ 2008، فالدولة لا تنظم انتخابات حرة تعددية، ولكنها حققت إنجازات حقيقية في مجال التعليم والصحة للطبقات الفقيرة.

      ودائمًا ما تنسب هذه الإنجازات، أو مجرد إمكانية  تحقيق مثل هذه الإنجازات، إلى قائد عظيم، نصير الضعفاء، والقادر على العلو بشأن البلاد.

  1. الزعيم المخلص

           تلك هي الخصلة الخامسة من ضمن ما يميز ويجمع التيارات الشعبوية، في رأي الكاتب: وجود قائد “مخلص”، تنسب إليه القدرة على «إنقاذ البلاد» وتحقيق الرخاء.  قائد الحركة بطل، استثناء، رجل اللحظة، زعيم، فوق البشر، يجمع ما بين الشرف والكرامة والقوة والحياد، وفوق كل شيء، فهو يتمتع بعلاقة وطيدة مع “الشعب”، رابط مميز، مباشر، بغنى عن الاستفتاءات والصناديق.

ويلفت نظرنا خونكو إلى أن العلم، أو المعرفة التقنية، ليست من مميزات الزعيم. على العكس، فقد يذهب بعض الشعبويين إلى تبني خطاب يستعدي “النخبة” العلمية أو الثقافية أو الاجتماعية أو السياسية (ويُعرِّفون هذه “النخبة” على هواهم).

يعتقد الكاتب أن هذه الخاصية الخامسة أبعد ما تكون عن الحداثة، ويعدها من بقايا “المسيانية الدينية” (religious messianism) “والأبوية الملكية” (monarchic paternalism)  التي ميزت العديد من الأنظمة البائدة.

  1. المناخ المؤسسي المهترئ

              آخر خاصية مشتركة، من وجهة نظر الكاتب، لا تتعلق بالحركة الشعبوية في حد ذاتها، إنما بالبيئة التي تنشأ فيها تلك الحركة وتزدهر. فدائمًا ما يزدهر الشعبويون في مناخ المؤسسات فيه مهترئة ومتهالكة، والأحزاب السياسية ضعيفة، إثر افتقاد الشرعية أو الفساد أو ببساطة عدم الخبرة، وآليات المشاركة السياسية متآكلة، لنفس الأسباب تقريبًا.

ملاحظات أخرى

      يستخلص الكاتب من هذه الخصائص بعض التحليلات الجديرة بالذكر. أولًا، فللشعبوية فضائل، أي فوائد حقيقية للحياة السياسية. فالحركات الشعبوية غالبًا ما تشير إلى تدهور الأنظمة السياسية التي تنشأ في مواجهتها، أو إلى خلل ما يشوبها، مما يدفع إلى تحديث وتحسين المؤسسات الديمقراطية. كما أنهم ينجحون في حشد قطاعات من الشعب كانت من قبل لا تكترث بالسياسة من أساسه، أو كانت مهمشة لا يصل صوتها إلى أحد، ويتيحون لهم فرصة المشاركة في السياسة وفي اتخاذ القرار عامةً. من هذا المنظور، فالحركات الشعبوية تنشط الحياة السياسية وتنعشها، وقد يميل المرء إلى اعتقاد أنه من الصعب أن تضاهي الأنظمة التي تنتقدها سوءًا.

      ولكن يحذرنا خونكو من الانخداع. فرغم أن الشعبويين دومًا ما يؤكدون مناهضتهم للسياسيين الموجودين في السلطة، ويطالبون بإعادة السلطة إلى “الشعب”، فهم أيضًا سياسيون، وهم أيضًا يسعون من أجل الوصول إلى السلطة.  وعندما يصلون إليها، تزعجهم القيود: فهم لا يحبون الفصل بين السلطات، ولا الرقابة المتبادلة لتلك السلطات على بعضها، كما في الديمقراطيات الليبرالية الحديثة، ولا يحبون وجود معارضة قوية ناقدة، ولا انتهاء فترة حكمهم في ميعاد محدد.

      منطقهم، في واقع الأمر، لا يخلو من الوجاهة: إن كان الحكم الآن للشعب، فلماذا نحد من سلطته؟ من، وباسم ماذا، يمكنه الاعتراض على إرادة الشعب؟ لذا، “فالعلاقة الخاصة التي يتمتعون بها مع الشعب” تستلزم الإطاحة بأي حد لسلطتهم. وهو ما يمهد طريقًا خطيرًا، قد يفضي إلى الاستبداد.

           من المستحيل معرفة كيف ستكون سياسات تيار شعبوي من هذا النوع، كما يقول الكاتب. فعدم وجود أجندة سياسية واضحة أو برنامج محدد، يمكنه من تبني أي اتجاه سياسي، من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار. ففي الأرجنتين مثلًا، الحركة البيرونية (peronismo)، أي المتأثرة بفكر خوان دومينجو بيرون (Juan Domingo Perón)، عندما كانت في السلطة في الأربعينيات والخمسينيات، تبنت سياسات اقتصادية يسارية قح، فكانت الدولة تتدخل بقوة في الاقتصاد وتتوسع، ثم انقلبت الأحوال في التسعينيات تحت قيادة الرئيس كرلوس مينيم (Carlos Menem)، واتبعت الدولة سياسات نيو ليبرالية…

خلاصة القول، من المؤكد أن الكاتب الإسباني إخواني.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد