يبدو أن زمن المضادات الحيوية قد بدأ في الأفول بالفعل، ويبدو أن مقاومة البكتيريا ستتم عبر وسائل وطرق جديدة غير تقليدية في المستقبل القريب.

فطبقًا لبحث جديد، عثر علماء على فيروس جديد، في إحدى البحيرات بولاية كونيتيكت الأمريكية، فيروس يمكنه المساعدة في القضاء على هذه الأنواع من البكتيريا القوية، التي تصيب الحروق والجروح الشديدة، والمعروفة باسم «superbug».

البكتيريا السوبر

يذكر أن «superbug» هي أنواع خاصة من البكتيريا، قادرة على مقاومة مفعول عدد كبير من المضادات الحيوية. تخيل أنك مريض بعدوى بكتيرية في مستشفى، والأطباء لا يمكنهم وقف انتشار هذه العدوى داخل جسدك، هذه هي حقيقة الأمر، حقيقة تشعر أنها أقرب إلى قصص الخيال العلمي، لكنها مصدر القلق الرئيس للأطباء في جميع أنحاء العالم.

في كل عام يمرض حوالي مليوني شخص ببكتيريا من هذا النوع، وفقًا لمركز مقاومة الأمراض الأمريكي، يموت منهم حوالي 23 ألف شخص، نحن نتحدث هنا عن الولايات المتحدة الأمريكية فقط، فما بالك بالعالم كله.

وحتى نكون أكثر دقة، فهذه البكتيريا السوبر، يقصد بها البكتيريا التي لا يمكن القضاء عليها باستخدام عدة مضادات حيوية، وهذا المصطلح «superbug» هو في الحقيقة مصطلح غير علمي، وإنما مصطلح تداولته وسائل الإعلام لوصف هذه الأنواع المخيفة من البكتيريا. ويقول ستيفن كالدروود، رئيس جمعية الأمراض المعدية الأمريكية، إنه إحقاقًا للحق، فلا يوجد تعريف حقيقي لهذه البكتيريا.

وبدلًا من ذلك، فإن الأطباء كثيرًا ما يستخدمون عبارات مثل «البكتيريا المقاومة للأدوية المتعددة»، هذا لأن هذه البكتيريا ليست مقاومة لكل المضادات الحيوية بالضرورة، فهو يشير إلى البكتيريا التي لا يمكن علاجها، باستخدام اثنين أو أكثر من المضادات الحيوية، كما يقول بريان كومبس، الدكتور في جامعة ماكماستر في أونتاريو بالولايات المتحدة.

العدوى البكتيرية تثير مخاوف العالم.

الفيروس الجديد

الفيروس الجديد المكتشَف هو أحد أنواع الفيروسات الشهيرة المعروفة باسم «بكتريوفاج»، أو «الملتهمة للبكتيريا»، وقد اكتشفه علماء في جامعة ييل، طبقًا لورقة بحثية نشرت في مجلة التقارير العلمية، واكتشف العلماء أن الفيروس، المعروف باسم «OMKO-1»، يهاجم نوعًا من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية المتعددة، والتي يمكن أن تتسبب في وفاة الأشخاص ذوي المناعة التالفة، أو الضعيفة جدًا.

أما البكتيريا التي تقوم هذه الفيروسات بمهاجمتها، فهي نوع مشهور يطلق عليها اسم «Pseudomonas aeruginosa»، ويمكن للمضادات الحيوية المخصصة لها أن تقتلها بسهولة في أعقاب إصابتها بهذه الفيروسات، هذه البكتيريا تؤثر على المرضى الذين يعانون من حروق شديدة، أو جروح ناجمة عن العمليات الجراحية، أو التليفات الكيسية، وغيرها من الحالات التي تؤثر سلبًا في الجهاز المناعي للجسم.

ويصف العلماء الوضع حاليًا بأنه سباق تسلح جديد وعالمي ومستمر، بين المضادات الحيوية وبين البكتيريا، فكلما ظهرت مضادات حيوية جديدة تقتل أشرس أنواع البكتيريا، قامت الأخيرة بتطوير نفسها عبر الطفرات الجينية، لتكتسب مناعة جديدة تمكنها من مقاومة المضادات الحيوية، ليبدأ العلماء من جديد في تطوير أنواع أقوى للمضادات الحيوية، وهكذا، فالوضع مستمر منذ أن اكتشف الإسكتلندي ألكسندر فلمنج البنسلين، لأول مرة عام 1928.

وبالرغم من ذلك، فإن العلماء يعتقدون أن البكتيريا قد لا تكون قادرة على تطوير مناعتها لتقاوم الهجوم الفيروسي، عبر الأنواع المختلفة للبكتريوفاج، وبالتالي تتمكن هذه الفيروسات من إضعاف البكتيريا ومقاومتها، بما يسمح للمضادات الحيوية بأن تكون فعالة وتقضي على البكتيريا تمامًا.

