هل تساءلت يومًا عن التاريخ الياباني قبل الحرب العالمية الثانية؟ عن الساموراي والثورات والانفتاح على العالم؟ هناك جزء من تاريخ اليابان لا يخفى على أحد، إلا أننا لم نره يومًا بأعينٍ يابانية، متجسدًا في الفن الشعبي بالقرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. في السطور القليلة القادمة، سننفتح على الفن الياباني، ونقرأ اللوحات التي انخرطت في وصف التاريخ، لنعرف كيف رأى اليابانيون العالم الخارجي.

1. السفن السوداء.. «أشباح قادمة من البحر»

في القرن التاسع عشر، تحديدًا عامي (1853- 1854)، انفتحت اليابان على العالم الغربي للمرة الأولى منذ 200 عام. قبل ذلك كانت أبوابها موصدة في وجه الخارج، لا تهوى الغرباء. لم يكن الانفتاح هذه المرة عبر الغزو أو الحرب، بل أكدت المصادر التاريخية الأمريكية، أن العميد الأمريكي ماثيو بيري أرسل بعثة دبلوماسية في الثامن من يوليو (تموز) عام 1853، هدفها إعادة تأسيس الروابط التجارية بين اليابان والعالم الغربي، وقد كللت مساعيه بالنجاح.

(سفن البعثة الأمريكية الدبلوماسية)

حين انطلقت سفن بيري إلى طوكيو عام 1853، صورها الفنانون الغربيون وكأنها «سفن الرب»، تعيد إلى اليابان «الإنجيل» الذي انقطع عنها 20 عقدًا من الزمن. كانت اللوحات مهيبة، تظهر الأسطول الأمريكي كأسرابٍ من السفن تحلق نحو الشرق. البعض الآخر رسم السفن في لمحة لا تخلو من الرومانسية. إلا أن سفن الرب بالنسبة إلى شعب، هي «شياطين» شعب آخر.

وصل ماثيو بيري إلى شواطئ طوكيو بأربع سفن عسكرية في رحلته الأولى. رآها الأهالي قادمة من البحر يتصاعد منها دخان أسود. أطلقوا عليها «السفن السوداء»، نظرًا إلى لون هياكلها، في حين فسر آخرون الاسم بما تركه الدخان الأسود على لون السفن من أثر. خلدها الفنانون الشعبيون في لوحاتهم. إذ كانت تلك هي المرة الأولى التي شاهد فيها سكان أوراغا، سفنًا بخارية.

(الأسطول الأمريكي في الفن الياباني)

أطلق الفنانون اليابانيون لخيالهم العنان في تصور السفن الأمريكية. «أشباح سوداء قادمة من البحرِ»، هكذا رأوها، ظلامًا متجسدًا. في اللوحات، كانت السفن سوداء تنفث دخانها الأسود في عنان السماء، ومقدمتها وجه وحش مروع، مزودة بصفوفٍ من المدافع والأسلحة. وفي برنامج «تصور الثقافات» الذي أقامته «جامعة هارفارد» الأمريكية بالتعاون مع معهد «MIT»، أشير إلى أن ظهور تلك السفن كان إشارة وصول ماثيو بيري إلى شواطئ اليابان لإجبار هذا البلد المنعزل على فتح أبوابه أمام العالم.

كان وصول بيري، تتابعًا لأزمة «زيت الحيتان»، إذ أضاء هذا الزيت المنازل الأمريكية والشوارع، وكان جزءًا لا يتجزأ من الحياة، وفي ذلك الوقت، منع البحارة من اجتياز الشواطئ اليابانية للحصول على إمدادات. وكان المهربون يعاملون معاملة قاسية من اليابانيين، مما استدعى تدخلًا أمريكيًا، قاده بيري عبر بعثته، وذلك للتوصل إلى اتفاق يسمح لصائدي الحيتان والسفن الأمريكية بالدخول إلى منفذٍ أو اثنين، إلى جانب تزويدهم بما يحتاجون إليه من  فحم ومرافق وإمدادات المياه، وعرفت تلك الاتفاقية باسم «معاهدة كاناغاوا».

«ضحايا مثاليون».. ماذا تعرف عن جمال قبول الأمر الواقع عند اليابانيين وعبئه؟

2. ماثيو بيري من رجلٍ مهندم إلى شيطان

كان ماثيو بيري، هو الأخ الأصغر لأوليفر بيري، بطل النصر الأمريكي على البريطانيين عام 1813. إلا أن شهرته الأساسية قد جاءت من كونه قائد حرب من الدرجة الأولى، خاصةً في الحرب الأمريكية ضد المكسيك. أما رحلته إلى اليابان، ففي الوقت الذي وصفتها فيه المصادر الأمريكية كونها فرصة لتوسعٍ غربي عبر المحيط الهادئ، لاحتضان الشرق؛ رآها اليابانيون صدمة حضارة، كانت لها نتائج مدمرة في نهاية المطاف.

(صورة بيري في مكتبة الكونجرس)

إذا نظرنا عن قرب إلى الفن الياباني فور وصول بيري إلى شواطئ اليابان، نجده قد نقل ملامح بيري بطريقة تشبه إلى حدٍ كبير صورته الفوتوغرافية الموجودة في مكتبة الكونجرس الأمريكي. يظهر فيها العميد حليق الذقن، مهندمًا، يرتدي بذلته العسكرية. رغم ذلك، لم تخل تلك البورتريهات من تأثيرات ثقافية يابانية؛ إذ صوره البعض بشعرٍ أحمر، نظرًا إلى الصورة النمطية التي ارتبطت في أذهانهم بالهولنديين ذوي الشعر الأحمر.

(أولى اللوحات اليابانية للعميد ماثيو بيري)

كان هناك شيء آخر مثير للاهتمام في الصورة المنتشرة للعميد بيري؛ إذ نجد الفنانين وقد رسموا لون العيون الأزرق وقد حل محل المقل البيضاء؛ وهو أمر له علاقة بالوصف الشعبي للغربيين، إذ أشاروا إليهم دومًا بـ«البرابرة ذوي العيون الزرقاء»، إلا أن الفنانين الذين لم يروا في حياتهم رجلًا بعينٍ زرقاء، قد اختلط عليهم الأمر، متصورين أن المقل هي المكان الذي يحمل اللون الأزرق.

(ماثيو بيري في عيون الفن الشعبي الياباني)

احتفى الفن الشعبي الياباني بشخصية ماثيو بيري، إلا أن ملامحه كانت تتغير وتتبدل في كل عمل منهم. قد يرجع هذا في البدء إلى صعوبة الوصول لماثيو بيري، من أجل رسم بورتريه حقيقي، نظرًا إلى عزله نفسه بعيدًا عن العامة، حفاظًا على شخصيته المهيبة، وتصدير ذاته شخصًا يصعب الوصول إليه، إلى درجة أن أطلق الأهالي على الكابينة الخاصة به اسم «الغموض العظيم».

كان هذا مجرد جزء صغير في تفسير ظهور بيري بملامح مختلفة في كل مرة. إلا أن الجزء الأكبر قد يكون عائدًا إلى الثقافة اليابانية ذاتها؛ إذ كانت الأساطير دائمًا ما تحكي عن وصول الشياطين والوحوش عبر البحر. ومع صعوبة الوصول للعميد بيري، لم يملك الفنانون اليابانيون سوى مخيلتهم. فظهر بيري في اللوحات الأخيرة، وكأنه إحدى شخصيات الفلكلور الياباني، بذقنٍ غير حليقة، أنف طويل، ومظهر وحشي. كأنه الشيطان قادمًا عبر البحر بسفنه البخارية السوداء.

3. برابرة الجنوب.. المبشرون المسيحيون قبل ماثيو بيري

لم تكن اليابان دومًا بلدًا مغلقة، بل انخرطت قبل قرنين من تاريخ بعثة ماثيو بيري الدبلوماسية في علاقاتٍ تجارية مع دول الشرق والغرب، وإليها حج المبشرون المسيحيون من أوروبا، في محاولةٍ لنشر تعاليم الدين المسيحي على نطاق واسع من الهند وحتى البحار الجنوبية. أطلق عليهم السكان حينها اسم «برابرة الجنوب». وأقام هؤلاء الأجانب علاقات قوية في مدينة ناغازاكي الساحلية، قبل عام 1630 ميلاديًّا.

(لوحة توضح لحظة وصول برابرة الجنوب)

في ذلك الوقت، تبع المبشرون البروتستانت نهج المبشرين الكاثوليكيين في البحار الآسيوية، وبحلول أوائل القرن السابع عشر، كان هناك عشرات الآلاف من اليابانيين في جزيرة كيوشو قد تحولوا إلى المسيحية. وكان لهذا الأمر تأثيره بالطبع في الفن الياباني؛ إذ تستطيع أن تلاحظ تأثيرات «برابرة الجنوب» على لوحات القرن السابع عشر، والتي أصبحت أكثر ثراءً. وفي اللوحة السابقة، تستطيع أن ترى ميناء مدينة ناغازاكي وقد امتلأ بالأجانب والسفن التجارية الخاصة بهم.

كانت اللوحات في ذلك الوقت متأثرة بالثقافة الأوروبية، وقد تأثر الفنانون باللوحات الدينية الأيقونية في أوروبا، حتى إنك تستطيع أن تجد نسخًا منها في الموانئ اليابانية. كما أن اليابانيين أنفسهم لم يكن محظورًا عليهم السفر إلى الخارج، فتمتع بعضهم بروح المغامرة، وسافروا إلى الفلبين وسيام – وهو اسم دولة تايلاند الرسمي- أما المسيحيون من اليابانيين فقد سافروا إلى الفاتيكان، وعادوا إلى بلدانهم محملين بروح العالم الخارجي وثقافته.

4. عندما أغلقت اليابان أبوابها..

انتهى كل هذا الانفتاح بشكلٍ مفاجئ عام 1639؛ إذ فرضت الحكومة الحاكمة سياسة صارمة نحو «دولة مغلقة». عندها منع اليابانيون من السفر إلى الخارج، وطُرد الأجانب من الأوروبيين وغيرهم خارج البلاد، وحظرت الديانة المسيحية، وكان اعتناقها يُعاقب عليه بقسوة.

(بورتريه القديس فرانسيس زافيير)

في ذلك الوقت اضطر اليابانيون الذين اعتنقوا المسيحية إلى إخفاء مسيحيتهم، وأجبروا على التنازل عن الصور والنقوش المعدنية للأيقونات المسيحية، والتي يتخللها صورة الصليب أو مريم العذراء. كان من تلك اللوحات والأيقونات، صورة القديس الإسباني فرانسيس زافيير، إذ كان أول من قدم المسيحية إلى شعب اليابان في منتصف القرن السادس عشر. ونجد اللوحة وقد تأثرت بالفن الأوروبي والأسلوب المتبع في رسم الأيقونات المسيحية حينذاك، ولذلك نجد صعوبة في تحديد جنسية اللوحة سوى من خلال الكلمات اليابانية التي كتبت تحتها.

كانت استراتيجية «العزلة» والانغلاق التي فرضتها اليابان على نفسها نابعة من الخوف، إذ رأت في القوى الأجنبية تهديدًا محتملًا لها في المستقبلِ، قد ينال من اليابان عسكريًّا. كما خشيت الحكومة الحاكمة من نفوذ المبشرين المسيحيين على أتباعهم. لم ينجُ من هذا الانعزال سوى بعثة هولندية واحدة مقتصرة على جزيرة صغيرة في ميناء ناغازاكي، عدها اليابانيون نافذة صغيرة على العالم الخارجي وتطوراته.

5. الضباط الأمريكان في مواجهة «الساموراي»

كان اليابانيون يلجأون دائمًا إلى الخيال عند رسم بورتريهات شخصية للضباط الأمريكيين، في محاولة منهم لالتقاط روح الشخص، وملامح وجهه جنبًا إلى جنب. ولهذا كانت أغلب اللوحات تخرج في شكل «كاريكاتيري». وربما كانت تلك النزعة هي السبب الرئيسي وراء تميز فن الكاريكاتير وأفلام «الأنمي» اليابانية في العصور التي تلت ذلك.

(بورتريهات شخصية للضباط الأمريكيين – المصدر Visualizing Cultures)

في ذلك الوقت، كانت المطبوعات اليابانية عن الساموراي، تنقل رغبة خفية في القتال، وذلك في حال تحولت الزيارات الأمريكية إلى هجوم عسكري مسلح؛ ولهذا نجد المطبوعات الملونة، وكذلك بالأبيض والأسود، تصور الساموراي وكأنهم على أهبة الاستعداد لمعركةٍ وشيكة.

(لوحة الساموراي الياباني 1854 – المصدر Visualizing Cultures)

6. هكذا رأى فنانو اليابان أحداث سبتمبر 1905

في 5 سبتمبر (أيلول) من عام 1905، شهدت طوكيو ثلاثة أيام مروعة؛ إذ انطلق المتظاهرون في الشوارع، مُحتجين على البنود المخزية لاتفاقية السلام التي أنهت «الحرب اليابانية الروسية». قبل عقد من الزمان، خرجت اليابان من الحرب الصينية بتعويضاتٍ هائلة من الصين المهزومة، كان هذا سببًا في رفع توقعات الشعب الياباني إبان انتهاء الحرب الروسية في 1905. إلا أن الحرب الأخيرة كانت مكلفة ومنهكة لكلا الدولتين، مما أجبر اليابانيين على قبول سلام بلا تعويضات. مما أثار غضب الشعب، فخرج في موجاتٍ عارمة. وخلال ثلاثة أيام دمرت أكثر من ثلاثة أرباع «أكشاك الشرطة»، التي كانت تنتشر في جميع أحياء العاصمة.

تاريخ الفن في اليابان

(هكذا رأى فناني اليابان أحداث سبتمبر 1905)

سميت هذه الأحداث بـ «شغب هيبايا»، وكانت أول احتجاج اجتماعي في عصر الديمقراطية الإمبريالية اليابانية. وقد تناول الفنانون اليابانيون هذا الحدث بعينِ الاهتمام إلى درجة إصدار مجلة مصورة، تحمل في طياتها مشاهد العنف، سجلًّا مرئيًّا لهذه المظاهرة التلقائية. تصور الغضب البادي على الوجوه والنيران في الخلفية. في حين تبدو قوات الشرطة في اللوحة الثانية وكأنها عدو خارجي. بعد الأحداث فرضت حالة الطوارئ وحظر التجوال، وكأن البلاد في حالة حرب، وقد لقي 17 شخصًا مصرعهم، وقبض على المئات.

«موءودو كاتانغا».. قصة قتل اليابانيين أبناءهم من نساء الكونغو

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد