هل الواقع الافتراضي هو المستقبل حقًّا؟ في العصر التكنولوجي الذي نحياه، أصبحت هناك تقنيات جديدة يمكنها محاكاة واقعنا، عن طريق جهاز أشبه بالنظارات، يرتديه الفرد لينفصل عن العالم الواقعي، ويبدأ الحاسوب في عمل محاكاة تفاعلية مع الواقع تخلق صورًا وبيئات افتراضية، يعيش داخلها الفرد طوال فترة ارتدائه هذا الجهاز، دون أي إحساس بالعالم المحيط. قد تصبح تقنية الواقع الافتراضي أو «Virtual Reality» -واختصاره VR- جزءًا لا يتجزأ من حياة أبنائنا؛ فالعالم الآن يستخدم هذه التقنية في التعليم، كما يستخدمها الأطفال في الألعاب الإلكترونية، وذلك من أجل الانفصال التام عن الواقع، والعيش داخل اللُّعبة، والتي تتيح لك عيش تجربة مختلفة، وكأنك في عوالم موازية.

ومن رحم هذه التجربة قرر شاب يدعى جاك ويلموت العيش داخل الواقع الافتراضي أسبوعًا كاملًا، سبعة أيام يأكل ويشرب ويعمل وينام مرتديًا جهاز «VR»، وموثقًا تلك التجربة بالفيديو، في فيلمٍ وثائقي عرضه على قناته الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي «يوتيوب». قال ويلموت إنه أراد أن يعرف هل بإمكان الفرد أن يحافظ على صحته وإنتاجيته وتكوين صداقات جديدة، وهو يحيا داخل واقع افتراضي. وكانت رغبة ويلموت تكمن في أن يكتشف بنفسه العيش داخل هذا العالم، ليعرف المستقبل القادم، وقدرتنا على التكيف معه، فهل نجحت تجربة ويلموت؟

سبعة أيام من الانفصال عن الواقع

الواقع الافتراضي يشبه إلى حدٍّ كبير الذهاب إلى أماكن جديدة، بإمكاناتٍ لا حدود لها، دون أن تبرح غرفة معيشتك. *جاك ويلموت

جهز ويلموت في البداية غرفته التي سيحيا بها خلال الأيام السبعة المقبلة، للقيام بتجربته. أنشأ غطاء رأس مقاومًا للمياه من أجل الاستحمام، وجهز أيضًا عدة أجهزة «VR» لضمان عدم نفاد طاقة البطارية، وأغلق النوافذ جيدًا وغطاها بلونٍ أسود حتى لا يعرف الليل من النهار؛ إذ سيترك واقعه الافتراضي يخبره. كما أنه لضمان مصداقيته، قام بعمل عرض حي لأيامه السبعة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبدأ الفيديو بقوله: «أهلًا بكم في أسبوعٍ من المستقبل».

يقول ويلموت عن الواقع الافتراضي: إن المرء بإمكانه أن يخلق عالمه الافتراضي الذي يناسبه، فإن كان متوترًا بإمكانه محاكاة بيئة هادئة طبيعية 10 دقائق مثلًا، ينعم خلالها ببعضٍ من هدوء الأعصاب. وإن كان يشعر بالنشاط، بإمكانه التخلص من طاقته الزائدة عن طريق أحد ألعاب اللياقة البدنية. كان اليوم الأول من التجربة هو الأصعب؛ إذ واجه ويلموت بعض الصعوبات في التأقلم على ارتداء الجهاز أثناء القيام بمهام يومه العادية، مثل شرب القهوة، أو الالتزام بجدول العمل.

إلا أن النوم في العالم الافتراضي كان أكثر متعة؛ إذ تمكن ويلموت من تحميل تطبيق «نتفليكس»، ومنه قام بعمل محاكاة لصالة عرض افتراضية، يشاهد فيها ما يحب وقت النوم. كان الشاب حريصًا على الالتزام بمهام يومه كما هي، يمارس رياضته المفضلة، ويتناول الإفطار، ومن ثم يذهب إلى العمل.

«في المستقبل، أعتقد أن (الواقع الافتراضي VR)، و(الواقع المعزز Augmented Reality) سيصبحان شيئًا واحدًا، كما لو كنت ترتدي زوجًا من النظارات المدمجة، وبنقرة مزدوجة تستطيع أن تنفذ إلى الواقع الافتراضي، وبنقرة مزدوجة أخرى تستطيع أن تستدعي الواقع المعزز إلى واقعك الحقيقي، وما أحاول فعله هنا، مجرد محاكاة لما سيكون عليه المستقبل»، هكذا قال ويلموت بعد 20 ساعة من ارتداء جهاز «VR» الخاص به، و«الواقع المعزز Augmented Reality» الذي يقصده ويلموت هو تكنولوجيا قادرة على إسقاط الأجسام الافتراضية والمعلومات في بيئة المستخدم الحقيقية.

في اليوم الثاني، حاول ويلموت أن يكون اجتماعيًّا، ولذلك حمل تطبيق موقع تواصل اجتماعي خاص بتقنية «VR»، وبدأ في التواصلِ مع رواد هذا التطبيق، يقول ويلموت إن تقنيات العالم الافتراضي قد حملت التواصل عن بعد بين الأفراد إلى أبعادٍ جديدة؛ إذ لم يعد تواصلًا عبر شاشة هاتف أو حاسب آلي، بل تشعر وكأنك حقًّا معهم تشاركهم مكانهم، حتى ولو كان ذلك افتراضيًّا.

بعد فترة بدأ الشاب يشعر أنه منعزل بحق عن كوكب الأرض بأكمله، الزمن بالنسبة إليه مجرد فكرة ورقم، وعدم رؤية الشمس تشرق أو تغرب، جعلته يسعى لمحاكاة النهار والليل عن طريق بعض الألعاب. يقول عن ذلك: «كنتُ أشعر أنني داخل سفينتي الفضائية التي لا تتعدى مساحتها بضعة أمتار، وأنني أفتقد الوجود على سطح الأرض»، ولهذا تنقل ويلموت -ربما بدافع الملل- بسفينته الفضائية الافتراضية هذه لاستكشاف العالم، ومن خلال تقنيات «VR» وتطبيق «Google Earth»، خاض الشاب المغامر رحلته الافتراضية حول العالم، من باريس وإيطاليا إلى ريف الهند، كما قضى ساعات في استخدام تلك التقنية في التعلم، ومن ثم جاءت اللحظة التي سيخرج فيها ويلموت من جهاز الرأس الافتراضي ليعود إلى واقعه، بعد أن قضى 168 ساعة بعيدًا عن العالم الذي نعرفه.

«لم أقدّر يومًا رائحة الهواء المنعش خارج المنزل، قدر اليوم»، كانت تلك الكلمات الأولى التي قالها ويلموت بعد انتهاء رحلته، وأضاف: «تبقى الطبيعة هي الشيء الوحيد الذي لا نستطيع إعادة خلقه افتراضيًّا»؛ إذ يمكننا أن نخلق مناظر وأصوات تحاكي الطبيعة افتراضيًا، إلا أنها ستبقى أبدًا تفتقد لتلك الطاقة التي نشعر بها عندما نكون هناك حقًّا.

يقول ويلموت إن الماضي كان يحمل بين طياته فنانين عظماء أمثال سلفادور دالي وبيكاسو، أما الحاضر فيحمل فنانين من طابعٍ آخر، قادرين على خلق عالم كامل لنحيا فيه من خلال تقنيات العالم الافتراضي، إلا أن ما اكتشفه حقًّا هو أن «الإبداع يحتاج إلى إلهام، ووجوده داخل العالم الافتراضي لم يكن مُلهمًا، ولم يمنحه القدرة على الخلق الفني»، ومن خلال هذه الحقيقة أراد ويلموت أن يقفز من مركبته الفضائية الافتراضية، ويبحر نحو الأرض، راغبًا في العودة.

«مريم» ليست الوحيدة.. ألعاب الواقع تثير اهتمام ومخاوف الشباب العربي

صغار وعجائز يخوضون التجربة لأول مرة

«أخرجني من هنا»، بهذه الكلمات صرخت السيدة العجوز وهي تجرب تقنية «VR» لأول مرة؛ إذ كانت خائفة من وجودها إلى جانب الطيور. كان ذلك جزءًا من تجربة أجرتها منصة «VRscout»، وهي منصة متخصصة بكل ما يخص الواقع الافتراضي، وفي تسليط الضوء على آخر تطوراته، وكانت التجربة التي نشرت موثقة على موقع «يوتيوب»، وتتضمن مجموعة من كبار السن، علاقتهم محدودة بوسائل التكنولوجيا الحديثة، ويستخدمون الهواتف الذكية على مضض، يجربون تقنيات العالم الافتراضي لأول مرة، لتسجل المنصة انطباعاتهم الأولى عنه، وتأملاتهم بعد التجربة.

خرج كبار السن من تلك التجربة يعرفون لماذا يتعلق الأطفال والشباب بهذه التقنيات، تقول عن ذلك إحدى السيدات، إن التجربة جعلتها تشعر بالحرية الكاملة، في حين يقول عن ذلك أحد الرجال المشاركين في التجربة إن الأمر جعله يشعر وكأنه «سوبر مان»، بإمكان المرء أن يحيا أية حياة يريدها، إلا أن أحد المشاركين الآخرين كان رأيه مخالفًا لما اعتقدوه؛ إذ صرح بأن التجربة بأكملها تبقى غير حقيقية.

أجمع كبار السن على أن التجربة في حد ذاتها يمكنها أن تعمل على تحسين صحة المرضى ملازمي الفراش، وإن لم تتحسن حالتهم الصحية على الأقل يبتعدون ولو قليلًا عن واقعهم المليء بالمشافي والأدوية وآلام المرض. إن كانت هذه هي انطباعات كبار السن، تُرى كيف ستكون انطباعات الأطفال الصغار الذين يجربون تلك التقنية لأول مرة؟

أجرت منصة «VRscout» التجربة نفسها على صغار السن الذين لم تتسن لهم تجربة تقنيات العالم الافتراضي من قبل، لم يعرف الأطفال حتى ما الذي يعنيه مصطلح «العالم الافتراضي»، إلا أنهم أقدموا على التجربة بشجاعة وشغف. كان الأطفال أكثر حرية في التنقل بين العوالم، أحدهم حاول التغلب حتى على خوفه من المرتفعات، وذلك من خلال محاكاة للمشي على قطعة صغيرة من الخشب بين أبراج عالية والشارع بعيد جدًا تحت قدميه. كانت عوالم الأطفال أكثر حيوية؛ إذ تفاعلوا مع الأسماك تحت المحيطات، وحيوانات أليفة على شكل إنسان آلي، ودخول حرب مع الفواكه باستخدام سيف.

شعرت وكأن هذا هو العالم الحقيقي، وذلك حتى خلعت جهاز الرأس عني ووجدتُ نفسي أحدق في الحائط. *إحدى الفتيات المشاركات في التجربة

تعددت انطباعات الأطفال كل بحسب شغفه وشخصيته، إحدى الفتيات اعتقدت أن العالم الافتراضي هو العالم الحقيقي، إلا أنها اندهشت حين وجدت نفسها في نهاية الأمر تحدق في الحائط، إلا أن أغلب الأطفال صرحوا بفقدانهم الإحساس بالزمن قائلين: «فقدنا الإحساس بالزمن، لم نعرف في أية ساعة نحن، ومتى بدأنا التجربة أو انتهينا منها»، إلا أنهم كانوا مأخوذين بالعوالم المختلفة التي يمكنهم تجربتها؛ إذ إن التجربة بالنسبة إليهم تمثل حُلمًا للأطفال مدمني الألعاب الالكترونية على الهواتف الذكية.

في هذا الإطار يحذر مجموعة من الباحثين والعلماء، من أن أجهزة الواقع الافتراضي قد تشكل خطرًا على المستخدمين، وخاصةً الأطفال؛ إذ يعتقد العلماء أن استخدام تلك الأجهزة المتواصل قد يؤدي إلى مشكلاتٍ صحية في التوازن والبصر، يقول عن ذلك مارك مون ويليامز، أستاذ علم النفس المعرفي بجامعة ليدز: «في أجهزة الواقع الافتراضي، يتم عرض عالم ثلاثي الأبعاد افتراضي على شاشة ثنائية الأبعاد؛ مما يشكل ضغطًا على النظام البصري البشري»، وبالنسبة إلى البالغين يشير ويليامز إلى أن الصداع والتهاب العين من الآثار الجانبية لهذه الأجهزة، أما الأطفال، فالعواقب طويلة الأجل وغير معروفة.

الواقع الافتراضي.. للتعلم والعلاج النفسي

تُشكل التقنيات التكنولوجية للعالم الافتراضي في وقتنا هذا وعي كثير من الأطفال والشباب، حتى الآن يبقى ما نعرفه عن أجهزة العالم الافتراضي هو مجموعة من الألعاب القتالية وألعاب السيارات؛ تعمل هذه الألعاب على محاكاة الغرفة التي تجلس فيها لتعزيز الواقع الافتراضي بالمساحات التي يمكنك التحرك فيها، وبالاشتراك مع لاعبين آخرين، يمكنك أن تكون فريقك القتالي، ومن ثم تنخرط في المعارك التي تبدو لك حقيقية، وهي طريقة مؤثرة في جذب الشباب وصغار السن، إلا أن الواقع الافتراضي لم يقف عند الترفيه فقط، والذي يصفه البعض بتقنيات «الهروب من العالم»، بل أصبح يستخدم لأغراضٍ علمية أيضًا، وكأنه المستقبل في ما يتعلق بتعليم الأطفال.

العقل البشري يتذكر 10% مما يقرأ، و20% مما يسمع، و90% مما يفعله ويحاكيه، وهو أقوى دليل على أن الواقع الافتراضي يمكنه أن يضيف إلى التعليم.

وفي العام الحالي يتم اعتبار تقنيات الواقع الافتراضي أحد السُّبل المهمة للتعليم، والتي ستأخذنا معها إلى المستقبل. 10% من المدارس تخطط لاستخدام التقنيات الافتراضية في التعليم خلال العام الحالي، أو العامين المقبلين.

يبدو أن المستقبل يعمل لصالح تقنيات الواقع الافتراضي، فإلى جانب بدء استخدامها بوصفها وسائل مستقبلية في تعليم الأطفال، يرى بعض متخصصي علم النفس أن الواقع الافتراضي يمكن استخدامه لخدمة المرضى النفسيين، عن ذلك يقول الدكتور دانييل فريمان، بمقالٍ كتبه في موقع «Psychology Today»: «من الصعب تقدير مدى أهمية الواقع الافتراضي، حتى تقوم بتجربته، فعلى الرغم من أنك تدرك تمامًا أن ما تراه غير حقيقي، إلا أن جسدك وعقلك يتصرفان كما لو كان الأمر حقيقيًّا، مما يجعلها تجربة غير عادية؛ فقدرة الواقع الافتراضي على خداع عقولنا قد تثبت جدارتها بوصفها وسيلة فعالة للغاية في العلاج النفسي».

يقول فريمان إن علم النفس يعالج الرهاب، على سبيل المثال «رهاب المرتفعات»، عن طريق العلاج بالتعرض، والذي يشمل مواجهة المريض لخوفه ومحاولة تجاوزه، وهو أمر يمكن تحقيقه باستخدام تقنيات الواقع الافتراضي، إذ إنها تنزع الشخص من عالمه، وتضعه في عالمٍ آخر يمكن للمرء فيه أن يصارع مخاوفه. ويبدو أن فريمان قد قام بتجربة الأمر على بعض المرضى، فهو يقول إن بعض الأشخاص ممن يخشون المرتفعات، عندما ارتدوا أجهزة العالم الافتراضي وصعدوا داخل ناطحة سحاب للوصول إلى سطحٍ مرتفع، كان معدل ضربات قلبهم يتزايد كأنهم يواجهون الأمر حقيقةً، هذا بالإضافة إلى شعورهم بالخوف من اتخاذ الخطوة الأولى، على الرغم من إدراكهم أن ما يروه الآن ليس حقيقيًّا، وأنهم لن يخطوا إلا داخل أرضية المختبر.

يشير فريمان إلى أن العلاج عن طريق الواقع الافتراضي لم ينجح فقط بصفته وسيلة آمنة لمعالجة «رهاب المرتفعات»، بل يمكن الاستفادة منه في معالجة اضطراب القلق، واضطراب ما بعد الصدمة، كما أنهم يعملون الآن من أجل جعله مناسبًا لعلاج حالات أخرى أكثر تعقيدًا مثل: «أوهام الاضطهاد»، يقول فريمان: «نعمل الآن على تطوير تقنيات العالم الافتراضي، ونخطط لاختباره في تجربة سريرية كاملة»، يرى فريمان أن تقنيات الواقع الافتراضي ليست هنا من أجل الألعاب والترفيه فقط، بل ستلعب دورًا فعالًا ومؤثرًا في التقييم والعلاج بمراكز الصحة العقلية والنفسية في المستقبل.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد