في هذه الأيام يُثير فيروس كورونا الرعب وسط مخاوف من تحوله إلى جائحة، تحصد أرواح آلاف البشر. لكن هذه المخاوف وحالات انتشار الأوبئة والفيروسات ليست جديدة، فمنذ بدء الخليقة، والطفيليات والبكتيريا والفيروسات هي آفة البشرية. لكن رغم كونها تسببت في حدوث الأمراض وسببت وفيات يُقدّر عددها بالملايين؛ إلا أن هذه الكائنات الحية أعادت تشكيل تاريخنا وأثرت على تطورنا، فقد ساعدت الطفيليات في تعزيز أجهزتنا المناعية لتستطيع مُحاربة مُختلف الأمراض، وقد ساعدت البكتيريا المتواضعة في إملاء الشكل الذي اتخذه هذا الكوكب.

هناك وجه آخر لهذه الكائنات المجهرية، فهي لا تتسبب في الخراب والموت والدمار فقط؛ بل قامت في الواقع، بأشياء لا تُصدق لمساعدة الإنسانية.

1. الأصدقاء القدامى.. الفيروسات والطفيليات طوّرت أجهزتنا المناعية

بفضل علم الوراثة الجزيئية الفيروسية، نحن نعرف الآن الكثير عن الأخطاء التي أصابتنا على طول مسارنا التطوري، ووجدنا أن هذه الكائنات المجهرية فعلت الكثير لمساعدتنا على طول الطريق، على سبيل المثال، كان الضغط التطوري الذي فرضوه على جهاز المناعة لدينا هو الذي جعله قويًا كما هو اليوم.

Embed from Getty Images

فمثلًا تطور كل من الطفيليات وأنظمتنا المناعية بشكل مشترك لحمايتنا من الحساسية. فقد توصل الباحثون الذين يدرسون آثار الطفيليات المعوية إلى نظرية تقول إنه بعد استعمار الطفيليات لأنظمتنا المعوية، تطورت على مدى ملايين السنين لتتمكن من القدرة على قمع أنظمتنا المناعية، وفي الوقت نفسه تطورت أجسادنا لمُحاربة هذا التأثير ولو جزئيًا.

الجزء المذهل هنا، هو أنه عندما تم إزالة الطفيليات والكائنات الحية الدقيقة غير الضارة الموجودة في الماء والتربة إلى حد كبير من بيئتها الطبيعية بداخلنا من خلال استخدام الطب الحديث، فإن أجهزتنا المناعية تأثرت سلبًا لفقدانهم، ما أدى إلى الحساسية وزيادة فرص الإصابة بالربو والأكزيما.

اكتسبت فرضية «الأصدقاء القدامى»، والتي تُطلق على هذه الكائنات المجهرية، مزيدًا من الدعم في السنوات الأخيرة فقد حددنا طرقًا جديدة ساعدتنا بها الكائنات الدقيقة على البقاء على قيد الحياة، وقد أُجريت التجارب السريرية باستخدام الديدان لاختبار تأثيرها الإيجابي على أمراض مثل: مرض التصلب العصبي المتعدد، والحمى الدرقية، والحساسية.

أخذ بعض الأشخاص فرضية الأصدقاء القدامى إلى نهايتها المنطقية، وهي أنه إذا أدت إزالة الطفيليات من المجتمع إلى مشاكل صحية، فيجب أن نعيدها، وفي عام 2008، أجرى جون فليمنج، أستاذ علم الأعصاب بجامعة ويسكونسن، دراسة سريرية أصاب فيها مرضى التصلب المتعدد بالديدان الطفيلية لاختبار فعاليتها ضد المرض.

على مدى فترة ثلاثة أشهر، تم تخفيض عدد المرضى الذين أصيبوا بمتوسط ​​6.6 آفة نشطة حول الخلايا العصبية في الدماغ إلى اثنين في المتوسط. عندما انتهت التجربة، عاد عدد الآفات إلى 5.8 خلال شهرين، لكن لا يزال العلاج الطفيلي في المراحل التجريبية، وربما له آثار سلبية تفوق المراحل الإيجابية.

2. الفيروسات «المبرمجة» تقاتل الخلايا السرطانية من أجلنا

أحد أكثر فروع الطب الواعدة في العقود الأخيرة هو العلاج الفيروسي، وهو تقنية حيوية لإعادة برمجة الفيروسات لعلاج المرض، في عام 2005، أعلن باحثون من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس أنهم حوّلوا أحد أعداء البشرية الأكثر دموية إلى قاتل للسرطان، عندما قاموا بإعادة برمجة سلالة مُعدلة من فيروس نقص المناعة البشرية للبحث عن الخلايا السرطانية وتدميرها.

Embed from Getty Images

من المعروف أن الفيروسات لديها القدرة على علاج السرطان منذ الخمسينيات، ولكن ظهور العلاج الكيميائي أبطأ تقدم هذا النوع من العلاج، اليوم، ثبت أن العلاج الفيروسي فعّال للغاية ضد الأورام دون الإضرار بالخلايا السليمة المحيطة به، وقد أظهرت التجارب السريرية سُمية منخفضة وعلامات واعدة من الفعّالية.

في عام 2013، أصبح عقار يسمى talimogene laherparepvec أو (TVEC) أول دواء يعتمد على فيروس لقتل الأورام ينجح في الاختبارات المتأخرة، واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الباحثين هي كيفية إيصال الفيروس لأداء مهمته المُرجوة قبل أن يتعرف الجسم عليه باعتباره دخيلًا ويقوم بمُهاجمته، وتبحث الأبحاث الحالية في إيجاد «حاملات» طبيعية لاستهداف الأورام مُباشرةً.

3. الفيروسات الضعيفة أو المُعطلة في اللقاحات.. أنقذت ملايين البشر

ابتداءً من تسعينيات القرن التاسع عشر، عندما طوّر إدوارد جينر أول لقاح في العالم ضد الجدري باستخدام سلالة أقل ضراوة تسمى جدري البقر لتطعيم المرضى؛ أنقذت اللقاحات ملايين لا تُحصى من الأرواح.

منذ ذلك الحين، تم تطوير عدّة أنواع مختلفة من اللقاحات، تستخدم اللقاحات «الحية» فيروسات حية تم إضعافها أو تغييرها بحيث لا تسبب المرض، بينما تحتوي اللقاحات المعطلة أو «الميتة» على كائنات دقيقة أو سموم ميتة تستخدم عادة ضد الالتهابات البكتيرية.

صحة

منذ 9 شهور
التطعيم يسبب التوحد.. أشهر 6 خرافات عن اللقاحات

عندما يتم حقن اللقاح، يبدأ العامل الممرض باللقاح في العمل، لكن لا يوجد ما يكفي منه للتكرار بالمعدل الذي يحتاجه حتى يتسنى له السيطرة على الجسم وإمراضه، يبدأ الجسم في عمل استجابة مناعية، ويقتل العامل الممرض أو يكسر السم المسؤول عن المرض، خلال هذه العملية يعرف الجهاز المناعي للجسم كيفية محاربة المرض وسوف «يتذكر» ذلك عندما يصيبه مرة أخرى.

بمعنى آخر، توصل العلماء إلى كيفية الحصول على مسببات الأمراض لمساعدة جهازنا المناعي في الدفاع عن نفسه ضدهم، حتى أنهم اتخذوا الخطوات الأولى نحو تطوير لقاحات للعديد من أشكال السرطان، فهناك ثلاثة لقاحات معتمدة من قبل إدارة الأغذية والعقاقير (FDA) لفيروس التهاب الكبد بي والذي يسبب سرطان الكبد.

بفضل اللقاحات، تعرّضت العديد من الأمراض إلى الانقراض الظاهري، الجدري هو المثال الأكثر شهرة، ويأتي شلل الأطفال، رغم أنه لم يتم استئصاله بالكامل، في المركز الثاني.

4. البكتيريا تخلصنا من النفايات وتحمي دورة الحياة

تلعب بعض أصغر وأبسط المخلوقات على الأرض دورًا من أهم الأدوار في حماية الحياة، فرُبما يكون للبكتيريا الدور الأكثر أهمية للجميع، وهو التخلص من النفايات وإعادة تدويرها.

تحتوي بقايا الحيوانات والنباتات الميتة، على العناصر الغذائية الحيوية والطاقة المخزنة، لا يوجد وسيلة لاستعادة هذه العناصر الغذائية، بالإضافة إلى أزمة أن الموارد المتاحة سوف تستنفد بسرعة.

هنا يأتي أهمية دور البكتيريا، فلحسن الحظ، تتغذى العديد من الأنواع البكتيرية على مصادر الطاقة هذه، فتُحللها إلى أصغر جزيئاتها وتُعيدها إلى التربة، فتدخل من جديد في السلسلة الغذائية.

هذه العملية في ذاتها مفيدة للغاية، لكن بالإضافة إلى ذلك فقد وجد البشر العديد من الطرق لاستغلال هذه العملية وتحقيق مجموعة متنوعة من المزايا الإضافية، فتم تجربة استخدام البكتيريا في معالجة مياه الصرف الصحي، وإدارة النفايات الصناعية، وتنظيف انسكابات النفط.

5. «البكتيريا الزرقاء».. أول ممثل ضوئي في الكون

تُعدّ البكتيريا الزرقاء، أو الطحالب الخضراء المزرقة، من أقدم الأنواع التي لا تزال حية على الأرض، إذ يعود تاريخها إلى 3.5 مليار سنة، إنها بكتيريا أحادية الخلية، وإذا لم تكن موجودة فلن نكون نحن هنا، ولن يكون هناك على الأرض أي شكل آخر من أشكال الحياة تقريبًا.

Embed from Getty Images

كانت البكتيريا الزرقاء أول ممثِّل ضوئي في العالم، استخدموا الطاقة من الشمس إلى جانب المواد الكيميائية في المحيطات البدائية والنيتروجين الخامل في الغلاف الجوي لصنع طعامهم، وقاموا بتوليد الأكسجين، وهو خيط البداية لجميع أشكال الحياة الأخرى تقريبًا.

6. البكتيريا والهندسة الوراثية.. هكذا ساعدت البكتيريا العلم

ساعدت البكتيريا العلماء في اكتشاف طريقة جديدة لتعديل الخلايا وراثيًا في أي كائن حي، بما في ذلك البشر.

ففي الثمانينيات، تم اكتشاف أن للبكتيريا نظام دفاع طبيعي، وقد تعلم العلماء مؤخرًا استخدام هذا النظام لهندسة الحمض النووي، وقد ثبت أنه وسيلة رخيصة وسريعة ودقيقة لمعالجة الحمض النووي في المختبر، وتسمح هذه الطريقة للعلماء بالسيطرة على الخلايا لتعقب جينات معينة وتعطيلها، وحتى لإصلاح جينات معيبة عن طريق مبادلة «أحرف وراثية» وحيدة، ويعتقد الكثيرون أن هذه الطريقة سوف يمكن استخدامها لعلاج الأمراض في المستقبل القريب، وقد استخدمها العلماء بالفعل مؤخرًا لتعديل الخلايا التائية البشرية بنجاح لمحاربة فيروس نقص المناعة البشرية والسرطان بشكل أفضل.

علوم

منذ سنة واحدة
الآن.. ربما اكتشفنا أخيرًا سبب الزهايمر وكيفية إيقافه

المصادر

تحميل المزيد