البكتريوفاج.

مجال مهم

ويبدو أن مجال البحث عن وتطوير الفيروسات القادرة على مهاجمة البكتيريا، والمساعدة في القضاء عليها، يفتح بابًا كبيرًا في محاولة للقضاء على البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية، وخصوصًا نوع البكتيريا الجديد الذي ظهر مؤخرًا وتمكن من مقاومة أقوى نوع من المضادات الحيوية.

وقال البروفيسور بول تيرنر، رئيس قسم علم البيئة وعلم الأحياء التطوري في جامعة ييل: «لقد كنا نبحث عن المنتجات الطبيعية المفيدة في مكافحة مسببات الأمراض الهامة، وخصوصًا البكتيريا». وأضاف أن ما هو أنيق حول هذا الفيروس، عملية التحامه مع البكتيريا في المنطقة الأساسية، المانحة للأخيرة القدرة على أن تكون معدية، ويدعم هذا الأمر قدرة الفيروسات على إضعاف البكتيريا، فتصبح أكثر حساسية لعالم المضادات الحيوية.

وما يميز هذه الفيروسات أيضًا، هو أن منطقة التحامها مع البكتيريا، تكون أيضًا في نفس الموضع الذي تقوم فيه البكتيريا بضخ المضادات الحيوية إلى الخارج، وهو ما يسبب تغيرات في تركيبة الغشاء الخارجي تجعل آلية الضخ هذه لا تعمل بكفاءة، مما يؤدي إلى تراكم المضاد الحيوي داخل البكتيريا. يذكر أن إحدى أبرز آليات المقاومة التي تقوم بها البكتيريا، هي فتح قنوات في الغشاء الخارجي، ثم تقوم بضخ المضاد الحيوي عبرها إلى الخارج، مما يقلل كفاءتها تجاه البكتيريا.

وذكر تيرنر أن هذه الفيروسات من الممكن أن تساعد الأطباء على الحفاظ على ترسانة المضادات الحيوية الفعالة المحدودة، في مواجهة الأنواع اللانهائية تقريبًا من البكتيريا. وأضاف أن ظهور أنواع أخرى من البكتريوفاج، أعطى الأمل لخلق طرق جديدة لمكافحة مسببات الأمراض البكتيرية، التي تصيب الحيوانات والمحاصيل الزراعية، وتلوث الأنابيب والمعدات المستخدمة في إنتاج الغذاء.

بكتيريا مقاومة للمضادات الحيوية

وكان مسؤولون بوزارة الصحة الأمريكية قد ذكروا، يوم الخميس 27 مايو (أيار) 2016، بأنهم سجلوا ظهور أول حالة في البلاد لمريض مصاب بعدوى مقاومة للمضاد الحيوي الأقوى، والذي يُعدّ الملاذ الأخير والإستراتيجي لحالات الطوارئ ضد البكتيريا. وأعرب المسؤولون عن قلقهم البالغ من أنّ هذا النوع من البكتيريا يمكن أن يشكل خطرًا كبيرًا فيما يتعلق بالعدوى الروتينية، إذا ما انتشرت بشكل أكبر. وقال توماس فريدن، مدير المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها: «إننا نعيش الآن مرحلة ما بعد المضادات الحيوية».

هنا فإن البكتيريا اكتسبت صفة مقاومة عقار كوليستين، بعدما انتقل لها بلازميد يحتوي على جين اسمه «إم سي آر 1»، جين يمنح أي بكتيريا تواجد بها هذه القدرة القاتلة. وذكرت الدراسة التي أجراها مركز «والتر ريد» الطبي العسكري الوطني، بالولايات المتحدة، أن هذا الأمر ينذر بالفعل بظهور أنواع من البكتيريا قادرة على مقاومة جميع أنواع المضادات الحيوية المعروفة. يذكر أن هذه الدراسة تمثل أول ظهور لجين «إم سي آر 1» في الولايات المتحدة الأمريكية.

وحذر الخبراء منذ تسعينيات القرن الماضي، من أن البكتريا المقاومة لجميع أنواع المضادات الحيوية يمكن أن تكون على وشك الظهور في الأفق، لكن هناك عددًا قليلًا من شركات الأدوية التي تحاول تطوير عقاقير جديدة ضدها. وقد ذكر توماس فريدن أن الحاجة إلى المضادات الحيوية الجديدة هي واحدة من المشاكل الصحية الأكثر إلحاحًا، وذلك لأن البكتيريا أصبحت تكتسب المزيد والمزيد من المقاومة للعلاجات الحالية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد